الرئيسية » مقالات » هل الإستقرار الأمني النسبي في العراق إنجاز حكومي أم إرادة شعبية ؟

هل الإستقرار الأمني النسبي في العراق إنجاز حكومي أم إرادة شعبية ؟

تشير الأخبار الواردة من العراق سواء عبر وسائل الإعلام أو عبر الإتصالات الشخصية التي يجريها العراقيين المقيمين في الخارج مع أهلهم وأقاربهم في الداخل الى أن الوضع الأمني في البلاد بشكل عام وفي العاصمة بغداد والمنطقة الغربية بشكل خاص يشهد إستقراراً نسبياً مقارنة بدوامة الموت والعنف والإرهاب التي إجتاحته منذ 2003 وحتى الأمس القريب.. ونقول نسبي لعدم توفر الأسباب الموضوعية لإستمراره وديمومته على الأقل حتى هذه اللحظة وأهمها وأولها هو عدم وجود النية الحقيقية للكثير من الأطراف ذات العلاقة وعلى رأسها الحكومة في تحقيقه وترسيخه على عكس ماتروجه الأخيرة سواء عبر وسائل إعلامها أو عبر أقلامها وأبواقها المحسوبة على الثقافة التي إنتشرت الآن في مواقع الإنترنت من أنها صاحبة الفضل الأول والأساسي في تحقيق هذا الإستقرار في حين أن لاعلاقة لها بالموضوع لامن قريب ولامن بعيد بل ولم تشارك فيه بتاتاً في بعض المناطق

إن الدليل على أن ليس للحكومة ناقة ولاجمل في عملية إعادة الأمن والإستقرار التي حدثت في المنطقة الغربية مثلاً هو أن أحزابها ومنذ (الساعة السودة) التي جائت بها للعراق وتشكيلها لحكومة تلو الأخرى لم تحقق أي تقدم يذكر في تحقيق الأمن والإستقرار لا في هذه المنطقة ولا في غيرها لأنها لم ولا ولن تمتلك النية الصادقة لتحقيقه وكلنا نتذكر الأشهر الصعبة والمؤلمة التي عاشها أبناء تلك المنطقة ومن بعدهم أبناء أغلب أحياء بغداد تحت وطأة إرهاب القاعدة وميليشيات الموت الطائفية دون أن تحرك تلك الحكومات ساكناً لنجدة أبنائها بل وصمّت آذانها عن سماع ندائاتهم المتواصلة لتخليصهم من تلك المعاناة وإكتفت فقط بإستغلال وتوضيف موضوع الإرهاب ودماء ضحاياه ببروباغنداها الطائفية التي تنتهجها منذ 4 سنوات.. وعندما كانت تحاول حسب إدعائاتها محاربة الإرهاب في تلك المنطقة بالتعاون مع قوات الإحتلال عبر عمليات (الرزة المزدوجة) و(الصحن الدوار) و(الشعاع الخارق) كان مصير هذه العمليات على الدوام الفشل ولم يتحقق منها سوى تدمير بيوت الآمنين من أبنائها وتقتيلهم وتشريدهم أما فلول الإرهاب فكنا نراها تعاود الظهور من جديد في مناطق أخرى لتستمر تلك الحلقة المفرغة التي أريد لها على مايبدوا أن تستمر بتخطيط وتواطؤ مسبق بين أطراف عديدة والدليل هو إن وزير دفاع إحدى حكومات الإحتلال وبعد إنتهاء إحدى العمليات ضد فلول الإرهاب في المنطقة الغربية ظهر على التلفاز ليصرح قائلاً ” لقد طوقناهم وكان بإمكاننا القضاء عليهم تماماً لكننا تركنا لهم منفذاً الى مدينة أخرى لذا نحن نعلم جيداً الى أين سيتجهون ” وهو تصريح خطير إذا ما توقفنا عنده قليلاً لأنه يعني إن هذه الحكومات كانت تترك الإرهابيين يتنقلون بين مدن بعينها في تلك المنطقة وفي نفس الوقت لم يكن إعلامها يتوقف عن وصف أبناء تلك المدن بأنهم حواضن للإرهاب وبأنهم إستقدموه الى مناطقهم وبأن مايحصل لهم هو بسبب تصرفاتهم ملقياً كل اللوم على أناس بسطاء وجدوا أنفسهم فجأة في (خانة اليَك) وقعوا ضحية لجهتين واحدة إدعت بأنها جائت لمساعدتهم لكنها إختطفتهم وأرهبتهم وروّعتهم ونزلت فيهم تقتيلاً لم يكن لهم حينها قِبل بمواجهتها وأخرى إدعت بأنها حكومتهم لكنها سكتت عما حدث لهم بل وربما شاركت بعض أطرافها في حدوثه وإستغلته إعلامياً لتحقيق أهداف خطيرة ويوم إنتفض أبناء تلك المدن ضد الإرهاب (بشتى صوره) بدأت تتوجس من هذه الإنتفاضة وأخذت تتلاعب حتى بالكلمات والأوصاف وتصوغها بما يتلائم مع مخططاتها ففي الوقت الذي شكل فيه أبناء تلك المناطق مجالس لإنقاذ مناطقهم أطلقت الحكومة على هذه المجالس تسمية مجالس صحوة والفرق واضح بين المصطلحين فالإنقاذ يعني بأن أبناء تلك المدن كانوا في وضع صعب وحرج وتحت هيمنة وتهديد تنظيمات إرهابية دموية لم يكن لهم قِبل بمواجهتها واليوم إنبروا لإنقاذ أنفسهم منها أما الصحوة فتعني أنهم كانوا نيام أو سكارى أو مخدوعين ومتواطئين مع هذه التنظيمات والآن صحوا على أنفسهم ورجعوا الى عقولهم !!

