الرئيسية » مقالات » كردستان العراق بين الدخان و الدم و الصمت !

كردستان العراق بين الدخان و الدم و الصمت !

إن الذين يمارسون التدمير و القتل في كردستان , و يبيدون شعبها المسلم, و يخنقون طموحات أبنائها في الحرية و الكرامة, لا يختلفون بشيء عن أولئك الذين يشّرعون تلك الأعمال اللاانسانية و تلك المنهجية في الإجرام و الإبادة بصمتهم , صمتٍ يحمل في طياته أقصى درجات الرضا و السعادة و البهجة .
ومن قال بأن الكرد يحتلون في قاموسهم الحضاري والإنساني غير المحو و الأنفلة !
و التاريخ يشهد .
هم العسكر بجبروتهم و بنعالهم , وهم المثقفون بأقلامهم , وهم السياسيون بصمتهم و مؤامراتهم .
إنهم يدمرون أرض كردستان ويشوهون تاريخها و حضارتها .
إنهم يحطمون كبرياء الآريين و يحرقون ما تبقى حياً من الآفستا, و ينتقمون من الجبال التي حمت الكرد من الانصهار و الانحلال.
إنهم يحملون الثقافة الهمجية ذاتها , التي توارثوها جيلاً بعد جيل, حتى باتت جزءً من فلكلورهم وعرفهم, يتباهون بها في المحافل, ويضيفون لانجازاتهم الحضارية انتصاراً جديداً على شعب أعزل و مسالم !!! .
إنهم يحملون نفس عقلية التآمر وذات ذهنية العمل السري من خلف الكواليس الستائر, لأنها – منطقياً- المكان الأسلم , و الحاضن الطبيعي و الآمن لاستمرارهم , لوجودهم الشاذ في تاريخ البشرية , باعتبارهم ألد أعداء التطور والشفافية والحضارة, و الديمقراطية .
لكل منهما أرشيف من القمع و الإقصاء, و إمبراطوريات قامت على الجماجم و العظام, حكمت كل واحدة منها قروناً , نشرت خلالها كل أنواع الفساد و المؤامرات و القتل الجماعي الممنهج , حتى أضحت بحق و دون مبالغة ( إمبراطوريات الدم و اللصوصية) .
أفسدوا الإخوّة و التعايش الآمن بين الشعوب في المنطقة , دمروا القيم الإنسانية و الحضارية , حولوا تاريخ المنطقة إلى حروب و كوارث و تدمير, بإنتاج ثقافة البغض و الكراهية و التعالي والإقصاء .
وبناءً عليه فان الحقيقة يجب أن تقال ,وهي أنّ الكرد يختلفون عنهم تماماً, من حيث التوجهات والطموحات , إضافةً إلى البنية الفكرية و التركيبة النفسية والجذور التاريخية.
و الأسئلة التي تطل برؤوسها بين الفينة و الأخرى هي : ما هو الفرق بين الشعبين الفلسطيني و الكردي مثلاً ؟ و ما الذي يميّز الشعب اللبناني عن الكردي ؟ و ما هو الاختلاف بين شعبي جزيرة الواقواق و الكردي..؟
في ثقافة هؤلاء لم يخلق الكردي إلا ليقتل .. ليباد .. ليدفن حياً في التراب !!
هو الفارق …!
هم يجرّمون وجود الكرد بحد ذاته, ويخوّنون زعمائهم و قواد انتفاضاتهم و ثوراتهم , و يسمونهم بأدوات الاستعمار و الصهيونية , هوايتهم هو نهب الأرض و العرض !! لإهدائها للخارج المتربص .
طبعاً , الكردي لايهتم بكل نلك , فهو بكل بساطة باحث دائم عن الحرية و الخبز, عن حياةٍ تليق بأحفاد صلاح الدين الأيوبي و أحمد شوقي و محمد كردعلي و يوسف العظمة و البارزاني الخالد …
المشهد في كردستان العراق اليوم , هو الصورة الأكثر جلاءً لأزمة التحضر و المدنية, ولمستوى الانحطاط السياسي و الأخلاقي الذي وصل إليه قاتلوا كردستان وشعبها, الذين حوّلوا الرافدين إلى سوقٌ يقايض فيه الإنسان بكل ما يحمله من المعاني الخيّرة بالمصالح الاقتصادية بين كل الأطراف الساعية للوصول إلى ينابيع البترول ومصادر الطاقة .
