الرئيسية » التاريخ » كوردستان.. تاريخ وحضارة

كوردستان.. تاريخ وحضارة

كوردستان هذا الاقليم الهادئ الجميل حباه الله بالخير العميم والطبيعة الخلابة لاعتدال مناخه ووفرة مياهه وخصوبة اراضيه وغزارة أنتاجه الزراعي بشقيه النباتي والحيواني وثرواته المعدنية، لذلك كان منذ نشوء الحضارات في سومر وآشور وبابل مركز إستقطاب الطامعين والمستعمرين.
اول من أطلق مصطلح كوردستان عليه هو العلامة القزويني في كتابه الموسوم (نزهة القلوب) في عهد السلاجقة الأتراك وتعني هذه التسمية بلاد الكورد. كما وصفه العالم الجغرافي المشهور المقدسي وصفا مفصلا دقيقا وسماه أقليم الجبال في القرن الرابع الهجري.
فأول من أحتلها هم الآشوريون فاستطاع الكورد تحريرها منهم عام 612 قبل الميلاد ثم أحتلها الاخمينيون عام 5500ق.م وبعده احتلها كورش وحكمها لغاية 331ق.م ثم أحتلها الاسكندر المقدوني عام 330 ق.م ثم أحتلها الساسانيون حتى استقرت على يد العرب عام 660 ميلادية وثم احتلها السلاجقة الاتراك ثم هولاكو عام 656هـ ودولتي الخروف الأبيض والخروف الأسود ثم غذتها الدولة العثمانية لغاية إحتلالها من قبل الانكليز عام 1915 وبموجب اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 تم اجتزاؤها الى أربعة اقسام موزعة على اربع دول هي تركيا، ايران، والعراق، وسوريا تفصلها حدود وهمية، وبذلك اصبحت كوردستان (شعب بلا وطن) فمنذ ذلك الحين بدأ شعبه يناضل ويكافح ويجاهد ولا يزال لنيل حقوقه القومية المشروعة وقدم من أجله أنهارا من دماء أبنائه الزكية واستمر النضال لاكثر من خمسة عقود من إقتتال دموي بينه وبين الحكومات الشوفينية التي تعاقبت على حكم العراق منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، وقد قام الكورد بتفجير عدة ثورات وأنتفاضات كثورات الشيخ محمود الحفيد الثلاث التي قامت في الأعوام الأولى عام 1919 والثانية عام 1927 والثالثة عام 1931 كما استطاع تاسيس دولة كوردية وعاصمتها السليمانية ونصب نفسه ملكا عليها عام 1922 باءت بالفشل لقصفها بالطائرات البريطانية الحربية بالتحالف مع القوات العراقية آنذاك، أما ثورات بارزان الثلاث التي قادها الزعيم الراحل الخالد الذكر مصطفى البارزاني رحمه الله والذي سجل أروع الامثلة في البطولة والفداء وعلى مدى أكثر من خمسة عقود فكانت أولها بين عامي 1931-1932 والثانية في عامي 1943-1944 والثالثة عام 1945 وجميعها اندلعت قبل تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني في 16 آب عام 1946 الذي تم فيه انتخاب الزعيم البارزاني بالاجماع رئيسا له. كما أسهم فعلياً مع قوات البيشمركه الابطال بتأسيس جمهورية مهاباد وقاد ثورة ايلول عام 1961 بعدها ثورة كولان عام 1976 فأستطاع تأسيس مدرسة نضالية تخرج فيها الكثير من المناضلين الكورد هاجسهم الأول والأخير تحقيق حلم كوردستان بنيل جميع حقوقه القومية المشروعة وقد سار على دربهم كل الشعب الكوردي الأبي، الا أن ثلة من هذا الشعب الصابر المحتسب شذوا عن القاعدة العامة، ولم تظهر لديهم النزعة القومية لتحقيق هذا الهدف النبيل فتنكروا لقوميتهم واصطفوا مع الاعداء الى درجة انهم كانوا يمقتون التخاطب بلغتهم الكوردية وأخذوا يتباهون بالعروبية خشية على مصالحهم ومراكزهم فأصبحوا وبالا على بني جلدتهم وتمردوا عليهم فكانوا سببا لظلم واستبداد وبطش قومهم من قبل المسؤولين في أجهزة الامن والشرطة فسقطت مهابتهم ووقارهم بين بني قومهم وبين من أنتموا لحضيرتهم فعليهم ينطبق قول الشاعر لمن ينتسب لغير قومه. (أوالب أنت في العرب كالشيص في التمر بين الرطب(
وبعد تأسيس أقليم كوردستان برز هؤلاء على مسرح الاحداث فأنطلقت السنتهم تلهج باللغة الكوردية بعد أن كانوا لايتخاطبون بها أطلاقا فأخذوا يناقشون ويحاورون المسيرة النضالية الكوردية وقضيتها العادلة بمنتهى الحماسة كأنهم من مناضليها البارزين فتمكنوا من استغلال طيبة وسماحة الكورد واخترقوا الحزبين الكورديين، وتبوأ بعضهم المراكز الحساسة في صفوف الحزب والدولة. ان مثل هؤلاء المتلونين الانتهازيين كالادغال الضارة بين الحقول النضرة لاخير في مودتهم ووجودهم لانهم يجيدون اساليب المراوغة والميكافيلية غايتهم الوصول الى اهدافهم لانهم غير مؤمنين بالعملية السياسية في أقليم كوردستان فهم لايزالون يتكلمون بمنطق الايديولوجية للنظام البائد.
