الرئيسية » مقالات » الكـورد والابــادة الجماعية (الجينوسايد) – موقف القانون الدولي – الحلقة الثانية عشرة

الكـورد والابــادة الجماعية (الجينوسايد) – موقف القانون الدولي – الحلقة الثانية عشرة

مهما مضى الزمن فان الجينوسايد لن تتقادم بداية التقادم يعني مضي فترة محدد على تنفيذ جريمة ما، دون تحريك دعوى جزائية عليها، فان المدعي والمحكمة لايلقى اليهما باي شكل الحق في المساءلة وتتقادم الجريمة بسبب مرور الفترة الزمنية المحددة قانونيا وسكوت المدعي عليها. كما ان مرور فترة محددة على عدم تنفيذ حكم، من تاريخ صدوره فان العقوبة ترفع عن المجرم.
بهذا المقياس اذا كان التقادم بالنسبة للجرائم الاعتيادية معقولا الى حد ما فان ذلك غير ممكن بالنسبة لاخطر جريمة ضد الانسانية وهي الجينوسايد والابادة بل العكس فمهما تقادمت مثل هذه الجريمة فلايمكن ان تنسى.
يبدو ان المجتمع الدولي وبسبب مجرمي الحرب الثانية شعر بهذه المسألة وادركها في الوقت الذي اصدرت فيه دولة المانيا قرارا رفعت بموجبه عقوبة جرائم الحرب وضد الانسانية عن (مارتن بورماني) المساعد الاول لهتلر- الذي كان محكوماً عليه بالاعدام والاخرين الذين كانوا معه وذلك تحت ذريعة عدم تنفيذ العقوبة وتبرير ذلك بمرور (25) عاما عليها وان القانون الالماني ينص على ذلك (1).
ان الجمعية العمومية قامت لاول مرة في 26 /11/ 1998 بقرارها المرقم 2391 (د- 23) بالمصادقة على اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية وكان ذلك بسبب خطورة هذه الجرائم ولان الاتفاقيات والمواثيق والاعلانات الصادرة مسبقا والمتعلقة بجرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية لم تحدد فترة التقادم.
المادة الاولى من الاتفاقية المذكورة، اشارت بوضوح الى: ” الجرائم المذكورة ادناه لايمكن ان تتقادم ابدا بالتغاضي عنها وقت ارتكابها: أ….ب… جرائم ضد الانسانية، سواء كانت اثناء الحروب، ام في زمن السلم، والتي ورد تعريفها في المنهاج الاساسي لمحكمة نورمبيركك العسكرية الدولية، الصادر في 8/8/ 1945 وكذلك قراري الجمعية العمومية 3(د-1) الصادر في 13/ 2/ 1946 و95 (د-1) الصادر في 11 كانون الاول 1946، اللذين اكدا عليه، والتشريد بسبب الاعتداء المسلح او الاحتلال، والاعمال ضد الانسانية الناجمة عن سياسة التمييز او التعالي وجريمة الجينوسايد الوارد تعريفها في اتفاقية عام 1948 حول تحريم جريمة الجينوسايد والمعاقبة عليها، حتى لو لم تؤثر تلك الاعمال على القانون الداخلي للدولة التي ارتكبت فيها الجريمة او تفتح فيه ثغرة …”
والاهم من كل ذلك، هو انه عند تطبيق مبدأ (عدم التقادم) في مجال قانون العقوبات الدولي- سواء في مرحلة المحاكمة ام المعاقبة فانه طبق مبدأ المساواة امام القانون ولم يستثن من ذلك احد.
واذا اوضحنا اكثر، اذا كانت القوانين الداخلية للدول، لاتستجوب بعض المجرمين او لا تعاقبهم، مثل رئيس الدولة او الذين يخططون سياسة الدولة من الوزراء واصحاب السلطة، او ان محاكماتهم تكون حسب مراسيم خاصة او صورية، الا ان منفذي جريمة الجينوسايد (مبدء القانون الدولي) مهما كانت مناصبهم او رتبهم او كانوا اناسا عاديين فانهم متساوون امام المحكمة، لان جرائم كبيرة كهذه لاتقترف الا من قبل الحكام والمتسلطين.
وقد اكدت المادة (4) من (اتفاقية القضاء على الجينوسايد) على ذلك، ومنحت الشرعية القانونية لمعاقبة منفذي هذه الجريمة على السواء، سواء كانوا من اصحاب السلطات الدستورية ام من الموظفين العامين.