المشهد في كردستان العراق اليوم , هوتدنيسٌ لنقاء الجبال الشامخة منذ الأزل , و تدميرٌ لبنية الإنسان المتحرر من ثقافة القهر وعقدة القمع , الساعي إلى بناء بلد ٍ يسوده العدالة و المساواة بين كل تكويناته و تلاوينه القومية و الدينية و السياسية , وبمعنى آخر التأسيس لثقافةٍ ديمقراطيةٍ , لوطنٍ ديمقراطي يحكمه القانون باعتباره فوق الجميع .
وضمن هذا المشهد فقدت الدول الكبرى و الصغرى على حد سواء مصداقيتها فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب و حماية حقوق الإنسان و تعزيز دور الهيئات و المنظمات الدولية لصالح الشعوب المقهورة , وهي متحالفة مع تركية الطورانية في حربها القذرة على الوطن الكردي المتحرر في العراق .
إذاً ماذا يعني أن تقدم الولايات المتحدة الأمريكية صوراً جوية التقطتها أقمارها الصناعية التجسسية لمواقع المقاتلين الكرد إلى القيادات العسكرية التركية .؟
و ماذا يعني سكوت الحكومة المركزية العراقية في بغداد , أو في أفضل الأحوال استنكارها الخجول لما يجري على أراضيها الشمالية .؟
و ماذا يعني الصمت العربي المخجل ( الرسمي و الشعبي ) إزاء إبادة شعبٍ مسلمٍ وانتهاك سيادة دولةٍ عضو في جامعة الدول العربية .؟ و ماذا .. و ماذا……؟
إنها المؤامرة بكل تفاصيلها … لقد التقت مصالح معظم الأطراف وخاصةً الإقليمية على قتل الكرد, ووأد فيدراليتهم في مهدها , و القضاء على حركاتهم الإرهابية !!
و إعادتهم إلى بيت الطاعة , إلى شريعة الله ونبيّه !! و تعليم أبناء و بنات فارس الشرق و قاهر أعداء الأمة الإسلامية و محرر القدس ( صلاح الدين الأيوبي) أصول الدين و العبادة و الوطنية الحقيقية !!!
الأكثر غرابة في هذا المشهد هو أنّ العواصم العربية مغلقةٌ تماماً- هذه الأيام – بوجه الاحتجاج الكردي , الإخوة في الدين و الشركاء في الجغرافية و التاريخ , بينما هي مفتوحةٌ كمعابر اعتيادية للعبرانيين ( الإسرائيليون) يعبرونها إلى جميع الأنحاء وفي كل الاتجاهات !!!.
و المثقفون العرب منشغلون بالأوهام و تضخيم القضايا للجماهير العربية المغلوبة على أمرها و فكرها , بهدف إلهائها عن واجباتها الحقيقية في التصدي للاستبداد ودحره , كما حدث في شوارع الخرطوم مؤخراً من مظاهرات حاشدة – بتحريض رسمي – احتجاجاً على نشر رسوم مسيئة للرسول , بينما ُترفض أية احتجاجات عربية و غير عربية على الجرائم البشعة التي ترتكبها السلطات السودانية بحق أبناء دارفور أوعلى الحرب التي تشنها الدولة التركية ضد الشعب الكردي, وهي– تركية و السودان – ترتكب أكبر أنواع الإساءات للرسول الكريم وملائكته وكتبه و…. , وما ذكرناه هو مثال فردي , ولكنه يمثل حالة شرق أوسطية عامة .
قبل أن أضع قلمي جانباً, لا بدّ لنا من توجيه التحيّات الصادقة و العميقة للمدافعين الأشاوس , والمناضلين الأبطال على قمم جبال كردستان وفي وديانها , حاملي آمال و طموحات الملايين من أبناء وبنات الشعب الكردي و كل الديمقراطيين و الأحرار بشرقٍ خالٍ من التمييز و الإقصاء و العنصرية .

السنة الكبيسة 29- 2- 2008