الرئيسية » مقالات » نعيش منذ أوائل الخمسينات في ظل أربع أساطير سياسية

نعيش منذ أوائل الخمسينات في ظل أربع أساطير سياسية

العولمة هي عصر المراجعة الشاملة للمذاهب السياسية والاقتصادية وللسياسات الثقافية والانتماءات الاصيلة للشعوب. ذلك ان الانقلاب العالمي الذي ترتب على انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة من جانب، وسرعة التغيرات التي احدثتها قوى العولمة المتعددة من جانب آخر، فرضت على مختلف الدول أن تراجع سياساتها وتعيد صياغة مذاهبها الاقتصادية وقيمها الثقافية، حتى تتفق مع مناخ العصر الجديد، الذي اختفت فيه الحدود بين الدول نتيجة سمة “الاتصالية” التي تميز مجتمع المعلومات العالمي، ومن جراء سرعة وعمق التفاعلات بين الامم والشعوب.
وفي هذا المجال كان لا بد من اعادة النظر في المذاهب السياسية بعد ان سقطت الشمولية كنظام سياسي، وعقب المقاومة ضد النظم السلطوية والتي تعبر عن استمرار نظم حكم تقوم على اساس قمع حركة الجماهير.
ومن هنا برزت الديموقراطية – كنظام سياسي – الى المقدمة، باعتبارها النظام الامثل الذي يحقق الاحتياجات الاساسية للنخبة والجماهير معا.
وهذا الصعود الديموقراطي – ان صح التعبير – فرض نفسه على الدول العربية المعاصرة، بكل انماطها الشمولية والسلطوية وشبه الليبرالية.
وما زالت بعض النظم السياسية الشمولية تحارب بضراوة موجات الديموقراطية المتدفقة متذرعة بحجج شتى. بعض هذه النظم تدّعي انها هي وليست النظم الديموقراطية الغربية التي تعد التجسيد الحقيقي للديموقراطية المباشرة الموروثة من اثينا! بعضها الآخر اعلن بداية عصر الاصلاح السياسي والذي لا يتجاوز السماح لبعض الاحزاب السياسية ان تلعب دور “الكومبارس” في ملعب الحزب الواحد المتسع الارجاء! وحاولت نظم اخرى ادخال صيغ بالغة التواضع لنوع من انواع الشورى غير الملزمة، اقتداء باجتهاد اسلامي قديم، يقر مبدأ الشورى وان كان لا يرى انها ملزمة!
اما باقي النظم السياسية العربية السلطوية فقد اعلنت برنامجا واسعاً للاصلاح السياسي، غير انه في التطبيق ثبت بما لا يدع مجالا للشك انها تنزع الى نوع من انواع “الديموقراطية المقيدة”، التي تؤدي عملا الى وضع عقبات متعددة امام حق المشاركة السياسية، وهو حق اصيل من حقوق المواطن في اي دولة ديموقراطية.
اما النظم السياسية شبه الليبرالية فقد قنعت بتوسيع دائرة مشاركة الاحزاب السياسية المعارضة في الحكم، من خلال اختيار عدد من زعماء هذه الاحزاب في التشكيلات الوزارية، وفتح باب النقد الذاتي العلني لسياسات العهود السياسية السابقة، التي مارست القهر السياسي بطريقة منهجية منظمة.
واذا تأملنا المشهد السياسي العربي الراهن، يمكن القول ان آفاق الديموقراطية بمعناها الاصيل ليست واسعة ولا ممتدة! والسؤال هو ما الذي يمنع تحقيق الديموقراطية في العالم العربي؟
الواقع ان الاجابة تحتاج الى الالمام بكل عناصر الصورة المجتمعية العربية المعقدة. وليس هناك من شك في ان المجتمع العربي قد ورث تقاليد قبلية راسخة تعد من بين معوقات الممارسة الديموقراطية بالاضافة الى تقاليد العصبية والطائفية.
صحيح ان عددا من البلاد العربية قد قطع اشواطا متعددة في مجال التحديث، غير ان هذه المحاولات التحديثية لم تستطع ان تحقق الحداثة الحقيقية، بما تتضمنه من الاحترام الشديد للفرد وحقوقه باعتباره فرداً، ومن سيادة العقلانية، ومن تأسيس دولة القانون التي تعيد احترام حق المواطنة بغير تمييز بين الجنس واللون والدين وهو من الحقوق المقدسة. وقبل ذلك كله لم تستطع محاولات التحديث عشوائية كانت أم منظمة، أن تصل الى عتبة تداول السلطة، وهو مبدأ بغيره لا تقوم أي ديموقراطية.
وهكذا يمكن القول إن الاوضاع الاجتماعية الموروثة والحالية الناجمة عن استئثار طبقات اجتماعية بعينها بالسلطة طوال مراحل تاريخية طويلة، من بين أهم الاسباب التي تحول دون نشوء ديموقراطية عربية اصيلة.
غير أنه بجانب ذلك لا بد من الاشارة الى الدور السلبي الذي مارسته النخبة السياسية العربية في مجال تحقيق المثال الديموقراطي.
