الرئيسية » مقالات » أمريكا والبحث عن طريقٍ إلى طهران…

أمريكا والبحث عن طريقٍ إلى طهران…

إمبراطورية المتقوقعين – جمهورية العمائم – إمارة الشر السوداء .
سمّها ما شئت , فكل هذه التسميات تدل على إيران – وتحديداً إيران الخميني ,التي شكلت منذ سقوط طهران بأيدي الملالي تحدياً قوياً و تهديداً مباشراً للخط العلماني وضربةً قوية لمفهوم فصل الدين عن الدولة و للمصالح الدولية في إيران و المنطقة .
عملياً, ظهر التناقض سريعاً بين إيران و كلا القطبين- أيام الحرب الباردة – ايدولوجياً و سياسياً و مصالحياً , فالاتحاد السوفييتي – من وجهة نظرها – كان يمارس و يرعى منظومة الإلحاد في العالم !!
وأمريكا هو الشيطان الأكبر , يجب محاربته في كل زمان و مكان , و فعلاً تهجم الإيرانيون على سفارة الولايات المتحدة في طهران عقب نجاح ثورتهم ( 1979 ) و أخذوا طاقمها رهائن و قد تسببت تلك الحادثة حينها بأزمة دولية و بنقطة البداية في قطع العلاقات فيما بينهما .
تاريخياً , استفادت إيران كثيراً من ظروف الحرب الباردة , المتمثلة بالصراع و التنافس بين القطبين الرأسمالي و الاشتراكي , من تقسيم مناطق النفوذ و سباق التسلح و غيره.. , بمعنى خوف كلا الطرفين من خلق أعداء لها في العالمين العربي و الإسلامي بسبب العلاقات المتينة التي أسستها إيران معها و خاصة الدول العربية بعد أن تبنت إيران القضية الفلسطينية ( قضية العرب المركزية ) , إضافة إلى أنها حازت على إعجاب الشعوب الإسلامية في كل مكان لأنها أثبتت للعالم بأن الدين الإسلامي مازال يملك القدرة و الحيوية و يؤهله لقيادة الدول والمجتمعات فحققت نمواً عسكرياً و سياسياً و نفوذاً قوياً لها في المنطقة.
خلال الحرب الباردة سعت إيران لتأسيس قطب ثالث قائم على الأيديولوجية الإسلامية يتألف من الدول الإسلامية, و لكنها فشلت بسبب ارتباط تلك الدول بمنظومة أحد القطبين سياسياً و عسكرياً و اقتصادياً . و بعد انهيار الاتحاد السوفييتي و معه نظام القطبين , و تشكل ما يسمى بالنظام الدولي الجديد و الذي حمل معه أفكاراً و مبادئ جديدة كاحترام حقوق الإنسان و الديمقراطية و مكافحة الأنظمة الدكتاتورية و ضمان حق الأمم في تقرير مصيرها وفق مبادئ الأمم المتحدة و شرعيتها , كان من الطبيعي أن تكون إيران بمواجهة الأسرة الدولية و على رأسها الولايات المتحدة باعتبارها تقود العالم , و أصبحت – خاصةً- في الوقت المعاصر الشغل الشاغل للإدارة الأمريكية ومحتلةً حيزاً كبيراً في سياستها الخارجية , و يعود ذلك لجملة من الأسباب و العوامل و أهمها :
1- دعم إيران للجماعات و المنظمات الإرهابية , ونشر خلاياها النائمة في كل أنحاء العالم , و إيقاظها عند الضرورة بغية ضرب المصالح الأمريكية و ( الإسرائيلية !!!) دون هوادة , وعرقلة عملية التغيير الديمقراطي في الشرق الأوسط , وهذا ما تعتبره الولايات المتحدة تهديداً لأمنها و للسلم العالمي و بالتالي خرقاً لمبادئ القانون الدولي .