فالكوردي إن لم يشعر بالحب العارم والانتماء الصميمي لوطنه كوردستان ولم يسهم ولو بالشيء اليسير لخدمته فلا خير لانتمائه فالمواطنة في كوردستان هي حب واشتياق وايمان مطلق والعمل على استرداد حقوقها المسلوبة عبر مظالم تاريخها الطويل وانني لعلى يقين تام أن هؤلاء الانتهازيين سوف يكونون أول السباقين يلوذون بالفرار إذا ما أهتز جزء من اركان الأقليم كونهم غير مؤمنين بالمسيرة النضالية للشعب الكوردي علماً وهناك الكثيرون من غير الكورد ساهموا لمساندة نضال الشعب الكوردي والقضية الكوردية مسخرين أقلامهم لتجسيدها وصدحت حناجرهم عاليا بالهتاف الى القضية الكوردية ورموزها الابطال وقائدهم اسطورة النضال القومي الزعيم الراحل مصطفى البارزاني الخالد، وفي مقدمة هؤلاء العلامة المجتهد سماحة آية الله العظمى السيد محسن الحكيم نور الله ضريحه الشريف عندما طلب منه بإصدار فتوى لقتل مناضلي الكورد بحجة التمرد فأبى واستنكر ذلك بل أفتى على حرمة سفك دماء الكورد وبهذا الموقف التاريخي الجليل أمام الطغيان دخل قلوب كل العراقيين عرباً وكورداً وسجل التاريخ دوره المشرف ورحمة الله واسكنه فسيح جناته في عليين، كما ان الكثير من المناضلين العراقيين الاحرار عسكريين ومدنيين استنكروا العمليات الاقتتال والابادة الجماعية ضد الشعب الكوردي الآمن وعرضوا أنفسهم لخطر الطغاة فتم طردهم ومنهم التحق الى صفوف الثورة الكوردية ومنهم من زج في سجون الحكومات الدكتاتورية، إلا أن ما يؤسف له أن بعض كبار اعلام ورواد الفكر والقلم الكوردي لم يكن لديهم أدنى موقف يذكر من القضية الكوردية علماً أنهم كانوا يتبوأون المراكز المرموقة والمجالس النيابية وكان صوتهم عاليا فيها، وكان باستطاعتهم أن يساندوا المسيرة النضالية للشعب الكوردي ويسهلوا عليهم لنيل حقوقهم القومية المشروعة أذكر من هؤلاء نخبة من اعمدة الشعر والادب الشاعر الفيلسوف المجدد جميل صدقي الزهاوي، والشاعر السياسي معروف عبد الغني الرصافي الكوردي، وأمير الشعراء أحمد شوقي الكوردي وهؤلاء كانوا عمالقة الفكر والأدب والشعر العربي وعاصروا المسيرة الجهادية لشعبنا الكوردي وشهدوا جميع الاحداث لنضال شعبنا الكوردي وعاشوا تفاصيلها عن كثب لان في زمنهم عقدت الكثير من المؤتمرات والمعاهدات والاجتماعات بصدد القضية الكوردية، أبتداء من مؤتمر الصلح الذي عقد في باريس عام 1919 ومعاهدة سيفر في آب عام 1920 ومؤتمر لندن في آذار عام 1921 ومؤتمر القاهرة في مايس عام 1921 ومؤتمر لوزان المشؤوم عام 1922 الذي عقد في سويسرا والذي أستطاع كمال اتاتورك استمالة دول الحلفاء لافشال معاهدة سيفر التي نصت بنودها الثلاثة (62، 63، 64) على تأسيس دولة كوردستان المستقلة إلا أن هذا المؤتمر أفشل معاهدة سيفر وهمش كل بنودها تلته المعاهدة البريطانية التركية في حزيران عام 1926 التي نصت بنودها القضاء على الثورة الكوردية ومناضليها بذريعة التمرد وكذلك ميثاق سعد أباد عام 1937.