وبعد تشكيل مجالس الإنقاذ ونجاحها في تطهير مناطقها من إرهاب القاعدة والميليشيات الطائفية وطردها منها كثيراً ماسمعنا أعضاء هذه المجالس يشكون من عدم تعاون الحكومة ودعمها لهم وكلنا نتذكر موقفها الذي كان ولايزال رافضاً لتسليحهم من قبل الأمريكان خوفاً من أن يتحولوا بعد إستقرار مناطقهم الى قوة مكافئة لها وموازية لقدرات ميليشيات أحزابها وربما أشد نتيجة لخلفياتهم العسكرية والسياسية والإدارية التي يفتقدها رجالها الطارئين على هذه الأمور.. وقد إزداد هذا الخوف وترسّخ بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي جورج بوش الى الشيخ الراحل ستار أبو ريشة وفاجأ بها آنذاك الساسة العراقيين خارقاً القواعد البروتوكولية عندما دعاهم وعلى أعلى المستويات للحضور واللقاء به في منزل ذلك الشيخ الشاب الذي بدأ إسمه حينها يتردد في وسائل الإعلام مرتبطاً بالنجاحات المتواصلة التي كان يحققها على عكس أسماء هؤلاء الساسة التي كانت ولاتزال تتردد في وسائل الإعلام منذ 2003 وحتى هذه اللحظة مرتبطة بالفشل والفساد والإخفاقات المتواصلة حيث أشاد الرئيس الأمريكي في ذلك اللقاء بدور الشيخ الراحل وبتجربته المتميزة التي أخذ يستشهد بها حتى في خطبه الإسبوعية للشعب الأمريكي.. إلا أن الحكومة وكعادتها في إستغلال المواقف وقلب الحقائق وخلق المبررات لتغطية فشلها سارعت الى تجيير الأمر لصالحها وتصويره على أنه إنجاز تأريخي من إنجازاتها العديدة التي لاوجود لها سوى في مخيلة أعضائها وأتباعها وإمعاتها كما فعلت قبل أشهر مع حدث الفوز التأريخي الذي حققه المنتخب العراقي لكرة القدم في نهائيات كأس آسيا فحينها والكل يعلم لم تقدم الحكومة أي تسهيلات للفريق أثناء إستعداده وتوجهه للمشاركة في تلك النهائيات أن لم تكن بعض أطرافها قد وضعت حينها العراقيل أمامه وأمام أعضائه إلا أنه عندما نجح في تحقيق إنجاز هَزّ و وَحّدَ الشارع العراقي الذي لم تهزه وفرقته الخطب الطنانة والرنانة الجوفاء لسياسيي ورؤساء أحزاب هذه الحكومة سارعت الى تبني هذا الإنجاز وصَوّرت نفسها على أنها مساهم أساسي في تحقيقه .