2- سعي إيران إلى امتلاك الأسلحة النووية و القيام بعملية تخصيب اليورانيوم , و ذلك يشكل خطراً عالمياً كبيراً, بسبب الخوف من أن تصل تلك الأسلحة للجماعات الإرهابية, إضافة إلى أنّ وجود إيران نووية في المنطقة يزعج الدولة العبرية الحليفة الإستراتيجية لها .
3- التدخل الإيراني في شؤون الدول لزعزعة أمنها و استقرارها , و تصدير أفكارها إليها و خاصةً في الدول التي تشهد عمليات التحول الديمقراطي ( أفغانستان – العراق – لبنان – فلسطين ) و ذلك عبر حلفائها في تلك البلدان .
4- إن إسرائيل لما لها من قوة التأثير على مجرى الأحداث في المنطقة و العالم لا ترغب برؤية إيران نووية , و هذا ما جعل اليهود- وخاصةً – في الكونغرس يستنفرون ويضغطون و يحرّضون في اتجاه عزل إيران و إضعافها .
في الحقيقة كثرت السيناريوهات مؤخراً حول شكل التعامل الأمريكي مع إيران, و لكن ظلّ الاجتياح العسكري هو الخيار الأبرز في ظل التعنت الإيراني و إصراره على تخصيب اليورانيوم في تحدٍ واضحٍ للقرارات الدولية ( على غرار نظام البعث في العراق !!) , و الجدير بالذكر أن الأمريكيين و على جميع المستويات لم يستبعدوا هذا الخيار, و لكن و لاعتبارات خاصة تم تأجيله إلى الوقت المناسب و هذه الاعتبارات – من وجهة نظري – هي :
1- تأثير مثل هذا القرار على مستقبل الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية المقبلة في الولايات المتحدة , خاصةً و أن خسائر الجيش الأمريكي في العراق , قد أثر على وضعهم في الانتخابات النصفية للكونغرس بتراجعهم الملحوظ فيها .
2- العمل على جعل القرار أكثر قانونيةً و شرعيةً , بتحويله من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أروقة الأمم المتحدة لاتخاذ ما يلزم من قرارات ملزمة بدءً من العقوبات الاقتصادية و تجميد أموال المسئولين و البنوك الإيرانية , وإصدار عقوبات أشد مستقبلاً في حال استمرار تعنتها و تحديها للإرادة الدولية !! و بمعنى آخر جعل القرار دولياً و ليس أمريكياً فهذا يريحها على الأقل على المستوى الداخلي و يخفف من ثقل صورتها البشعة المنقولة للعالم , والمرسومة- خاصةً- في المخيلة الشرق أوسطية .
3- الأخذ بالحسبان خطر حلفائها من منظمات و جماعات منتشرة في كل أنحاء العالم , التي لن تقف مكتوفة الأيدي في حال تم استهداف إيران , و لا يخفى أن أحد أبرز حلفائها و أخطرهم هو ( حزب الله ) في جنوب لبنان . و تحسباً لما ذكرناه فقد اعتمدت أمريكا منهجية في العمل السياسي – الدبلوماسي تجنبها الأخطار التي قد تتعرض لها إذا ما فكرت باجتياح هذا البلد عسكرياً , تضمنت كما ذكرنا وضع المنظمة الدولية أمام مسؤولياتها , و تضخيم الخطر الإيراني في الداخل و الخارج على حد سواء , ومن ثم عملت دبلوماسيتها بجد مع حلفائها على تحييد و إضعاف حلفاء إيران في العالم و خاصة حزب الله في لبنان , من خلال جملة من الإجراءات و الخطوات الدولية تجلت فيما يلي :
1- إصدار القرار رقم ( 1559) الذي تضمن نقطتين مهمتين للغاية يهدفان إلى إضعاف حزب الله و إرباكه وهي : أ – انسحاب القوات الأجنبية ( سورية ) من لبنان , وبمعنى آخر تفكيك التحالف العملي( على الأرض) بين سورية و حزب الله ب – نزع سلاح الميليشيات في لبنان ( حزب الله ).
