الرئيسية » مقالات » خيارات الفلسطينيين في مواجهة المحرقة الصهيونية

خيارات الفلسطينيين في مواجهة المحرقة الصهيونية

عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية – غزة
يواصل العدو الإسرائيلي شتى أشكال العدوان ضد شعبنا في الضفة الغربية وقطاع غزة, من عمليات القتل إلى الاغتيالات والاجتياحات المتواصلة وعمليات التدمير الممنهج, بما يؤكد أن تعليق عملية “الشتاء الساخن” لا يعني وقف المحرقة الصهيونية للأطفال والنساء والشيوخ والمدنيين العزل في فلسطين. حيث قتلت إسرائيل في غزة من 27/2 إلى 3/3/2008 ما يزيد عن مائة وخمسة وعشرين شهيداً وأصيب أكثر من ثلاثمائة وثمانون جريحاً، وهذا ما هو إلا جزء يسير من جرائم الحرب الإسرائيلية المنظمة ضد الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
فمنذ بداية العام 2008، قتلت قوات الاحتلال أكثر 274 مواطناً، بينهم 50 طفلاً و18 امرأة, الغالبية العظمى في قطاع غزة, قضوا جراء القصف العشوائي على المناطق المأهولة بالسكان, ووصل عدد المصابين بعاهات مستديمة من الدرجة الأولى 979 مصاباً, جميعهم في قطاع غزة, بينهم عشرات النساء والأطفال. وطالت الاعتقالات أكثر من 1500 مواطن، وتكثفت عمليات الاستيطان ومصادرة الأراضي، وتسارعت وتيرة تهويد القدس عبر مصادرة الأراضي والعقارات داخل المدينة، التي استولى عليها المستوطنون وقاموا بتسجيلها بالطابو بأسمائهم، وتواصلت سياسة هدم المنازل الفلسطينية في القدس بحجة عدم الترخيص, فقد هدمت سلطات الاحتلال في هذه الفترة 43 منزلاً, ودمرت مسجداً, معظمها في جباليا خلال عملياتها العسكرية الدموية, وألحقت أضرار وتصدعات بأكثر من 40 منزلاً آخر في جباليا.

