الرئيسية » مقالات » أحقاً ( رؤية عراقية) ؟؟؟ (4)

أحقاً ( رؤية عراقية) ؟؟؟ (4)

7- يصل الأستاذ محمد عبد الجبار الشبوط من خلال( الإستطراد والتحليل ) إلى تشبيه حالة في ظروفنا المعاصرة كحالة العراق اليوم مع حالة وقعت أحداثها قبل 63 عام على وجه التحديد، ولذلك نرى في التيجة التي وصل إليها، نتيجة خيالية لا علاقة لا بحقيقة ما ينظم العلاقات الدولية أبان الحرب العالمية الثانية، وهذه الطريقة أي المقارنة والنتيجة للأسف الشديد هي من الأخطاء الشائعة، ويكررها الكثير من الكتّاب والسياسيين والمحللين و… و… في التصريح والمقال والنقاش لتبرير وجود قوات الإحتلال لا غير، وهي عندنا وسيلة من وسائل الهروب من المسؤولية الوطنية في مواجهة الوقائع وتحديد المبادئ بالتمييز بين ما قبل قبل نشأة الأمم المتحدة وبعد نشأة الأمم، إلى جانب معطيات الصراع على الصعيد الدولي بعد أن لاح في الأفق الإنتصار على العسكرية اليابانية والفاشية والإيطالية والنازية الإلمانية.
وعندما نقول لا غير نعني بذلك، بأن هذا التشبيه لا يعالج حقيقة الأوضاع في بلادنا بقدر ما يدفع للقبول بها والإستكانة إليها على إعتبار ذلك سبيل مجرب في ألمانيا واليابان من دون الكشف عن أختلاف الظروف وبالتالي الدوافع والأهداف بين ما يحصل هنا وما حصل هناك.
فإذا لم نعيش فترة الحرب العالمية الثانية، فقد عشنا هذه المرحلة وسمعنا المسؤولين يشكون من الشرنقة التي فيها البلاد جراء وجود هذه القوات، بما فيها صلاحيات القائد العام للقوات المسلحة العراقية الحالي حيث لا يستطيع تحريك سرية حسب تعبيره، ناهيك عن عدم التنسيق في الكثير من أعمال المداهمة والأعتقال لا بل عندنا سجن عراقي وأخر أمريكي، وموقف هذه القوات من تسليم المدانين في جريمة الأنفال، والمطالبة بجدولة إنسحاب القوات الأجنبية، وبالمقابل نجد الإدارة الأمريكية تؤكد البقاء على رؤوس الإشهاد، ولا نريد التحدث عن الجوانب الأخرى وما تحمله من تفاصيل معيبة في كثير من الأحيان.
فهل يٌعقل بأن الأستاذ الشبوط وهو الأعلامي والناشط السياسي ورئيس تحرير جريدة الصباح سابقاً لا يعرف حجم تدخل هذه القوات في شؤون العراق ؟؟؟!!! إننا في شك قاطع كاليقين، خصوصاً في قوله الجميل!!! ( لا يعني أن البلد محتل، ما دامت هذه القوات لا تفرض إرادتها السياسية على البلد على الضد من حكومته وهيئاته الرسمية )، قول ولا أجمل منه!!! فهو سليم جداً من الناحية النظرية، وكذلك من الناحية العملية عندما يجري الإلتزام به، وإحترام أسس وقواعد وشروط الإتفاقيات الدولية، التي تستلزم رضا الأطراف من دون عوامل تفقد هذا الرضا معناه، كحالة إختلال التوزان أو إستخدام الضغوط أو شراء الذمم أوالتدليس، وإلى جانب الرضا لابد من وجود تكافؤ في العلاقات بين الأطراف، وإنسجام الإتفاق المعقود مع مبادئ القانون الدولي، والحياة تقدم أمثلة معاصرة حول تواجد القوات العسكرية في البلدان الأخرى، مثل التواجد لغرض القيام بمناورات العسكرية المشتركة، أو القيام بزيارات متبادلة للقطعات العسكرية، أوإقامة القواعد العسكرية المؤقتة أو الدائمة، ولكن، مثل هذا الحال لم يكن متوفر في إلمانيا أو اليابان وكذلك في العراق مع الفارق بين الحالتين بسبب إختلاف الظروف التي تتحكم في العلاقات الدولية والمبادئ السائدة آنذاك الآن.
