الرئيسية » مقالات » (ده عتاب مع ربنا يا إبراهيم)

(ده عتاب مع ربنا يا إبراهيم)

طالعت ما كتبه أستاذي الفاضل إبراهيم الخياط عن المجرشة العراقية التي أشترك في النظم على غرارها الكثير من الشعراء العراقيين ولو جمع ما كتب لشكل ديوانا ضخما بمئات الصفحات ولا زالت هذه الرائعة الخريدة مثار أعجاب كل من يطالعها لأنها عبرت بشكل دقيق ورائع عن عمق معانات المرأة العراقية في تلك الأيام،وربما لا زالت هذه القصيدة تحتفظ بجدتها رغم مضي أكثر من ثمانية عقود على أذاعتها،فهي تعبير واقعي عن حال المرأة في أواسط القرن الماضي وأوائل القرن الجديد،الذي يصح تسميته (قرنا) بمعناه الآخر فقد أصبح قرنا طويلا لثور هائج يبقر البطون ويصيب من الناس المقاتل،لذلك لهذه القصيدة المعبرة تجلياتها في عصرنا الراهن بعد أن عادت المجتمعات القهقرى أو كما يقول المثل الشعبي (مثل بول البعير ليوره)فحق للمرأة هذه الأيام مداعبة أربابها بقارص القول على عودة العالم إلى الوراء.
وعذرا من هذه المقدمة والأجدى أن أبداء من جديد فأٌول المآخذ على أستاذي الفاضل وهو المطلع على ما ينشر في الصحافة الورقية والإلكترونية أن لا يجزم بنسبتها للشاعر الكرخي فلا زالت هذه القصيدة مثار تساؤلات وخلافات بين الباحثين والدارسين للآداب الشعبية فقد أشار الكثيرون إلى أن هذه القصيدة المنشورة في ديوان الكرخي وصحفه العديدة لم تكن خالصة النسبة إليه فقد أدعاها الكثيرون وأثير حولها لغط كبير،وثبت من خلال دراسة بعض مقاطعها أن التفرد بنسبتها للكرخي خطأ مشهور ففيها من الكلمات الفراتية التي لم تكن مألوفة في شعر الكرخي ،ولم يتطرق إليها في قصائده الكثيرة،وفيها أبيات كرخية واضحة تفصح عن نفسها لتوافقها مع أِشعار الكرخي الأخرى وطريقته في النظم التي تتسم بخواص عديدة إذا شاء الأستاذ الفاضل نوردها في مقال آخر،ولكن هناك شبه أجماع على أن الكرخي قد أستعار وزن القصيدة وطريقتها وربما مطلعها وبعض المقاطع من شاعر فراتي بدليل أن تلك المقاطع لا تتساوق وما يكتبه الكرخي وهو ما بيناه بشكل مبتسر في مقالنا المنشور على العديد من المواقع وفي جريدة الفيحاء الحلية،لذلك كنت أتمنى على أخي الكريم أن يشير إلى ذلك أو يحاول من خلال موقعه في إتحاد الأدباء العراقيين أثارة الموضوع وفتح باب النقاش لوضع الأمور في نصابها،وإعادة الحق لأصحابه الشرعيين باعتبار أن القصيدة فراتية حلية وليست بغدادية كرخية،لأن الكرخي على ما يبدوا أستغل عمله الصحفي فنشر المجرشة بأسمه بعد اطلاعه على مقاطع منها،نسج على غرارها مقاطع ونشرها بأسمه ثم توالت الإضافات حتى وصلت إلى ما وصلت إليه،وسأرفق في نهاية المقال ما نشرته عنها وعن نسبتها للكرخي أو غيره.
وقد أفادني الأستاذ الدكتور عدنان الظاهر في رسالة ” أتذكر مرة قال فيها المرحوم والدي إن القصيدة كلا أو جزءا قالتها امرأة ممن كن يعملن فعلا بالجرش من أهالي الهندية / طويريج … وقد رأيت بالفعل وكنت ما زلت طفلا هناك ساحة كبيرة ليست بعيدة عن نهر الفرات تعمل فيها ليلا ونهارا نسوة كثار خلف طواحين الحجر الرصاصية اللون / مجارش وكن دفعا للسام والملل من العملية المتكررة التي تأكل الروح يهزجن ويغنين تماما كشأن اغلب الحلاقين فهم يدفعون عن نفوسهم الملل بكثرة الكلام مع الزبون تحت أيديهم ونحن رحمة المقص والموس الحاد .”
وأفادني أيضا الأستاذ ذياب آل غلام برسالة ثم نشر مقال في المواقع الإلكترونية بأن قائلتها امرأة نظمتها في مجارشهم الكائنة في طويرج وأن نور الملا شبيب قد نظمها في ذلك المكان الذي كان الكرخي يزوره أيضا بحكم العلاقة التي تربطه بهم، مما يؤيد أنها حلاوية إضافة لما ذكرته في مقالتي السابقة من أدلة وأسانيد.
ومما يدل على إن قائلها امرأة دقة التصوير لمعاناة المرأة العاملة ،وصدق مشاعرها في التعبير عن معاناتها ،وهو ما لا يستطيع الرجل إدراكه أو التوصل إليه إلا إذا لمس عمق المعاناة وخاض تجربة مماثلة والكرخي لم يعمل في هذا الجانب مما يدل على استفادته من تجربة أخرى فكان أن كتب ما كتب مجاراة لأبيات سمعها منقولة قالتها امرأة فتلبس لبوسها وكتب عن معاناتها،وان ما في المجرشة من كلمات نسائية مما يؤيد إن قائلتها امرأة،وهذا لا يعني طعنا بشاعرية الكرخي فهو من الشعراء المجيدين المكثرين،ولكن طبيعتها واختلاف لغتها وما أثير حولها يجعلنا نجزم بأن الكرخي مقلد لا مبتكر لهذه القصيدة.
أن ما ذكرته أعلاه لا يلغي أن الأستاذ الخياط قد أستطاع بثاقب وعيه ولغته الجميلة أن يأتينا برائعة توازي المجرشة أثارة وروعة بما فيها من تصورات وأفكار رائعة جعلت المجرشة بمصاف الترانيم الثورية،فهي مناجاة المظلوم ،ونفثات عبرت من خلالها المرأة العراقية عن أفكارها بوضوح وجلاء ،وقاومت بطريقتها الخاصة الظلم الذي أحاق بها بفعل النظرة المتدنية لها في مجتمعنا الرجولي،وكان لأخي الخياط المقارنة بين عقلية المرأة وأحاسيسها في بدايات القرن المنصرم وما وصلت إليه المرأة العراقية اليوم من تدني وضحالة فكرية،رغم ما وصل إليه العالم من تطورات على الصعد المختلفة،فأصبحت نساء اليوم يتعثرن في دياجير العمى والتخلف والظلام،واختارت امرأة القرن الواحد والعشرين أن تكون دمية صاغرة غارقة في متاهات بعيدة عن التصور فاختارت بمحض إرادتها نساء يفقنها تخلفا وجهلا ليكن ممثلاتها في البرلمان،فأين المرأة القديمة الجاهلة من المرأة الحديثة المتعلمة وهل نفع العلم المدرسي المرأة وجعلها ترقى لمستوى شاعرة المجرشة التي كانت تعرف ما تريد في الوقت الذي تجهل المتعلمة ما يراد لها ،ناهيك عما تريد.