كما صادرت قوات الاحتلال الإسرائيلي 1676 دونماً من أراضي بلدتي الظاهرية ودورا وعرب الرماضين جنوب الخليل لصالح الجدار العنصري, و 1500 دونم من شرق القدس لصالح شارع الطوق الاستيطاني الذي يحيط بالمدينة.
ونتيجة الحصار المطبق على قطاع غزة توفي 112 مواطناً منذ بدايته بينهم 32 طفلاً واستشهد عدد آخر. فإرهاب الدولة المنظم يظهر في الهولوكوست المتنوع الأساليب والأشكال والذي يطال عموم الحياة الإنسانية للفلسطينيين.
إن المحرقة التي تتم تحت قيادة أولمرت ومعه باراك ورئيس هيئة أركانه غابي أشكينازي، تأتي في إطار إظهار التزامهم بما جاء في تقرير لجنة فينوغراد، من دعوة مكشوفة للثأر لسمعة الجيش الإسرائيلي واستعادة هيبته وقوته الردعية. وهم يستفيدون في ذلك من حالة الانقسام الفلسطيني والتشظي العربي لمواصلة مخططاتهم ولتحقيق أهدافهم. وهي أهداف أبعد من التهدئة، أو وقف إطلاق الصواريخ الذي فشل في تحقيقه العدوان الوحشي.
لكن الحرب الإسرائيلية المفتوحة على شعبنا تندرج في إطار أوسع, أي في سياق المخطط الإستراتيجي الأصلي الرامي إلى كسر إرادة شعبنا وقدرته على الصمود والمقاومة، وتغيير وعيه وفرض الحلول الاسرائيلية – الإقليمية العربية عليه بتكريس الفصل بين شطري الوطن والعودة بالأوضاع إلى ما قبل البرنامج المرحلي في عام 1974 وحتى عودة الأمور إلى ما قبل العام 1967, بإعادة غزة تحت الإدارة المصرية وإلقاء 42% من أراضي الضفة ونقل سكانها إلى أي مكان أو حل الأردن أو تقاسم وظيفي إسرائيلي أردني فلسطيني.
مع ذلك فإن المعادلة التي تطرحها إسرائيل في التعاطي مع موضوع التهدئة, تظهر أنها تريدها جزئية، فحكومة الاحتلال في الوقت الذي تضغط لوقف الصواريخ من غزة، فهي تريد تهدئة في الضفة من طرف واحد مع استمرار قوات الاحتلال بالقيام بجميع أشكال العدوان.
وهو أمر ينبغي أن يرفض فلسطينياً بشكل كامل.
وإذا كان الفصل بين شطري الوطن مرفوض فلسطينياً في التهدئة، فهذا أيضاً ما ينبغي الحذر منه على صعيد الحوارات والمفاوضات. فقد استأنف الرئيس أبو مازن المفاوضات ودون تلبية شرطه بوقف العدوان، فيما يتواصل الحوار حول أوضاع غزة. وكأن هناك فصلاً عملياً يجري بين الملف الأمني الإداري في غزة من جهة, والموضوع السياسي الجوهري الذي يتعلق بالمفاوضات حول مستقبل الأراضي الفلسطينية في الضفة من جهة أخرى. وباتت الجهود والمبادرات والخطط الإقليمية التي توضع بعنوانين فلسطينيين متباعدين جغرافياً على الأقل ولكل عنوان أجندة عمل خاصة به ومن يمثله.
كل ذلك يدفع إلى للتساؤل عن مستقبل أية تهدئة إذا لم يتوافر لها شرطين أساسيين:
•الشرط الأول: إن تعامل الجانب الفلسطيني مع التهدئة يتطلب إجماعاً فلسطينياً تتوصل من خلاله أطراف الحالة الفلسطينية بشكل عام والمعنية بالعمل المقاوم بشكل خاص إلى إستراتيجية موحدة للمقاومة.
•الشرط الثاني: أن تأتي التهدئة في سياق لا يرتبط بكسر الحصار فحسب وإنما بأفق ينهي الاحتلال أيضاً.
إن الحالة الفلسطينية ومنذ 14/6/2007 كما هي اليوم تقف أمام أسئلة كبرى حول مستقبل الوضع الفلسطيني وخياراته في مواجهة المحرقة المتواصلة ضد شعبنا. فقد قوبل الانقسام الفلسطيني من قبل الجانب الإسرائيلي بتصعيد العدوان والاستيطان وتهويد القدس.
ويجري الآن التعامل مع هذا الانقسام باتجاه تعميقه، بمفاوضات أمنية حول غزة، ومن ناحية أخرى مفاوضات حول مستقبل الضفة الفلسطينية من غير القدس وإبقاء الكتل الاستيطانية تحت الحيازة الإسرائيلية ومواصلة الاستيطان والضغط على المفاوض الفلسطيني كي يبقى مجرداً من أسلحته وخاصةً الحق المشروع لشعبنا في مقاومة الاحتلال. وفي كلتا الحالتين فإن المخاطر واضحة حول وجود مسارين فلسطينيين، وهو ما ينبغي العمل لتجنبه.
بقي أخيراً أن نستخلص الدروس والخيارات في مواجهة المحرقة الصهيونية المتواصلة. فالمذبحة توفر فرصة لتوحيد القوى الفلسطينية وليس لتصفية الحساب فيما بينها كما يحدث الآن. خاصة وأن العدوان ما زال مرشحاً للتصاعد, والجميع يدرك أن الاحتلال هو الخطر الأعظم, والنصر عليه غير ممكن دون استعادة الوحدة الوطنية لدحره. ولا نعتقد أن كل المبادرات المقدمة إلى حماس وفتح لاستعادة الوحدة لا تفي بالغرض المطلوب. خاصة إذا استندت إلى إعلان القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني.
وفي هذا الصدد فإن هناك ضرورة ملحة لتسريع الخطى من أجل حوار هادئ لتشكيل جبهة مقاومة موحدة لجميع قوى المقاومة بما فيها حركتي فتح وحماس، وبما يوحد جميع الجهود والطاقات ويحدد أشكال النضال في كل مرحلة. والتأكيد على أن التهدئة المتبادلة والشاملة والمتوازنة تتطلب وقف كل أشكال العدوان الإسرائيلي في الضفة وغزة وكسر الحصار بفتح معبر رفح وجميع معابر غزة.
إن الحرب الإعلامية المتبادلة, وبعض المواقف الخرقاء التي صدرت عن دوائر محسوبة على حركتي فتح وحماس ألحقت الأذى بالحالة الفلسطينية جمعاء. ولا شك أن الانجرار وراء الغرائز والمواقف الموتورة قد صب كله في خدمة المعتدي والتغطية على جريمته. وهو ما ينبغي وقفه وتوفير الأجواء الملائمة للحوار الوطني الشامل للخروج من كارثة الأزمة الداخلية.
كما أن العدوان الإسرائيلي يكشف أن العملية التفاوضية الدائرة تشكل عبئاً سياسياً على الحالة الفلسطينية. وهنا ندعو من جديد إلى وقف المفاوضات حتى يتوقف العدوان والحصار والاستيطان. كما نؤكد ضرورة تركيز الجهود على دعوة المجتمع الدولي لتحمل مسئولياته بتأمين الحماية الدولية للشعب الفلسطيني في الضفة وغزة وتحت علم الأمم المتحدة، ومن أجل تطبيق قرارات الشرعية الدولية بإنهاء الاحتلال والاستيطان وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة بعاصمتها القدس وصيانة حق العودة.
وأخيراً وبغض النظر عن تباين الخيارات, فإننا ندعو مجدداً للخيار الوطني الفلسطيني خيار إنهاء الانقسام ولا خيار لردع العدوان سوى خيار استعادة الوحدة الوطنية. فهذه هي الصرخة التي انطلقت في كل أنحاء فلسطين وهو البلسم الذي يضمد جراح شعبنا بأطفاله وشيوخه ونسائه.