ذلك أن بعض أجنحة النخبة اليسارية عموماً والاشتراكية والقومية خصوصاً وقفت في مراحل تاريخية سابقة موقف العداء الصريح من الديموقراطية الغربية، باعتبارها تعبيراً عن الطبقات البورجوازية الغربية، وبالتالي فهي لا تستطيع تمثيل مصالح الجماهير العريضة التي تنتمي الى الطبقات الفقيرة والوسطى. لذلك انحازت هذه الاجنحة الى الديموقراطية الاشتراكية التي ترفع رايات العدل الاجتماعي للجماهير، حتى لو كان ذلك على حساب الحريات السياسية التي تقدسها الديموقراطية باعتبارها نظاماً سياسياً. وقد أدى ذلك الى انعزال أجنحة النخبة الليبرالية وانزوائها في عصور “الثورات الشعبية” مما أدى الى جمود خطابها السياسي وتكلسه. واذا كانت هذه النخب الليبرالية العربية قد تم استدعاؤها في مرحلتنا الراهنة على عجل، لتجميل وجه السلطوية الراسخة، الا أنها أثبتت عجزها عن التجدد السياسي، بل اصبح مشروعها مماثلاً الا قليلاً لمشروع الدولة العربية السلطوية، التي تريد أن تتجمل بالديموقراطية، مع أنها في الواقع تكذب كذباً صريحاً في هذا المجال.
واذا أضفنا الى ذلك تدهور الاوضاع الثقافية في المجتمع العربي الذي تبلغ نسبة الأمية فيه 40%، والافتقار الى أسس التفكير العلمي، وغلبة التفكير الخرافي، وطغيان التطرف الديني الذي يمارس الارهاب المعنوي في وجه عام ضد قوى الحداثة والعصرية، وأدى بوجه خاص الى الوقوع في وهدة الارهاب الصريح، فإن عوائق التطور الديموقراطي تصبح جلية واضحة.
غير أنه يمكن القول إن بعض عناصر النخبة الثقافية العربية أدركت منذ عقود وخصوصاً بعد هزيمة حزيران 1967، تعقيد المأزق الديموقراطي الذي يمر به المجتمع العربي. ولذلك نظمت هذه العناصر صفوفها وعقدت ندوات شتى في عواصم عربية متعددة لمناقشة تحديات الديموقراطية.
ومن أبرز هذه الندوات الرائدة تلك التي عقدها “مركز دراسات الوحدة العربية” في قبرص وذلك عام 1989 وشاركت فيها بالابحاث والمناقشات مجموعة من أبرز الباحثين والمفكرين العرب.
كان عنوان الندوة الدال “أزمة الديموقراطية في الوطن العربي”. وقد مثلت الاتجاهات اليسارية واليمينية والاسلامية شخصيات بارزة تنتمي الى هذه التيارات جميعا، ودار حوار خصب في هذه الندوة التي نشرت أبحاثها ومداولاتها بالكامل في كتاب يعد مرجعاً فكرياً اساسياً.
وقد راجعت – لمناسبة كتابة هذا المقال – عدداً من أعمال هذه الندوات، وتأملت دراسة قديمة لي نشرتها عقب عقد هذه الندوة وكنت مشاركاً فيها، وكانت بعنوان “سقوط الاساطير السياسية”.
واكتشفت انه – للاسف الشديد – بعد حوالى عقدين لم نستطع تخطي عتبة التأسيس الحقيقي والاصيل لديموقراطية عربية أصيلة، يمكن أن تجعلنا كعرب نعيش ككائنات مبدعة وخلاقة في عصر العولمة.
وذلك بالرغم من التشخيص الدقيق للازمة الذي قام به عدد من المفكرين العرب المبدعين.
ووجدتني في هذه الدراسة القديمة أقرر أننا “… عشنا منذ عهد الاستقلال العربي في أوائل الخمسينات في ظل ثلاث اساطير سياسية:
الاسطورة الاولى هي الثورة بغير ديموقراطية، والاسطورة الثانية هي الاشتراكية بغير مشاركة شعبية، والاسطورة الثالثة هي امكان تحقيق الوحدة العربية باستخدام القوة”. ويمكن أن نضيف اليوم أسطورة رابعة وهي تحقيق الديموقراطية بغير ديموقراطيين!
غير انه أهم من ذلك كله، ما خلصت اليه من نتيجة اساسية مفادها ان النخبة الثقافية العربية يبدو أنها تحلم بنموذج ديموقراطي شامل يتكون من عناصر اساسية وهي:
– تحقيق الحريات الاساسية للانسان مستقاة من النموذج الليبرالي.
– وتحقيق العدالة الاجتماعية مستقاة من النموذج الاشتراكي.
– وتحقيق الاصالة الحضارية مستقاة من النموذج الاسلامي.
حلم مشروع، وإن كان زاخراً بالمشكلات النظرية والتطبيقية على السواء! 
– القاهرة
باحث مصري