الرئيسية » مقالات » رزكار عقراوي ودعوته لوحدة الشيوعيين

رزكار عقراوي ودعوته لوحدة الشيوعيين

في دعوة مخلصة لوحدة الشيوعيين العراقيين دعا الأخ الكريم رزكار عقراوي لعودة الوئام والسلام بين القوى اليسارية والشيوعية،ووجه دعوته بشكل خاص إلى قيادة الحزب الشيوعي العراقي لتبني الحوار واللقاء بالإطراف الأخرى وإبداء وجه نظرهم بصدد الاتحاد، ومحاولة الوصول إلى تقارب ووضع برنامج مرحلي في محاولة لرأب الصدع وإزالة الخلافات وبناء أسس جديدة لعلاقات قد تؤدي مستقبلا للوحدة والتعاون بين تلك الأطراف،وهي دعوة مخلصة تحمل في طياتها حسن النوايا وسلامة الأهداف،بعيدا عن تنظيرات البعض وتصوراتهم بوضع حدود وفواصل للقوى اليسارية وتصنيفها إلى يمين متطرف ويسار معتدل ،ووسط مهادن وما إلى ذلك من تصورات عقيمة لا تخدم الحركة اليسارية بأي شكل من الأشكال وأرى لزاما على قيادة الحزب الشيوعي العراقي الإجابة عن هذه الدعوة وبيان وجهة نظرها لما للأمر من أهمية في الظرف الراهن،لأن مجمل الأسئلة التي طرحها الأخ الكريم تصب في قلب الهدف .
وكتب الأخ الكريم عبد العالي الحراك مقالا فيه بعض الحدة غير المتوقعة،رغم معرفتي التامة بحماسه واندفاعه وكتابته عشرات المقالات الداعية للوحدة والاتحاد والتعاون واللقاء لما تتطلبه المرحلة من توحيد الرؤى والمواقف بعيدا عن التشنج والحملات العدائية لهذا الطرف أو ذاك وما تحمل في طياتها من أضرار مدمرة على الحركة اليسارية بشكل عام،وما تفرضه من تنازلات لمد الجسور وإعادة الروابط بين المتقاربين في الرؤى والتوجهات.
وفي مقالي هذا سأتخلى مؤقتا عن التزاماتي،وأكتب بحيادية بعيدا عن أي تصورات مسبقة،استنادا لمعطيات ووقائع يعرفها الجميع،وقد أخرج باستنتاجات لا ترضي جميع الأطراف،ولكنها على كل حال رؤيا قد تكون صحيحة أو مجانبة للصواب دفعني لها فكري القاصر ورؤيتي التي لا أبرؤها من مزالق الخطأ ،ولكنها على كل حال رؤيا آمل أن لا تجعل البعض يتهمني بالوصاية والتبعية وما إليها من نعوت فلست طامعا من وراء ذلك إلا محض الخير ومحاولة قد يكتب لها النجاح.
ولو استعرضنا التاريخ الطويل للحزب الشيوعي العراقي منذ بداياته الأولى حتى اليوم،لوجدنا أنه مرمر بمنعرجات خطيرة ومنعطفات كثيرة،وارتكب أخطاء تكتيكية منها ما لا يغتفر،نتيجة اجتهادات خاطئة لبعض الرفاق،جرى الاعتراف بها في تقييم المراحل المختلفة التي مر بها الحزب،ولكن هذا لا يجعلنا نضخم الأشياء ونبتعد في التصورات ونشطب على هذا التاريخ الطويل بجرة قلم كما يحاول البعض في تجسيمه لها ومحاولة تضخيمها بما يهدف إلى تدمير الحزب وإلحاق أفدح الأضرار بمسيرته لأسباب يعرفها الجميع،وحدثت في الحزب انشقاقات خطيرة عصفت بوحدته وأضرت بفاعليته وفوتت عليه الكثير من الفرص لتحقيق برامجه الوطنية،ولكنه أستطاع تجاوزها ولملمة صفوفه وإعادة وحدته حتى أصبح كتلة متراصة استطاعت تحقيق الكثير من التقدم في مختلف الأصعدة والمجالات،وما العمل الكبير لشهيد الحزب سلام عادل إلا صورة واضحة لما يمتلك الحزب من قدرات يستطيع من خلالها تجاوز المستحيل،وبعد ثورة تموز الظافرة والخلاف مع عبد الكريم قاسم ،قامت السلطة آنذاك بتشكيل حزبها الهزيل بقيادة داوود الصائغ فكان مسخا مشوها آل إلى الزوال لعدم امتلاكه للأرضية السليمة واعتماده التآمر فذاب كما يذوب الملح في الماء وظل الحزب صامدا قويا هازئا بعاتيات الرياح، ونتيجة تخبط القيادة وسلوكها الخاطئ في آب حدث انقسام خطير قاده عزيز الحاج كانت له نتائجه الخطيرة ونهايته المفجعة باعترافاته المذلة التي بثت من خلال وسائل الأعلام.
