الرئيسية » مقالات » ستبقى نوروز أنشودة الحرية ورمزاً للسلام

ستبقى نوروز أنشودة الحرية ورمزاً للسلام

منذ أن وعى التاريخ الشعب الكردي، كشريك في لوحة المنطقة، البشرية والسياسية والجغرافية، ومنذ أن وعى هذا الشعب ذاته ضمن سياقات التطور، كان القمع والاضطهاد نصيبه في العيش والحياة، اللهم بعض المساحات التي أفرزت تجارب كردية متواضعة في بناء الدولة أو الإمارة، وبعض المناخات التي هيأت للكرد أن يتبوأ موقع القيادة في تسيير أمور السياسة والمجتمع والاقتصاد، وكل ذلك قبل أن تعبر النزعات القوموية والشوفينية عن ذاتها، وأن تفرخ ثقافة الاستلاب والإقصاء ونسف الآخر، مضامينها في الجغرافيا التي ينتمي إليها الكرد مع باقي شركائه من الشعوب والقوميات، حيث أنه ومع مطلع القرن المنصرم، وإثر تشكل كيان الدولة في المنطقة، بعد أن تفككت السلطنة العثمانية، وكنتيجة لتوازنات القوى الاستعمارية آنذاك، وجزء من معادلة الصراع الدولي الدائر حول مناطق النفوذ، جرى تقسيم الشعب الكردي، وبشكل نهائي، وفق خارطة جيوسياسية، هي من صنيعة القوى التي فرضت أجنداتها على المسرح الدولي، وبموجبها تم إلحاق الكرد أرضاً وشعباً بالكيانات السياسية القائمة في كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا، ومعها تشتت أواصر العلاقات الاجتماعية والمصير المشترك ضمن النسيج الكردي، بين الحدود المفروضة عليه، مما كانت النتيجة، وحسب المعطيات المتاحة، أن تفاعل الإنسان الكردي مع الواقع الجديد، وربط مصيره بمصير المكون الخارج من أحشاء معادلة التوازنات، بل ساهم من جانبه في مد جسور التواصل بين أبناء البلد الواحد، منطلقاً في ذلك من إيمانه بالشراكة، وأن الكيان القائم وفق تشكيلته الجغرافية والمجتمعية، يتسع الكل، وعلى هذا الكل يقع مسؤولية المساهمة في بنائه على أسس المساواة في الحقوق والواجبات، وعليه فقد امتزج الدم الكردي بدماء شركائه، وهو يتفاعل مع عملية البناء الوطني، وقدم في سبيل ذلك التضحيات الجسام ..
هذه الحقيقة التي أراد الإنسان الكردي أن يعبر عنها عبر أدواته المجتمعية والسياسية والثقافية، ولاحقاً التنظيمية، واجهتها من الشريك الآخر – القومية السائدة – نزعة الإقصاء، ومحاولات على طريق صهر الوجود وسلخ البنية الكردية عن مقوماتها القومية، وذلك عبر العديد من المشاريع والمخططات، منها ما كانت سياسية، ومنها ما تجسدت في استهداف الوجود بالاحتكام إلى لغة القتل واستباحة الدماء، ترافقاً مع ممارسات القمع والاضطهاد التي تفعل فعلها ضمن آليات ممنهجة، بحكم أن الجهات التي توارثت زمام الحكم والسلطة، والتي تشكل منظومة سياسية وثقافية متكاملة، كانت وما تزال، تقرأ اللوحة السياسية من زاوية التسلط والاحتواء، ولا تتفهم استناداً إلى ذهنيتها وثقافتها، حقيقة الدولة القائمة على أنقاض المشاريع القسرية، وخريطتها المتداخلة في الجانبين البشري والجغرافي، بمنأى عن رأي المواطن ودوره عند التشكل والتكون، لا بل ترى في