وهنا ليسمح لنا الأستاذ محمد عبد الجبار الشبوط بسؤال ونحن أمام حالة العراق، هل هذا القول النظري له تطبيقات في العراق العظيم بمـأساته؟؟؟ فليتكرم العزيز الأستاذ الشبوط ليقدم لنا نحن القراء صور من تلك التطبيقات وله منا جزيل الشكر والإمتنان!
إن الضرورة لا تبيح لنا إغفال أسباب الموضوعة، ولابد من توضيح حقيقة الدوافع التي جعلت عملية بقاء القوات الأجنبية وخصوصاً الأمريكية في اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وليس أن نكرر التشبيه من دون التنبيه لواقع الحال آنذاك.
فاليابان وقعت وثيقة الإستسلام في 2 أيلول / سبتمبر 1945 بعد ضرب مدينة هيروشيما في 6 آب / أغسطس القنبلة الذرية، ومدينة ناكازاكي يوم 9 آب / أغسطس 1945، ونتائج ذلك معروفة لكل أصحاب الضمائر الحيّة في العالم، والتي تعهدت اليابان بموجبها بعدم التسلح في المستقبل، وهذا هو رد فعل على العسكرية اليابانية، وما فرضته الأطراف المنتصرة في الحرب جراء سيادة مبادئ ومفاهيم لم تعد مقبولة الآن، علماً إن الولايات المتحدة الأمريكية لم تجري الحرب على أراضيها ولم تكلفها الحرب كما كلفت دول الحلفاء الأخرى.
كما إن الأمر على الجبهة الألمانية لا يختلف كثيراُ عن الجبهة اليابانية فـ ( التاريخ يخبرنا أيضا أنه وبعد الحرب العالمية الثانية، أحضر الحلفاء الجنرال الألماني ” كاينزل ” ليوقع وثيقة الاستسلام، ولم يسمح له بقراءة الوثيقة أو فتحها، ومنع من الجلوس، ووقع وثيقة الاستسلام غير المشروط وهو واقف، وبعد التوقيع طلب منه أن يخرج ) .
وتأكيداً على إن التشبيه بين الوقائع ليس عمل مجرد لا يأخذ بنظر الإعتبار متغيرات الزمان والمكان والقواعد والأحكام، وإن ترائ الحال متشابه بهذا الشكل أو ذاك أو بهذه الدرجة أو تلك، وحتى لو ذهبنا مع الأستاذ محمد عبد الجبار الشبوط إلى ما ذهب بالتشبيه، والذي يعني دعوة لنا كعراقيين للأخذ بما جرى آنذاك هناك، فليسمح لنا إذن، ولنرى معاً التشبيه الذي جاء على لسان ( هارلان أولمان مهندس ومصمم خطة ” الصدمة والذهول ” لشبكة الـ CBS الأخبارية الأمريكية في 24 يناير 2003، فإنه سيتم قصف العاصمة بغداد في اليوم الأول للحرب بـ 300 إلى 400 صاروخ كروز، وفي اليوم التالي ستتواصل الصدمة والرعب، ” إن الهدف من السيطرة السريعة عبر الصدمة والرعب هو تدمير أو إذهال الإرادة الإنسانية للعدو؛ من أجل ألا يجد العدو أي خيار أمامه سوى التسليم بأهدافنا الإستراتيجية التي سنمليها عليه ” … نريد أن نخلق شعورًا باليأس المطلق لدى العسكرية العراقية “، وأضاف : ” الفارق الوحيد بين أثر قنبلة هيروشيما وبين قنابل الصدمة والرعب أننا في 1945 حصلنا على النتائج خلال أيام بل أسابيع، أما اليوم فيمكننا حصد النتائج خلال دقائق” ، ثم أضاف : ” مشكلة اليابانيين عام 1945 أنهم لم يدركوا أنه بمقدورنا استخدام قنبلة واحدة تحدث تأثيرًا تدميريًّا يعادل تأثير 500 غارة جوية، وهذا ما أسميناه بالصدمة آنذاك، أما الآن نستطيع أن نصيب عدونا ( العراق ) بنفس الصدمة باستخدام أسلحة أخرى حديثة ” ! ).
