الرئيسية » مقالات » السيد حسن نصر الله، ومدفع الدوريين لقصف تكريت

السيد حسن نصر الله، ومدفع الدوريين لقصف تكريت

هناك مزحة كان يتداولها التكارتة [ نسبة إلى مدينة تكريت العراقية ]عن جيرانهم الدوريين [ نسبة إلى منطقة الدور القريبة من تكريت ] الذين كانوا يصفونهم دائماً بالسذاجة، وتدور المزحة عن أن احد الدوريين كان قد سافر إلى تكريت لقضاء بعض حاجاته التسويقية، وهناك تعرض الرجل المسيكن إلى أنواع مختلفة من المزاح الثقيل الذي أشعره بالإهانة.
عاد الرجل إلى موطنه في الدور، وبادر يشكو همومه إلى أهله وأصدقائه مما لاقاه في تكريت من تصنيف على المواطنين الدوريين، وقد دفعت الحمية أحد المجتمعين حيث وقف يخطب بين الحاضرين:
{لا عليكم أنا سأتدبر أمر التكارتة، وسأهدم تكريت على رؤوسهم حتى يكفوا عن التصنيف على الدوريين.
وقد رد عليه الملتفين حوله متسائلين عن خطته الجهنمية لهدم مدينة تكريت، وقد رد عليهم قائلاً اتركوا الأمر علي ونفذوا فقط ما أطلبه منكم.
ثم طلب منهم أن يأتوا له بجذع نخلة ليصنع منها مدفعاً عملاقاً، وطلب منهم أن يحفروا تجويفاً في الجذع ، وبعد إكمال التجويف طلب منهم جلب حشوة كبيرة من المتفجرات ووضعها في التجويف، ثم أدار المدفع نحو تكريت ووضعه على قاعدة خشبية استعداداً لإطلاق المدفع وقصفها ، وقد تجمع جمع غفير من الدوريين حول المدفع ليشهدوا الحدث العظيم عقاباً للتكارتة على مزاحهم الثقيل مع الدوريين.
وتهيأ الرجل لإشعال الفتيلة التي ستطلق المدفع، وما هي إلا لحاضات حتى انفجر المدفع، وإذا بكل من كان حول المدفع بين قتيل أو جريح.
وقامت الضجة على هذا الرجل الذي أصيب بجراح، والناس يصرخون به ويحك يا هذا ماذا فعلت بنا؟. فأجابهم الرجل على الفور :
إذا كان هذا ما فعله المدفع هنا بهذه الضخامة، فماذا يمكن قد أحدث في تكريت حيث وجهتُ فوهة المدفع نحوها، لا بد أن ما حدث هناك إضعاف وإضعاف مما حدث هنا من خراب ودمار وضحايا.
ذكرتني هذه المزحة بتصريحات السيد حسن نصر الله يوم أمس بأنه عازم على إزالة إسرائيل من الوجود، غير مقدر بما ستسببه مغامراته ومغامرات أسياده القابعين في إيران وسوريا ليس للشعب اللبناني فحسب، من كوارث لا حصر لها ستأتي على الأخضر واليابس، ولا أحد يستطيع تحديد نتائجها التي ستمتد إلى ابعد من لبنان، وتشعل الحرب التي سيكتوي بنيرانها الشعب السوري والإيراني والعراقي وسائر منطقة الخليج.
إن نيران الحروب قد يشعلها حادث عرضي بسيط ، لكنها ما أن تشتعل وتأخذ مداها حتى يصبح إطفائها أمر عسير، ولنا من عبر التاريخ القريب والبعيد ما يؤكد ذلك ، فالحرب العالمية الأولى أشعلها اغتيال الأرشدوق ـ ولي عهد النمسا ـ آنذاك ، والحرب العراقية الإيرانية التي أشعلها صدام حسين بالنيابة عن الولايات المتحدة وبدفع منها ظنها نزهة قد تدوم بضعة أسابيع ويحتل منابع النفط الإيرانية ويصبح إمبراطورا للخليج، لكنه اخطأ الحساب حيث استمر لهيب الحرب 8 سنوات، ولم يترك صدام رئيساً أو دولة إلا ووسطها لوقف تلك الحرب المجنونة التي انتزعت أرواح أكثر من مليون من الشباب العراقي والإيراني، وتركت ملايين المعوقين والأيتام والأرامل في كلا البلدين، واستهلكت كل مداخرات العراق من احتياطي العملات الأجنبية والذهب، وأغرقته بعشرات المليارات من الدولارات ديون هائلة استحقت فوائد هائلة، وهكذا خرج صدام من تلك الحرب بعد 8 سنوات يمتلك [جيشاً جراراً واقتصادا منهار] فكانت نتائج تلك الحرب الدافع المباشر لصدام لغزو الكويت لتعويض خسائره في تلك الحرب، وما جرته على العراق حرب الثلاثين دولة بقيادة الولايات المتحدة ، وتم فرض الحصار الاقتصادي الجائر على الشعب العراقي المغلوب على أمره استمر 13 عاماً عجافا، ولم يتنهِ الحصار إلا بعد حرب الخليج الثالثة التي انتهت بإسقاط نظام صدام في السابع من نيسان 2003 ، ودفع الشعب العراقي ثمناً باهظاً جراء حروب صدام الكارثية، وما حدث بعد الحرب الأخيرة كان أعظم وأمر، رغم مرور خمس سنوات على إسقاط النظام حيث قادت تلك الحرب الشعب العراقي نحو الحرب الأهلية التي نشهد فواجعها اليوم بأبشع الصور. ولو صرف صدام ما صرفه في حروبه الكارثية لبناء العراق، ورفع مستوى حياة العراقيين، لكان العراقيون اليوم اسعد شعوب المنطقة، لكنهم اليوم بين جائع يبحث عن فضلات الطعام في المزابل وبين مهجر قسراً أو مهاجر خوفاً من عصابات القتل على الهوية والاسم، وهم في حالة بائسة يرثى لها، إلا من استطاع الوصول إلى دول اللجوء الغربية، وعلى وجه الخصوص دولة السويد التي استقبلت أغلبية العراقيين، ومنحتهم الإقامة الدائمة، وكل ما يلزم لحياة كريمة وآمنة. في حين رفضت معظم الدول العربية استقبالهم ما عدا سوريا والأردن التي وصلهما أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ عراقي هرباً من الموت الزوئام من دون أن تقدم لهم الدولتان الخدمات المطلوبة، بل بدأت تضايقهم وتضغط عليهم للعودة إلى العراق، إلى حيث الموت سواء بالتفجيرات أو الاغتيال والذبح على الهوية والطائفة والاسم.