الخيار السلمي الذي يؤسس للخطاب السياسي الكردي، المنتمي إلى ثقافة التعايش والمصير المشترك بين المكونات المجتمعية في ظل دولة القانون والحريات، على أنه استجداء، وفي الفعل النضالي من أجل انتزاع الحقوق وتحقيق الهوية الكردية عبر خصوصيتها القومية على قاعدة الوحدة الوطنية، على أنها تطرف وخروج على الشرعية، كون المنطق السائد لدى هذه الجهات، لا يستطيع أن يرى الحقائق من جوانبها التاريخية، وأن يقرأ مفهوم الوطن على أنه شراكة بين المواطنين، وإنما يراها من خلال الأمر الواقع والمفروض، والذي – هذا المنطق – ساهم في إدامة دورة القمع والاستبداد، وجعل من الشعارات التي تركن إليها حركة الشعب الكردي، سواء تلك التي تدعوا إلى التآخي القومي، أو التي تهدف إلى تعزيز اللحمة الوطنية، تنخر في ذاتها وتتآكل من الداخل، كونها تصطدم بثقافة الحديد والنار، والتي تجعل من الإنسان الكردي وجبة لإشباع نزعات القوة وهواجس التعصب والشوفينية، إلى جانب عدم تفاعلها مع متطلبات العصر واستحقاقات الوضع الداخلي من جهة إطلاق الحريات وإشاعة الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، والتي من شأنها أن تبقي على القضايا عرضةً للتوتر والاحتقان، وتدفع بالمسائل إلى مسارات هي ليست في مصلحة كل من يدعي الحفاظ على الأمن والاستقرار وتعزيز الوحدة الوطنية، لأن مواجهة القضايا عبر أدوات القمع والقسر، لا يمكن لها أن تأتي بنتائجها، حتى ضمن تصورات أصحاب القوة والقرار …
إن الشعب الكردي المجزأ والمشتت، لم يزل عرضةً لسياسات القمع والتنكيل، وما تزال نظرة الاستعلاء من لدن القوميات السائدة، والتي أصحبت بمثابة ثقافة مجتمعية بحكم الممارسة، هي التي تترجم ذاتها حين تتناول القضية الكردية ومسألة حرمانه من حقوقه القومية والديمقراطية، وهذه النظرة، إلى جانب عدم الركون إلى لغة الحوار انطلاقاً من تفهم الآخر والإقرار بوجوده، هي التي تستهلك طاقات البناء، وهي التي تزيد من عوامل التناحر وحالات الاحتراب في هذه الرقعة التي يتشارك فيها الكرد مع باقي مكوناتها المستقبل والمصير، لأننا لو حاولنا استدعاء الذاكرة، لاستطعنا استخلاص العبر والدروس، والتي تؤكد في مجملها؛ بأن هذه القضية لا يمكن لها أن ترضخ لمشيئة القوة، ولنا في المشاريع والمخططات التي استهدفت الوجود الكردي إلى درجة استخدام الجيش والأسلحة الكيماوية في مواجهته، وارتكاب المجازر بحقه خير درس ودليل، وعليه نقول؛ إن أمن المنطقة واستقرارها مرهون بالتصدي للقضايا العالقة، وتأتي في مقدمة هذه القضايا، القضيتين الكردية والفلسطينية، إلى جانب قضايا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، كون الإبقاء على هاتين القضيتين ضمن أجندات التجاهل، من شأنها أن تمد المستقبل بمزيد التدهور والانتكاس، لأن الكل بات على ما يشبه اليقين، أن محاور الصراع وأشكال التصارع، تستند من حيث الجوهر إلى تداعيات هاتين القضيتين وإن اختلفت التسميات وجرى التحايل على الحقائق .