وإن هذا النص كافي لتبيان ما مطلوب، فالوسيلة واضحة والهدف محدد، ولكن نقول للأستاذ محمد عبد الجبار، وكل من يقرأ ما نقول من أبناء شعبنا، إن هذا النص لم يخرج عن إطار التفكيرالعدواني الشامل ونزعة الهيمنة وإخضاع الأخر، خصوصاً الشعوب، لأنه يعتبر العسكرية العراقية هو الشعب العراقي، وليس النظام الدكتاتوري، ونتائج ” الصدمة والذهول ” ، واضحة اثارها على الشعب وعلى المؤسسات الأساسية التي تقدم الخدمة له.
فـ ” الصدمة والذهول ” ، يراد لها أن تتجاوز النظام وأزلامه إلى الشعب بكل قطاعاته كي يقبل بما يريده صانع الصدمة، بمعنى هي وسيلة إخضاع للشعب وليس وسيلة خلاص من النظام، وعلينا أن ندرك هذه الحقيقة جميعاً، نحن مع كل جهد لا يتجاوز كرامتنا الإنسانية المجسدة في سيادتنا الوطنية، وهذا هو جوهر الموضوع المختلف حوله عراقياً.
إن إندلاع الحرب العالمية الثانية تعتبر دلالة، بإجماع المختصين في مجال القانون والعلوم السياسية، على أن الحرب لا تزال وسيلة مشروعة في العلاقات الدولية آنذاك، وهذا الحال كان له تأثير واضح في إطار المجتمع الدولي، ولم تستطيع عصبة الأمم التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الأولى على منع الحرب كوسيلة لحل الخلافات بين الدول، أي إنها فشلت بهذه المهمة الإنسانية العظمى جراء النزعة العدوانية المترسخة التي نتجت عن قوى ذات روح عنصرية وإتجاهات سياسية محافظة تدفعها مستويات الأرباح لمزيد من العدوان والغطرسة.
فالحرب التي أشعلتها النازية الالمانية والفاشية الإيطالية والعسكرية اليابانية، قد حسمت بإنتصار الحلفاء، وهذا النصر بالإرتباط مع المبادئ السائدة ومن ضمنها حق المنتصر وواجب المهزوم، كإستمرار ودليل على أن الحرب وأثارها كانت وسيلة غير مرفوضة في العلاقات الدولية، ولذلك تم توقيع وثائق الإستسلام بشكل لا علاقة بحقوق الشعوب وسيادتها، إلى درجة ضم أراضي الغير، وتحديد مستوى التسلح إلى درجة تشكيل لجنة تعمل على تجريد ألمانيا من أسلحتها ومراقبة عملية تسلحها، ومنعها من التصرف بثرواتها خلال عامين بعد انتهاء الحرب، إلى جانب فرض التعويضات عليها وعلى الدول المحور التي خسرت الحرب، وبذلك نشهد هناك شروط تتنافى مع الكثير من المبادئ التي جاءت بها هيئة الأمم المتحدة لاحقاً وإلى الآن تترسخ، والتي لا يجوز إغفالها والمقارنة بما كان سائد أبان الحرب العالمية الثانية، تلك القيّم القائمة على أساس العدل والإنصاف وصيانة الأمن والسلم الدوليين والمساواة في السيادة، وتحريم ضم الأراضي بالقوة، ولا زال الصراع على الصعيد الدولي مستمر من أجل نبذ ما هو غير إنساني وغير عادل في العلاقات الدولية، كما إن إبقاء قوات أمريكية لا غير في تلك البلدان لم ياتي من فراغ إنما هي الدولة الأكثر قدرة والأقل تضرر من نتائج الحرب وهي التي ضربت اليابان بالقنبلة الذرية، كما إن بقاء القوات لم يكن بمعزل عن بداية الحرب الباردة، وما نتج عنها من تقاسم النفوذ، وليس للضرورة الإنسانية أو وفق آلية دستورية أو موافقة هيئة دولية.
