الرئيسية » مقالات » مقتل المطران رحو شهادة أخرى على خسة “المقاومة” ومؤيديها

مقتل المطران رحو شهادة أخرى على خسة “المقاومة” ومؤيديها

قامت مجموعة من المسلحين الجناة ممن يسميهم البعض بـ “المقاومة الوطنية” يوم 29 شباط الماضي، باختطاف قداسة المطران بولص فرج رحو، مطران الكلدان الكاثوليك في الموصل، بعد أن قتلوا سائقه وإثنين من مرافقيه. وبعد أسبوعين من اختطافه، عثرت الشرطة العراقية على جثته قرب مدينة الموصل التي اختطف فيها.


صورة نشرتها وكالة انباء الفاتيكان للمطران القتيل اثناء لقائه بالبابا بنديكتوس.
ويظهر في الوسط الكاردينال عمانؤيل الثالث دلي (موقع بي بي سي).
هذه الجريمة الفظيعة هي ليست الأولى، وربما ليست الأخيرة، من نوعها، بل تعرض لها المسيحيون العراقيون ورجال دينهم مراراً إلى القتل والاختطاف وتفجير كنائسهم، وقتل العشرات من رجالهم ونسائهم، واختطاف أعداد من أبنائهم وبناتهم بغية دفع الفدية والاغتصاب والتنكيل بهم باسم الله والإسلام و”المقاومة الوطنية”. لا شك إن هذه الأعمال هي جرائم بشعة وفق جميع المعايير، تكشف حقيقة القائمين بها، والتشويه الأخلاقي والفكري وغسيل الدماغ الذي تعرضوا له على أيدي فقهاء الموت من دعاة الإسلامي السياسي التكفير الفاشي.
ولكن رغم كل هذه الجرائم االبشعة التي يدينها كل إنسان عاقل سوي، يصر البعض من اليسار واليمين وقادة الإسلام السياسي، على أن ما يجري في العراق بأنه مقاومة وطنية مشروعة وشريفة تستحق الدعم!! بل وذهب كاتب إلى أبعد من ذلك، وكنا نعتقده أنه شيخ العلمانيين والديمقراطيين والليبراليين، فلم يكتف بوصف ما يجري في العراق بأنه مقاومة وطنية فحسب، بل وقارنه بالمقاومة الفيتنامية والجزائرية ضد الاستعمار، فأعطى “المقاومين الشرفاء جداً” جرعة عالية من المعنوية والأمل، فقال لهم أنه يرى مستقبل العراق في فيتنام اليوم (كذا).
كم أتمنى على هؤلاء السادة من اليساريين والليبراليين، ومنهم من يدعون الشيوعية والماركسية، الذين يدبجون المقالات الطويلة، بحمد “المقاومة” ويبعثون لها التحيات للشد من أزرهم ورفع معنوياتهم وحثهم على مواصلة “الجهاد” “لكي تمرغ رأس أمريكا في الوحل”، أقول، كم أتمنى على هؤلاء أن يجيبوا على سؤالنا البسيط وهو: هل قتل رجال الدين المسيحيين المسالمين مثل المطران رحو، وحرق كنائسهم هو مقاومة وطنية ترقى إلى المقاومة الفيتنامية والجزائرية ضد الاستعمار؟
الكل يعرف أن المسيحيين العراقيين هم من سكان العراق الأصليين، وهم من بناة الحضارة الرافيدينية التي يتباهى بها جميع العراقيين اليوم. وكانوا طيلة مراحل التاريخ، وحتى بعد الغزو العربي الإسلامي للعراق وتحويله إلى “بستان قريش” تحملوا الظلم والتمييز العنصري والاضطهاد الديني، وبقوا في العراق نظراً لتعلقهم بوطن الأجداد، فساهموا بإغناء الثقافة العربية الإسلامية خلال عهود الدولة الإسلامية. وعندما تأسست الدولة العراقية الحديثة، كان للمسيحيين العراقيين دور نشيط وفعال في جميع المجالات، في الحركات الوطنية التقدمية، والثقافية، والفنون الجميلة، ونقل الحداثة وقيم الحضارة الحديثة إلى الشعب العراقي بعد سبات عميق في ظلام دامس دام أربعة قرون من الحكم التركي العثماني المتخلف.
لا يغيِّر من الأمر شيء إن كان المطران بولص فرج رحو، قد مات أو قتل على يد خاطفيه، ففي جميع الأحوال، إن مجرد اختطاف هكذا إنسان مسالم، الذي لم يشفع له عمره المتقدم وحالته الصحية ومكانته الدينية، فهو قتل متعمد على يد جناة فقدوا صفاتهم الآدمية. وذات الصفات تنطبق على مؤيدي القتلة الأوباش، وأولئك الذين يعقدون المؤتمرات في أوربا وغيرها ويدعون لها أيتام صدام حسين من فلول البعث، وأولئك الذين يخصصون الجوائز الوهمية لشعراء “المقاومة”، نقول لهؤلاء: متى تصحو ضمائركم؟ ومتى كان قتل رجال الدين المسالمين يمت بصلة إلى مقاومة وطنية؟ وهل قتلت المقاومة الفيتنامية والجزائرية رجال الدين وفجرت دور العبادة؟