من هنا؛ وانطلاقاً من الإيمان بثقافة التعايش، وبحكم أننا كجزء من الشعب الكردي ربط مصيره بمصير شركائه في البلد، ويهمه بالدرجة الأولى الحفاظ على أمن الوطن وكرامة المواطن، وبالتالي المساهمة في ترسيخ دعائم الاستقرار عبر التصدي للقضايا الوطنية العالقة، ومن ضمنها قضية الشعب الكردي، كقضية ثاني أكبر قومية في البلاد، ما تزال محرومة من أبسط حقوقها، وفي المقدمة منها حقها في الإقرار بوجودها دستورياً وتمتعها بخصوصيتها القومية، فإننا نتوجه إلى شركائنا في البلد من مختلف المشارب والانتماءات، أخذين بعين الاعتبار مصلحة البلد ومستقبل أبنائه، لنقول؛ إن ما جرى في مدينة القامشلي الثكلى ليلة الاحتفال بالعيد القومي نوروز، من قمع وقتل وإهدار للدماء، وسط شموع الحرية وأهازيج الفرح، إنما هو تعبير عن تلك الحقيقة التي تعمل عليها أنظمة الحكم التي تضطهد الشعب الكردي، بأن الهوية الكردية لا بد وأن تنصهر في إطار مفهوم المواطنة المنقوصة، وهي كذلك تجسيد لثقافة العنصر وإقصاء الآخر، إلى جانب تهديده لاستقرار البلد وضرب أواصر العلاقة التاريخية بين المكونات الوطنية، والتي بدورها ستؤثر سلباً في مرتكزات الوحدة الوطنية ..
إن ممارسات أجهزة السلطة هذه بحق أبناء بلدها، والقائمة على سياسة ممنهجة، وفي ظل جملة من الاحتقانات التي تفرض ذاتها على المنطقة، وتنبئ بتداعيات خطيرة على أمنها ومستقبلها، ناهيكم عن أن هذه الممارسات تأتي بموازاة ترتيبات القمة العربية التي ستنعقد في دمشق، ووسط أجواء مشحونة كنتيجة لتداعيات الأوضاع في كل من فلسطين ولبنان والعراق، يحلينا إلى قناعة أكيدة، بأن النظام لا يأبه لاستحقاقات الوضع الداخلي، ولا يملك مفاتيح الحلول لها، وإنما يعتمد لغة القسر في مواجهة كل صوت يحاول أن يعبر عن هواجس المواطن السوري، خاصةً وأن المواطن الكردي لم يزل يحتفظ في ذاكرته ما جرى له بالأمس القريب، وفي ذات المدينة، وعلى مقربة من المناسبة نفسها، حين كانت أدوات القتل تنطلق من حقد أعمى وتحصد الأرواح، لا لسبب سوى أن المواطن الكردي خرج في مسيرة سلمية تشييع الشهداء، وليعبر من خلالها عن شجبه واستنكاره لتلك السياسات التي استباحت الدماء في الملعب، وبنتيجتها تحولت الشرارة إلى هبة شعبية عمت المناطق الكردية وأماكن التواجد الكردي، وساهمت تلك الممارسات والسياسات في خلق حالة من الهوة والشرخ بين أبناء البلد الواحد، نظراً لذات المنهجية التي اتبعتها السلطة وهي تعتمد على لغة القتل في باقي المناطق ..
إننا وكما قلنا؛ وحتى نساهم في بناء دولة الحق والعدل والقانون، بلد يستند إلى دستور يأخذ في الحسبان التعددية السياسية والقومية، علينا جمعياً يقع مسؤولية التصدي لمعالجة مجمل القضايا الوطنية، انطلاقاً من فهمنا جمعياً للحقائق التاريخية والموضوعية، وبعيداً كل البعد عن استرخاص الدماء وقمع المواطن وكم الأفواه، خاصةً وأن الشعب الذي يشعل نيران الحرية في نوروزه، يدرك جيداً قيم الحق ومعان السلم والوئام، وعليه، فإن ما يتم ممارسته من سياسات بحقه سوف لن يردعه في مطالباته بحقوقه، القومية منها والديمقراطية، وهو على إيمان كامل بمبادئ التعايش بين أبناء البلد الواحد، والحفاظ على أمن هذا البلد واستقراره ..
بقي أن نقول؛ تحية إلى أرواح أولئك المسالمين الذين سقطوا لا لسبب، سوى أنهم أرادوا أن يحتفلوا بنيران الحرية وفق طقوس تعبر عن الهوية والانتماء، وستبقى نوروز أنشودة الحرية ورمزاً للسلام في ذاكرة كل من يؤمن بأن الإنسان هو الغاية الأولى والأخيرة في الوجود .