هنالك ملاحظة مهمة وجوهرية يجب الإشارة إليها عند الحديث عن هذا الموضوع وهي إن الهدوء والإستقرار النسبي لم يعد لبعض مدن العراق إلا عندما علِم الأمريكان وأيقنوا بأنهم خُدِعوا من قبل بعض الأحزاب التي دخلت معهم الى العراق وبأن من أرادت هذه الأحزاب الطائفية تصويرهم على أنهم (أقلية عددية طائفية) هم في الحقيقة (أكثرية نوعية وطنية) ورقم صعب جداً في معادلة إستقرار العراق لايمكن بأي شكل من الأشكال تجاوزه وتهميشه كما خطط البعض.. كما إن سر النجاح النسبي الذي حققته مجالس الإنقاذ التي تشكلت في هذه المدن هو إن أبنائها قد شخصوا بالتحديد أعدائهم الرئيسيين بعد أن كانت الصورة مشوشة أمامهم نتيجة لما حدث بعد 9 نيسان 2003 وكان من الصعب حينها معرفة العدو من الصديق أما اليوم فقد باتت الصورة واضحة وتيقن أغلب العراقيين وكما قال لي أحد الأصدقاء من داخل العراق بأن أعدائهم الرئيسيين اليوم هما تنظيم القاعدة وعملاء التنظيمات الإستخباراتية لإحدى دول الجوار اللذان يمثلان وجهان لعملة واحدة خصوصاً بعد أن بات معروفاً للجميع وعلى رأسهم الأمريكان بأن هذه الدولة هي التي دعمت تنظيم القاعدة في العراق ميدانياً ولوجستياً وستراتيجياً منذ اليوم الأول لدخول أفراده الى العراق ولاتزال تستضيف قادته في قصور ضيافتها حتى هذه اللحظة.. وبالفعل بضرب خلايا هذين التنظيمين عمّ الإستقرار بشكل نسبي في تلك المدن في حين لاتزال الفوضى العارمة تعم الكثير من مدن جنوب العراق وخصوصاً مدينة البصرة مثلاً التي رغم خلوها كما نعلم من تنظيم القاعدة إلا أنها ومنذ 4 سنوات باتت ساحة مكشوفة ومفتوحة للتنظيمات الإستخباراتية لتلك الدولة وبعض الأحزاب المتواطئة معها بل إن بعض مدن غرب العراق باتت اليوم أكثر أمناً وإستقراراً من الكثير من مدن الجنوب التي كانت يعتبرها البعض هادئة ومستقرة نسبياً إلا أنها في الحقيقة كانت ولاتزال تغلي على نار سيأتي اليوم الذي تلتهم فيه كل من عمل على إشعالها.. لقد تشكلت مجالس الإنقاذ نتيجة لإرادة شعبية عراقية بينما الحكومة الحالية وأحزابها هي خارج الإجماع الشعبي وجائت نتيجة التلاعب بالإرادة الشعبية للعراقيين لذا نراها اليوم تقف ضد هذه المجالس وتحاول ضربها من تحت الحزام وتقويض جهود تقويتها وتفعيلها ما إستطاعت الى ذلك سبيلا وهو موقف يتناغم مع موقف بعض الأحزاب المتنفذة في جنوب العراق وفي داخل الحكومة نفسها الرافض لتشكيل مجالس إنقاذ في عموم العراق والجنوب خصوصاً خشية بروز العشائر كمنافس قوي لها على الصعيدين السياسي والعسكري مما قد يقوض مخططاتها بإقامة فيدرالية الوسط والجنوب التي تعَد بالنسبة لها مشروعاً ستراتيجياً لاتنازل عنه