وقد وردت في القصيدة هنات كثيرة لا يتحمل مسؤوليتها الكاتب الكريم فقد نقلها عن الديوان المطبوع الذي لم يسلم من الأخطاء فعلى سبيل المثال
ساعة واكسر المجرشة وألعن أبو اليـجرش بعد
حظي يهل ودّي نـزل والجايـفه حظها صـعد
سلّمت أمري واسكتـت للي وعدني ابهالـوعـد
نصبر على الدنيه غصب لـلـّحـد وانـباريـها
والصواب (حظي يهالوادم نزل والجايفه حظها كعد)
ساعة واكسر المجرشه وانحر على النمسا ومجر
هـناك أنـكر تـبّع وقحطان والطائي ومضر
ترضه يالمسيّر سـفينة نـوح يـا رب البـشـر
عبّـيات ابو ها اكحيله واحضان الجرد يـشـبيها.
والصواب(عبيان أبوها كحيلته وأحصان الجرد يشبيها)
والمقصود عنها عملية تلقيح الخيول عندما (تشبى) الفرس الضامر بحصان أصيل
وفي الختام فالمجرشة صرخة مدوية للمرأة العراقية،وفيها صور كثيرة عن معاناتها لا تزال بحاجة إلى نضال دؤوب لتجاوزها عسى أن تعود المرأة لوعيها ذات يوم وتعلنها ثورة عارمة تطيح بكل العقبات التي وضعت في طريقها ومسخت إنسانيتها وجعلتها في آخر القائمة من المخلوقات.