كما ان المادة الثانية من اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية، اكدت ذات الشيء، لكنها نصت على ذلك بناء على ما سبق فان صدام وازلامه الذين دعموا حكم النظام، وشاركوا لمدة تزيد على عشرين عاما في وضع وتخطيط الخطط والمؤامرات لجينوسايد الكورد وباشكال مختلفة، وكانوا على الدوام فاعلين اصليين اومساهمين في تنفيذها، وكان لهم دور رئيس ومشهود خلال ذلك مثل: اعضاء مجلس قيادة الثورة وقيادة حزب البعث وغالبية الوزراء واعضاء والمجلسين التشريعي والتنفيذي لمنطقة الحكم الذاتي -كوردستان- وافراد المخابرات والاستخبارات العسكرية والامن العام والخاص …الخ
وهؤلاء الباقون في الحكم الان، او عند عدم بقائهم في الحكم ايضا وبعد تحديدهم قانونيا، فان جريمة الجينوسايد لن تتقادم لان طبيعتها عالمية، واينما كان هؤلاء، فانهم سيعتقلون ويحاكمون ويعاقبون عن طريق التعاون بين الدول.
حسب المادة (1) من اعلان اللجوء الاقليمي الصادر في 14 /12/ 1967 فانه لايحق لاية دولة منح حق اللجوء لاي شخص يشك في ارتكابه جرائم ضد الانسانية (الجينوسايد) وغيرها / المادة (7) من مبادئ التعاون الدولي لملاحقة وتسليم ومعاقبة الاشخاص المتهمين بارتكاب جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية 3/ 12/ 1973.
الخاتمة والنتائج
بعد ان قدمنا هذا البحث المختصر في اطار عدة اقسام واجزاء وفروع وتصانيف اخرى، اتضحت لنا اكثر بعض الحقائق الثابتة التي لاتقبل الشك، وبعض ما تمكنا من استخلاصه، هذه النتائج الاتية: ان اركان نظام بغداد الدكتاتوري، ورغم جميع مؤتمراتهم القذرة وخططهم المسبقة المبرمجة لجينوسايد الكورد وابادتهم من كل الجوانب: (الجسدي الجماعي، الفوري والبطيء، اللغة والثقافة والفكر السياسي والادب والتاريخ، والتركيب الاجتماعي والعادات والتقاليد، والبنية التحتية للاقتصاد، واسس وهياكل القرى والقصبات، الاثنوغرافيا والجغرافية…الخ ) رغم تخريب كل ماذكرنا فان النظام لم يتمكن من ابادة وصهر هذا الشعب بل ان ايمان هذه الامة بحقوقها المشروعة ترسخ وثبت اكثر وتقدمت عجلة تاريخها وتطورت.
ان موطئ قدم هذه الامة الاصلية، عميق بعمق تاريخ الحضارة والانسانية وكل القيم المقدسة فانه رغم ممارسات النظام لابادته، والتي استخدم فيها كل السبل والوسائل الوحشية التي لايمكن تصديقها بهدف القضاء عليه، فانه لم ينصهر فقط؟ بل واجه هذا النظام خلال العديد من السنين، وتمكن من طرده من جزء كبير من ارضه.
لان اية امة اصلية ومترسخة الجذور، لايمكن ان تباد او تنصهر تحت ضغط الظلم والاضطهاد والابادة، بل ان ذلك يرسخ من اصرارها ويقوي من ايمانها.. لذلك فان تلك المصالح السياسية، فضلا عن انه عدم السماح بتنفيذ واستخدام المواثيق الدولية- الا حسب الضرورات السياسية فانه لم يسمح لمنظمات حقوق الانسان (العفو الدولية ، ميدل ايست ووج..الخ) ان يكون لها دور في تحقيق معاناة شعوب الارض واحترام حقوقها المشروعة وان ما نفذته كان بجهودها.
ان صدام وازلامه الذين هم مجرمو حرب وضد السلام والانسانية، ارتكبوا ممارسات ضد الكورد لامثيل لها في التاريخ وعندما انتفض هذا الشعب واقام سلطته الوطنية، لم يقدر ضحايا الجينوسايد وذوي الشهداء والمؤنفلين، البالغ عددهم مئات الالاف،لان ضحايا الانفال البالغ عددهم (182) الفا و(8) الاف بارزاني وعشرات الالاف من الفيليين، يساوون عدد سكان الكثير من الدول التي لها راياتها وتتمتع بالاستقلال وعضوية الامم المتحدة وعلى ذلك:
ان اتفاقية القضاء على الجينوسايد والمعاقبة عليه (1948) الذي بنينا بحثنا المتواضع هذا على اساسه، فيها ثغرات ونواقص خاصة فيما يتعلق بتحديد عقوبة المجرمين وتشكيل محكمة جزاء دولية ثابتة وتحديد جرائم ووسائل واساليب الجينوسايد، التي ابدع فيها نظام بغداد بما لم يكن له وجود في الحرب العالمية الثانية، واكبر ثغرة في هذه الاتفاقية هو عدم توفر المجال لتطبيقها الا في اطار المصالح.

التآخي