المضحك هو أن الحكومة الحالية قد إحتفلت قبل أيام بذكرى مرور سنة على بدء تنفيذ الخطة الأمنية الفاشلة التي وضعها فطاحلتها والتي لم نرى يوماً نتائجها على أرض الواقع بل على العكس فمنذ بدئها وحتى إستقرار الوضع الأمني النسبي الذي تحدثنا عنه والذي تحقق قبل أشهر معدودة بفضل مجالس الإنقاذ شهد العنف في العراق تصاعداً ملحوظاً من خلال زيادة التفجيرات والجثث المجهولة الهوية التي كانت ترمى في الشوارع.. ولم تكتفي الحكومة بالإدعاء بأن خطتها الأمنية هي التي كانت وراء عودة الأمن والإستقرار الى العراق بل تجاوزته الى الإدعاء بأن العراقيين يعودون اليوم أفواجاً أفواجاً الى العراق من دول الجوار (بفضل نجاحاتها الأمنية المتواصلة!) وهو أيضاً إدعاء لا أساس له من الصحة وكله تهويل وجزء من بروباغندا تنتهجها الحكومة لتبييض صورتها أمام العراقيين والعالم فنسبة العراقيين الذين عادوا من سوريا لاتشكل ولاحتى 5 % من عدد اللاجئين العراقيين في هذا البلد كما يجب أن لاننسى بأن قسم من هؤلاء العائدين هم ممن إضطروا لهذه العودة إما بسبب عدم حصولهم على تأشيرة دخول للأراضي السورية بعد الإجرائات المشددة التي وضعتها هذه الدولة على شروط منح التأشيرة للعراقيين والتي جاءت بتنسيق وطلب من الحكومة العراقية أو لأنهم إستنفذوا مدّخراتهم التي كانوا يعتاشون منها في سوريا ولم تعد لهم إمكانية مواصلة العيش هناك وهو مايفسر لنا عدم عودة اللاجئين العراقيين من الأردن والإمارات مثلاً لكون الحالة الإجتماعية لمن هم هناك أفضل نسبياً من حالة أولئك الذين غادروا الى سوريا.. ولو كانت الحكومة جادة فعلاً في حل مشكلة الأمن واللاجئين لبدأت بذلك منذ زمن مع عشرات الألوف من اللاجئين العراقيين الذين تعج بهم المخيمات الموجودة في داخل العراق نفسه والتي تفتقر الى أبسط الشروط والمتطلبات الإنسانية وأمام مرأى ومسمع الحكومة وأحزابها الطائفية

يجب أن يعلم سياسيوا هذه الحكومة وأحزابها بأن الإستقرار الأمني النسبي الذي تعيشه اليوم بعض مناطق العراق نتج عن إرادة شعبية وطنية بحتة أنتجتها الظروف الإستثنائية التي عاشها أبناء تلك المناطق وليس لهم فيه أي فضل يذكر.. كما يجب أن يفهموا جيداً بأن المجالس التي تشكلت في مدن ومحافظات العراق لمحاربة أعدائه بكل أشكالهم إسمها مجالس (إنقاذ) وليس (صحوة) فأبناء العراق الأصلاء لم يكونوا نائمين ليصحوا وإن من عليهم أن يصحوا من أحلامهم المريضة هو هم أنفسهم.. وعلى جميع العراقيين أن يعوا جيداً بأن الدول لا تبنى بالميليشيات والمجاميع المسلحة الحزبية الطائفية منها أو العشائرية بل تبنى بأجهزة أمنية وطنية ويقظة ومخلصة وحريصة على مصلحة وطنها .