الحرب يا سيد نصر الله لن تجلب للشعب اللبناني الخير والسعادة، فإسرائيل تمتلك من الإمكانيات العسكرية ما لا تملكه غيرها من إيران وسائر الدول العربية التي انهارت في حرب 5 حزيران خلال 6 أيام، واستولت إسرائيل على الجولان السورية والضفة الغربية وغزة وسائر صحراء سيناء، وحتى في حرب تشرين عام 1973 فقد وصلت دبابات شارون إلى الكيلو 101 عن القاهرة.
الحروب تجلب الويلات والمصائب والمآسي التي لا حصر لها للشعوب، وإذا كنت تمتلك الصواريخ الإيرانية مهما عظم حجمها وشأنها، فإسرائيل تملك الأعظم والأشد فتكاً، وسيكون ردها أقسى وأمر هذه المرة، وربما ستكون آخر الحروب في الشرق الأوسط ولكن بعد خراب البصرة كما يقول المثل، ولا أخال أحداً يظن أنني أدافع عن إسرائيل ووجودها في قلب العالم العربي، فهي القاعدة المتقدمة للإمبريالية، وحامية المصالح الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة التي تمتلك عصب الحياة للاقتصاد الغربي بوجه خاص، والعالم بوجه عام، أنه النفط الذي اعلنت الولايات المتحدة بموجب وثيقة[ جيمي كارتر]، أنها لن تسمح لأحد بتهديد إمدادات النفط، وستستخدم كل امكاناتها العسكرية بما فيها السلاح الذري لحماية مصالحها في المنطقة.
الحلول لأزمة الشرق الأوسط لن تتم عن طريق الحروب، ولا طريق غير طريق السلام والمفاوضات بين الدول العربية وإسرائيل للانسحاب من الجولان ومزارع شبعة التي باتت مسمار جحا، والضفة الغربية، وإقامة الدولة الفلسطينية، والطريق الصائب لكم أن تتصالحوا مع ابناء وطنكم، وتدعوا البرلمان ينتخب الرئيس العماد سليمان، وتسلموا السلاح للدولة، وتتحولوا من دولة داخل الدولة إلى حزب سياسي، شأنكم شان بقية الأحزاب اللبنانية، بعيداً عن الارتماء بأحضان إيران وسوريا، فحضن الوطن اللبناني وحضن الشعب اللبناني هما أدفأ الأحضان وأسلمها وآمنها لتعيشوا جميعاً متحابين يشد بعضكم إزر بعض، ولتنضهوا جميعاً بلبنان الشقيق، لبنان الحرية والديمقراطية، وملجأ الأحرار في العالم العربي، ليعود إلى سالف مجده وعزته، مشعلاً منيراً في العالم العربي ومركزاً للتجارة العالمية، ومرتعاً لإخوتكم العرب المصطافين في ربوع جنائنه الجميلة.
المجد للبنان الخالد، والسلام والأمان والأخوة والمحبة والتعاطف بين أطياف الشعب اللبناني، والعيش الرغيد للشعب اللبناني فهو شعب نشط وقوي وشجاع، وقادر على إعادة بناء لبنان من جديد، ودعوة مهجريه في مختلف بقاع الأرض للمساهمة الفعّالة في عملية البناء .
لينتصر السلام في لبنان الحر الديمقراطي، فقد عانى الكثير والكثير من الحرب الأهلية التي دامت 15 عاماً، وهو يعاني اليوم ومنذُ ثلاث سنوات من وضع اجتماعي واقتصادي صعب للغاية بسبب الأزمة السياسية الراهنة التي جعلت الشعب يعيش القلق المزمن، مما يمكن أن تسببه حرب أهلية جديدة أو حرب مع إسرائيل،فليكن السيد حسن نصر الله رسول السلام والمحبة في لبنان وليس داعية للحروب.