2- تصنيف حزب الله ضمن المنظمات و الحركات الإرهابية , و وضع اسمه على اللائحة الدولية السوداء.
3 – وضع الحزب ضمن دائرة القوى المعرقلة للمشروع الديمقراطي في العالم و المنطقة ( محور الشر) .
4- الضغط على سورية لضبط حدودها مع لبنان لمنع وصول الإمدادات العسكرية إلى الحزب , القادمة سواءً من سورية أو من إيران .
5- بعد فك التحالف السوري – حزب الله في لبنان وعمليات ضبط الحدود السورية – اللبنانية كان لا بد من حرب يستنزف خلاله الحزب السلاح المتبقي لديه فكانت ( حرب تموز2006 ) التي شنها الجيش الإسرائيلي على معاقل الحزب جنوب لبنان . و على المستوى الإعلامي و الدبلوماسي استفادت الولايات المتحدة إلى حد كبير من الأخطاء إلى ارتكبتها قيادة الحزب و خاصةً فيما يتعلق بالتهجم على إسرائيل (بإزالتها من الوجود !! ) .
و من ناحية التعامل مع إيران نفسها , فانّ الولايات المتحدة تأخذ أيضاً ( الظروف الإيرانية الداخلية ) بعين الحسبان و التي لا يمكن تجاهلها وهي بمجملها تؤثر على شكل و توقيت و طريقة التعامل الأمريكي مع طهران وهذه الظروف هيّ :
1- ضعف المعارضة الإيرانية بشكل عام و تشتتها و بالتالي ضعف تأثيرها على الشارع الإيراني و هي تتبنى بمعظمها العلمانية ( الكفر و الإلحاد!! ) و البقية هي منظمات سنّية ( مجاهدي خلق ) تختلف مع الغالبية الشيعية في المجتمع الإيراني , وهذا الواقع هو عكس ما كانت عليه المعارضة العراقية أيام حكم الدكتاتور صدام حسين .
2- إنّ إيران لا يحكمها حزب سياسي أو أقلية قومية تمثل فئة معينة من الناس , يمكن في تلك الحالة الاستفادة من الفجوات و الشروخ التي يمكن أن تنشأ بينها و بين الأحزاب و التيارات الأخرى , ولكنها جمهورية عقائدية دينية ( مذهبية ) تمثل الغالبية العظمى من الشعب الإيراني المعبأ بفكرة أن أمريكا هي الشيطان الأكبر يجب محاربته و ضرب مصالحه في كل زمان و مكان كما أسلفنا .
و بنظرة سريعة للانتخابات الإيرانية الحالية يمكن ملاحظة هذا الأمر بوضوح فالغالبية العظمى من الشعب الإيراني منقسم بين التيارين الإصلاحي و المحافظ و دائماً ضمن إطار (الدينية الإسلامية و المذهبية الشيعية ).
أعتقد أخيراً, بأن المشهد العراقي – الأفغانستاني لن يتكرر في إيران , بسبب مجمل الظروف التي تحيط بالحالة الإيرانية من داخلية وخارجية , وهذا لا يعني مطلقاً بأنها ستنجو من العقاب الدولي , و من ضمنه التدخل العسكري , و لكن شكل الضربة العسكرية ستختلف , فالاعتماد سيكون بشكل شبه كامل على القصف الجوي على المواقع الحساسة و تدميرها و من ضمنها المنشآت النووية طبعاً , لتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة , ووفق ميثاق الأمم المتحدة ( الفصل السابع) و هذه المهمة ستتكلف بها كالعادة الولايات المتحدة وبشكل خفي و غير معلن إسرائيل,
و في أسوأ الحالات إذا ما شهدت إيران هزة داخلية للنظام فستكون بانتقال السلطة من المتشددين ( تيار أحمدي نجاد ) إلى الإصلاحيين ( تيار محمد خاتمي ) و في ظل الظروف الحالية سيكون ذلك مكسباً إيرانياً و إقليمياً و دولياً.