في تلك المرحلة الخطيرة حاولت القيادة البعثية استغلال هذا الانقسام لصالحها،فقامت بمغازلة ما سمي بالقيادة المركزية،واستغلتها كواجهة شيوعية لتمرير لعبتها في إقامة الجبهة الوطنية،وأخذت تروج للحاج المعتقل آنذاك بوصفه سكرتير الحزب الشيوعي رغم أنه لا يحتفظ بأي صفة تنظيمية وقد أنهار تنظيمه وأصبح معظم قيادييه يعملون في أجهزة السلطة،وعندما وجد البعث أن لعبته لا يمكن لها النجاح لعدم وجود قاعدة لهذه الواجهة،عهد له بمهمة وأصبح من واجهات السلطة لعدة سنوات،وبعد التحالف مع البعث وما رافقه من تداعيات وانهيار التحالف بين الشيوعيين والبعثيين،عمد البعث لإيجاد تجمعات شيوعية لها شرعيتها البعثية،فكان تحركه المعروف من خلال ماجد عبد الرضا واتصالاته المشبوهة ببعض الشيوعيين المطرودين الذين شكلوا وفودا لمبايعة صدام والمشاركة في السلطة البعثية إلا أن شيوعيي الداخل لم تنطلي عليهم اللعبة الجديدة ففشل هذا التحرك ولم يؤت ثماره في الداخل كما أريد له،فشكل البعث تجمعات شيوعية في المهجر،أخذت على عاتقها القيام بأعمال تخريبية وإشاعة البلبلة في صفوف المعارضة والحركة الشيوعية بوجه خاص،في محاولة لتفتيت العمل الشيوعي وإفشال تحركاته المستقبلية،وهذه الأمور معروفة للعاملين خارج العراق،وقد أشار لها أحد القادة الخارجين على الحزب في مذكراته فقال “أما الحركة الشيوعية فأن تنظيمها المركزي تجزأ إلى قسمين وتكتلات جديدة تعمل بأسم الشيوعية،ولكن دورها محدود وأكثره خارجي،إضافة لاختراقات النظام لها”
واليوم بعد الاحتلال الأمريكي للعراق،ومحاولاته تمرير معاهداته وتوجهاته في أحكام السيطرة على المنطقة،برزت في الساحة العراقية عشرات التجمعات الشيوعية،وكل منها يدعي امتلاك الحقيقة والشرعية في وراثة الإرث الشيوعي الخالد،واتهام الآخرين باغتصاب أسم الحزب،رغم أن هذه الجماعات تعرف حجمها ووزنها الجماهيري،وحقيقة وجودها في الساحة العراقية،والغريب في الأمر أن بعض هذه المجاميع تتسلم الإعانات وتحضا بدعم كامل من شراذم حزب البعث الذين سلكوا طريق التآمر وحاولوا أعادة تمثيل دورهم كما حدث بعد ثورة تموز،بما سرقوا من أموال الشعب العراقي عندما كانوا في السلطة تحسبا لمثل هذا اليوم،ومجاميع أخرى ترتبط بجماعات القاعدة والسلفية الأصولية وجهات خارجية بعيدا عن المصلحة الوطنية التي وجدت في هؤلاء خير معين في إنهاء أي صوت خير يمكن له الإسهام في البناء الوطني ،بل أن بعض هذه الجماعات تعلن بدون خجل ارتباطها الصميمي بزعيم العراق الشرعي صدام وخلفيته الفرعي عزت،والأمام الديني حارث الضاري،ولا أدري في أي باب ن أبواب الشيوعية التي يتبجحون بها يلتقي الشيوعيين بالصداميين والسلفيين وأتباع القاعدة وهذا لا يعني عدم وجود مجاميع مخلصة عليها العمل لأيجاد صيغة من التعاون لما فيه مصلحة الحركة الشيوعية واليسارية في العراق.