فالملاحظ أن هؤلاء المفكرين والادباء الافذاذ اللذين يشار اليهم بالبنان وقد ملأت كتاباتهم وقصائدهم كتب الادب ومصادرها الرصينة في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والنقدية والغزل والرثاء والمدح وغيرها إلا أن ما يندهش له المثقف الكوردي أن دواوينهم تخلو من اية اشارة ولو بسيطة الى ملاحم البطولة في كوردستان أو الى حب كوردستان في حين أن بعض قصائدهم تمجد السلاطين العثمانيين وتمدحهم وقد عانى بعضهم النفي والفاقه لمواقفه المبدئية ضد الاستعمار والجهل والتخلف والظلم والاستبداد؟ أو كانوا يجهلون أو غافلين عن مدى حجم الظلم والاستبداد الذي وقع على شعبنا الكوردي خلال سفره الخالد الطويل؟ ثم هل يوجد في الشرق الاوسط اجمل من طبيعة كوردستان الخلابة؟ فلماذا لم يجسدوا ذلك في قصائدهم لتنتشر أخبارها من خلالهم كونهم كانوا رجالاً مرموقين في المجتمع العراقي، لانهم لو كانوا محبين لها لاكثروا من ذكرها استنادا للمثل القائل: (من أحب شيئا أكثر من ذكره)، بينما نلاحظ ان غالبية الشعراء والادباء الكورد متفانين في حب وعشق كوردستان مثل (بيكس، وكوران، ولي ديوانه، شيخ رضا الطالباني، وقانع وبيرميرد وغيرهم.(
فمثلا نجد الشاعر الفيلسوف المجدد جميل صدقي الزهاوي المتوفى عام 1936 ترجمت حياته في كتاب (موسوعة اعلام العرب) ووثق نسبه بنفسه قائلاً نسبي يرجع الى أمراء بابان الذين سكنوا السليمانية وهم ينتمون الى خالد بن الوليد، القائد الاسلامي العربي، أما لقب الزهاوي فيرجع الى هجرة جدي الى مدينة زهاو القريبة من مدينة خانقين، وتزوج بـامرأة زهاوية. وله قصائد جميلة تقدمية وأجتماعية وسياسية نقدية ولم أجد في جملة قصائده اي اشارة الى الكورد وكوردستان والقضية الكوردية؟
اما الشاعر المشهور معروف عبد الغني الرصافي المتوفى 1945 فإنه ينتمي الى عشيرة الجباري الكروية، الاصيلة في كركرك، وهذا الشاعر الذي يشار الى أدبه تقلد عدة مناصب مرموقة في الدولة العراقية، وكان عضوا بارزاً في المجلس النيابي وكان صوته عاليا فيه، فهو الآخر لايوجد له أدنى اثر في تمجيد وتجسيد القضية الكوردية أو في حب كوردستان إذ كان يتغنى بالعروبية والوطنية والسياسة والحكمة، ولم يتحدث يوما عن اصالته الكوردية ولم يعرفه أحد بهذه الصفة لان من لقيه ولا من بزته اذ كان يرتدي الكوفية والعقال.
أما امير الشعراء أحمد شوقي المتوفى 1932 الذي عاش ومات في القاهرة وعد من كبار رواد التجديد في معاني الشعر والقوافي، أصطبغ شعره بالصيغة الوطنية فهو شاعر السياسة والسلاطين والحكمة والعروبة والاسلام مدح السلاطين العثمانيين والسلطان عبد الحميد وكان له مركزا اجتماعيا مرموقاً كان بامكانه المساهمة في حضور الاجتماع العراقي التركي البريطاني الذي عقد في القاهرة في حزيران عام 1921 بصدد القضية الكوردية وكوردستان وكان وجوده بينهم يعتبر دعما للقضية الكوردية كونه شخصية كوردية مرموقة وديوانه وقصائده يخلو من أي أثر يتعلق بالكورد وكوردستان؟ فأين دور هؤلاء رموز الفكر والأدب من القضية الكوردية العادلة؟ التي شغلت الساسة والسياسيين عقوداً طوال عاشوا تفاصيل احداثها فهل يعقل أنهم كانوا غافلين عنها؟ أم كانوا غير معنيين بها، ولايهمهم ما يجري في كوردستان؟ ولكننا نرى أن اسماءهم اللامعة تحتل الحيز الأكبر من صفحات الجرائد والكتب كونهم من اصول كوردية.
التآخي