إن أقل ما يقال في هؤلاء الكتاب المؤيدين للجناة ومهما كانت حججهم، أنهم أضاعوا بوصلتهم، وفقدوا القدرة على التمييز بين الحق والباطل، بين الصحيح والخطأ. فترى الماركسيين اليساريين منهم يؤيدون أتباع بن لادن والبعث الفاشي في قتل الشعب العراقي وتدمير مؤسساته الاقتصادية وبناه التحية، لا لشيء إلا لأن الجهة التي أنقذت الشعب وأسقطت الفاشية البعثية في العراق هي أمريكا. وهنا أود أن أذكر هؤلاء “الرفاق” بقول لينين، أن الفارس الماهر هو الذي يعرف كيف يقفز ليمتطي صهوة الفرس، أما الذي يقفز إلى أقصى اليسار أو أقصى اليمين، فكلاهما يلتقيان ولكن عند حوافر الفرس. وهذا الذي يجري اليوم من لقاء بين اليمين المتطرف واليسار المتطرف في تحالف مخز أساء لسمعة اليسار.

لقد بعث مقتل قداسة المطران بولص فرج رحو زلزالاً في جميع أنحاء العالم، لتميد الأرض من تحت أقدام الطغاة وفلول الإرهاب الإسلاميين والتكفيريين وحلفائهم البعثيين الفاشست، وليوجه لكمة على رؤوس مؤيديهم من اليسار واليمين، عسى أن يفيقوا من غفوتهم وغيهم. إذ متى تصحو ضمائرهم ليروا الحقيقة بأعينهم إن كانت لهم أعين يبصرون بها. فهؤلاء مصابون بعمى البصيرة، والعمى الاجتماعي والسياسي، إنها نتيجة النظرة الضيقة التي يرون بها الأشياء من خلال الأيديولوجيا الضيقة التي أكل الدهر عليها وشرب، وبتأثير الكوبونات النفطية التي أغدق بها عليهم ولي نعمتهم المقبور جلاد الشعب العراقي صدام حسين من قبل، ومن أيتامه الآن، ومن بعض أثرياء النفط العرب.

لقد أثار اختطاف ومقتل قداسة المطران رحو ومرافقيه استنكار واستهجان جميع الشرفاء في العالم من رجال الدين والفكر والسياسة، إلا أولئك الذين في قلوبهم مرض من دعاة الإرهاب من فقهاء الموت الذين يواصلون غيهم في غسل أدمغة المسلمين في بث روح الكراهية والعداء بين مكونات الشعب الواحد، وبين الشعوب. فسلام على روح قداسة المطران رحو وله الذكر الطيب، وعزاؤنا العميق لذويه وأتباعه من أخوتنا المسيحيين والشعب العراقي. والخز والعار لقتلته الإرهابيين ومؤيديهم.