ولو طالعنا ما يصدر عن هذه التجمعات من بيانات ومنشورات وصحف ومواقع،لوجدنا أن جلها يتضمن السب والشتم والتشهير بجماعة (اللجنة المركزية) وكيل التهم الجاهزة ونعتهم بأقذر النعوت،ولكني على كثرة ما قرأت مما يكتب في المواقع والصحف لم أجد أن جماعة (اللجنة المركزية) توجهت بسب أو اتهام لأي جهة من هذه الجهات من قريب أو بعيد،بل لم أجد ولو ردا بسيطا على الاتهامات الموجهة لها وكأنها غير موجودة أو لم تسمع بما يتقولون عنها أو يطلقون من نعوت، لأنها تتجنب إثارة الخلافات الجانبية وتعتبر هؤلاء أبناء لابد لهم في يوم ما العودة إلى والدهم الذي جعل منهم كفاءات علمية وأدبية بما قدم لهم من وسائل العون ووفر لهم من أسباب النماء،وكما يقول المثل العربي(انفك منك وأن كان أجدع)،وهذا يثبت أن تحامل هذه الجهات له أهداف أبعد مما وراء السطور،ووراءه جهات خارجية تحاول بمختلف الوسائل الإساءة للحزب الشيوعي،وأضعاف دوره في العمل الوطني خوفا من تحوله إلى قوة مؤثرة تقف بوجه مخططاتها الرامية إلى ما هو أكبر من الاحتلال، وأن على تلك الأطراف أن كانت وطنية توجيه نقدها لعدوها الطبقي لا القريب منها في أقل الفروض،ولمن يجد زيفا في كلامي أو خروج عن الواقع أن يدلني على وثيقة أو مقال صادر عن الحزب الشيوعي العراقي يندد بأي تجمع من هذه التجمعات،أو يدلني على تصريح لهذه القيادة ينال من هذا الشخص أو ذاك.
وأعتقد أن الجميع عارف بشروط اللجنة المركزية غير المعلنة والتي أتوقع أنها لا تخرج عن أطار دعوة الخارجين عن الحزب إلى العودة إليه دون قيد أو شرط،يستثنى من ذلك من أساء إساءة لا تغتفر إلى الحزب والشعب،أو تعامل مع جهات خارجية لها أجندتها غير الوطنية،ولمن يشاء أعادة صلته بالحزب ليأخذ مكانه المناسب بما يقدم من عمل يؤهله للارتقاء في السلم الحزبي،عن طريق الانتخاب لا التعيين،فزمن التعيينات قد ولى،وأصبحت الديمقراطية والكفاءة المعيار في المراتبية،وبخلاف ذلك فعلى هذه الأطراف بناء تحالفاتها والاتفاق بينها وتشكيل قوة قادرة على أثبات وجودها على الأرض،لأن قيادة الحزب الحالية تؤمن بالعملية السياسية على ما فيها من خلل واضطراب،وترى أن الإصلاح الداخلي هو الحاسم في تغيير مساراتها،أما التآمر والاتفاقات الخارجية فإنها لا تسهم في بناء البلاد وتؤدي إلى عواقب وخيمة،أما الذين لا يؤمنون بالعملية السياسية فلهم رأيهم الذي على الآخرين احترامه،وعليهم احترام رأي الآخرين والعمل بالطرق التي يجدون أنها توصلهم إلى بر الأمان،فلا توجد وصاية لأحد على أحد،وكل حزب بما لديهم فرحون.
ومن هنا أدعوا الأخوة في هذه التجمعات محاربة العدو الحقيقي،دون الدخول في سجال جانبي مع المقاربين لهم بالرأي،وأتفق مع الأخوة الذين يطالبون بوحدة الصف والاتفاق على أمر سواء،على أن تتخلى جميع الأطراف عن هجماتها النارية وصولاتها العنترية،والاحتكام للشرعية الجماهيرية،وإذا كان لهؤلاء القدرة على التغيير،فلهم ممارسة نضالهم بالطريقة التي يشاءون ،وبما يتفق مع برامجهم السياسية دون أجبار الآخرين على الاقتداء بهم،وارجوا من رفاقي في قيادة الحزب الشيوعي العراقي حسم الموضوع والإجابة عن تساؤلات الأخوة المخلصين الداعين إلى الوحدة،بإبداء وجهة نظرهم وبرنامجهم لترى الأطراف الأخرى رأيها في الاتفاق والتوافق،أو الاختلاف معه ليذهب كل في الطريق الذي يختاره،وعسى أن يكون الجميع رائدهم خير العراق وشعبه،وأكرر أن الساحة العراقية تتسع للجميع ولا توجد وصاية لأي جهة على الآخر،وليس بمقدور أحد الادعاء بامتلاكه الشرعية إلا من خلال تأييد الجماهير والتفافها حوله،وهو ما تثبته الانتخابات الوطنية،التي ستظهر من هو الممثل الحقيقي لطموحات وآمال العراقيين.