فمن فظاعات الحرب وضرورة نبذها كوسيلة لحل الخلافات، جراء ذلك أخذت العديد من الدول البحث عن سبيل، وعبرت عن رغبتها بتأسيس هيئة دولية جديد وعلى أسس جديدة، تصون السلم والأمن الدوليين، وقد تجلت تلك الرغبة في إعلانات وتصريحات ورسائل متبادلة بين الحلفاء، خصوصاً بعد إن أقترح الرئيس فرانكلين د. روزفلت اسم ” الأمم المتحدة ” لأول مرة في 1 كانون الثاني/ يناير عام 1942، إلى أن تم عقد مؤتمر موسكو تشرين الأول / أكتوبر 1943، ومؤتمر طهران في 27 تشرين الثاني / نوفمبر 1943 ، ومؤتمر يالطا يوم 4 -11 شباط / فبراير عام 1945، والتي مهدت الطريق أمام إتفاق الحلفاء لتوقيع ميثاق هيئة الأمم المتحدة في 26 حزيران / يونيه عام 1945 ، وإعلان وجود الهيئة الدولية في 24 تشرين الأول / أكتوبر 1945 في مدينة سان فرانسيسكو، والتي أكدت على ضرورة حل الخلافات الدولية بالطرق السلمية، بمعنى آخر، أن الحرب لم تعد وسيلة مشروعة لحل النزاعات الدولية بعد إن ظهرت إلى الوجود هيئة الأمم المتحدة ووقع ميثاقها من قبل 51 دولة مستقلة، وهذا لا يعني في ذات الوقت، عدم تعرض مقاصد هيئة الأمم المتحدة ومبادئها للخرق وعدم الإحترام خلال 63 عام من قبل العديد من الأنظمة ذات النزعة المناهضة عملياً لمبدأ المساواة في السيادة بين الدول والساعية للهيمنة بالقوة العسكرية وإخضاع دول أخرى لنفوذها.
ولا نجد وجه تشابه أو مقارنة بين ما جرى في ومع اليابان أوالمانيا والعراق اليوم، فالنظام إنهار وسقط، وقبل ذلك جرى فرض التعويضات والعقوبات و… و … ، ووفق نصوص القرارات الدولية العراق دولة ذات سيادة يتوجب إحترامها، ومع كل ذلك لا نجد عملية سياسية جدية ولا أحترام للقرارات والمبادئ المجسدة في المواثيق الدولية، فالولايات المتحدة الأمريكية لن ترتضي تدع الإرادة الوطنية العراقية تعبر عن نفسها بشكل صادق بل تعمل كبقية الطامعين في التأثير وفرض أجندة خاصة، ونحن مع الأمم المتحدة بسبب تعدد الأطراف وتقاطع المصالح، ووضوح الميثاق وآليات العمل، ولذك نعتبر ( الدعوات المتكررة لاصلاح هيئة الامم المتحدة … ضرورية و ملحة، كي يسود القانون في العلاقات الدولية، و يزداد دور الامم المتحدة في تنظيم الحياة الدولية، و معالجة الخلافات والمشاكل وفق مبادىء العدالة، و حقوق الدول و شعوبها دون تمييز).
وختاماً نقول إن الشعب العراقي ، كشعب حي ، سوف يتعلم بالتجربة وليس في سبيل أخر ليتجاوز محنته، رغم إدراكنا لحجم الثمن الذي يستلزمه التعلم بالتجربة، إن تأكيدنا هذا هو ناتج من سيادة خلط المفاهيم خلال السنوات الأخيرة والمستمر إلى أن نصبح أما موقف شعبى واعي وصادق ومدرك لحقوقه الإنسانية.

22 شباط / فبراير 2008
* * هذا رابط المقال والذي نشر بالأصل في جريدة الوطن، وعدت مواقع الكترونية ، ولغرض الفائدة نرفق نص المقال أيضاً بحروف صغيرة ممكن تكبيرها( في الجزء الأول )
http://www.factiniraq.com/modules.php?name=News&file=article&sid=1515
كما نعتذر للقراء على التأخر في نشر الموضوع الذي كتبناه بتاريخ 22 / 1 / 2008 ، لأسباب فنية( عطل الكومبيوتر) ومشاغل يومية، وسوف ننشره على شكل حلقات لأنه يتعلق بموضوعات لا تفقد اهميتها رغم مرور وقت على نشر مقال الأستاذ محمد عبد الجبار الشبوط،