الرئيسية » مقالات » لحية كالديرون وضحالة تفكير الرأسمالي

لحية كالديرون وضحالة تفكير الرأسمالي

عالم كرة القدم يتسع ويتحول إلى ركن مهم من اقتصاد بعض الدول المتقدمة وحتى النامية , كما هو متنفس ومنعش وضرورة يتصورها ويركض ورائها الملايين من البشر المشجعين ومن مختلف الأعمار , يتابعون بلهفة واستمرارية , أخبار ونتائج الأندية والفرق , ويعشق البعض إلى درجة الوله و التمثل لاعبين نجوم , يراهم يصولون ويجولون ويفعلون الأعاجيب .
– من الجانب الآخر , الإدارة , حيث يتواجد التجار , رجال الأعمال , السياسيون في بعض الدول وخاصة المتخلفة , المقامرون الكبار , أصحاب الشركات والمعلنين , والخلاصة هم كل المتنفذون اللذين يجلسون دوما في المقصورة الرئيسية , همهم الأساس هو (كم ) الحضور الجماهيري , ومدى ونوع الاستفادة منه , ومن ثم التفرج والتمتع بقدرة ومهارة الفرق واللاعبين .
– حديثنا هو عن احد هؤلاء الكبار , وهو السيد رامون كالديرون , رئيس نادي ريال مدريد الاسباني الشهير , وأحلامه العريضة بداية الموسم الكروي الحالي 2007 – 2008 , وهو كأي صاحب مشروع رأسمالي يفتح كيسه وينتظر أن تتوجه أرباح الدنيا كلها نحوه , فقد صرح بأنه يريد الكؤوس الثلاثة التي يتبارى فريقه من اجلها داخل وخارج اسبانيا , الدوري الاسباني , الكأس المحلية , كاس أبطال دوريات أوربا , ثم أضاف انه سيطيل لحيته بعد أن يراها أي الكؤوس , مرتبة في خزانته كما فعل مؤسس النادي بداية القرن العشرين وتشبها به ! والى هنا والأمر طبيعي وله الحق كما لغيره في هذا الطموح مادامت الروح الرياضية والمنافسة تسودها الشفافية ولكل مجتهد نصيب , وستزداد شعبيته لدى الملايين من مشجعي الريال , كما سيزداد تأثيره ونفوذه داخل الوسط الرياضي والاقتصادي والسياسي الاسباني , فما الذي حصل وسيحصل بعدها ؟ أم يتوجب إلقاء نظرة سريعة لما سبق سماع مثل هذا التصريح .
– منذ سنوات ونادي الريال يعاني من غياب الكؤوس عن خزانته وهو الشهير ونادي القرن العشرين المعروف بانجازاته السابقة , ولكن بروز منافسين أقوياء سواء خارج اسبانيا أم في الداخل اضعف فرص الفريق , فما العمل ؟ وكيف يفكر رجل الأعمال والمال السيد رامون وقد أصبح بيده الحل والربط , لإعادة اللمعان لكرة النادي وإرضاء جمهوره , أنهم النجوم , ونخبة النجوم ! يجلبهم بأي ثمن ويسطرهم دفاعا وهجوما , مادامت خزانة النادي متخمة , والرياضة وخاصة كرة القدم تحولت إلى احتراف و(ثمن ) يدفع فيأتيك الأبطال جاهزين , ليحققوا الانجازات , وأنت جالس في المقصورة المشهورة , وهكذا قدم زيدان ورونالدو وفيغو , وبيكهام وغيرهم إضافة للأفضل الموجود من أبناء البلد , والمال يصنع الأعاجيب ويخلق لك فريق الأحلام الذي لاينافس , فلماذا بقيت الكؤوس مستعصية على خزانة الريال يامسيو كالديرون ؟
– مايذكر له من ايجابيات هذا السيد كالديرون , انه جلب المزيد من المشاهدين للمباريات , حرك (العملية التجارية ) داخل النادي ولو على حساب إفقار معنوي لأندية وجماهير أوربية وعالمية ,وحرمانها من التمتع بمشاهدة لاعبيها الكبار ضمن فرق بلدانها لان فريق الأحلام يحتاج إلى لاعبين على مصطبة الاحتياط أغلى ثمنا وشهرة أحيانا من المشاركين في المباراة ّ, ليبرز السؤال البسيط والأشهر المتداول وربما الحاسم والذي لن يستوعب معناه أبدا السيد كالديرون , من الذي يخلق الآخر ويمنحه الشهرة والانتصارات اللاعب الفرد أم الفريق ؟ ماذا لو جمعت نجوم العالم وطلبت منهم أن يتفاهموا وكل يعتقد انه الأهم ؟ وأي مدرب يستطيع ترويضهم وصهر جهودهم في بوتقة اللعب الجماعي الذي هو روح كرة القدم ؟ لن يفهمها إداريو الريال المتخمين , وفطن السيد كالديرون وتصور إن العلة هي بالمدرب , وفتح الخزانة ثانية وجلب الأشهر فيهم عالميا أربعة أو خمسة تبادلو الأدوار لأقل من موسم لكل واحد فيهم و ولا أمل في هطول مطر الكؤوس و التي أصبح ينالها ويا للكارثة المنافس المحلي الأكثر خصومة للريال وهو برشلونة الكاتالوني .
– وأخيرا قدم المنقذ الايطالي فابيو كابيلو , الذي لن يكافئه الريال بعدها بغير الطرد لان أسلوبه لا يتناسب وعقلية السيد كالديرون وصيغة (المال مقابل الكؤوس) , جاءوا به في منتصف الموسم الماضي , والريال متأخر ونجومه مترهلين لايجدون الدافع الحقيقي للعب والفوز , لأسباب عالجها المحنك كابيلو , الذي لاتهمه الأسماء بل العطاء داخل المستطيل الأخضر , وأحال على التقاعد وحتى بعيدا عن مصاطب الاحتياط نجوما لاتضاهى , معيدا بعضهم رويدا رويدا إلى رشده , ليتفهموا أن الجهد واللعب هو من اجل روح الفريق والأداء الجماعي , لا البروز الفردي , ونجومية الإعلانات وشاشات التلفزة , وهكذا استنهض همة الفريق , لا يجلس ولا يتحدث , بل يركض ويصرخ , فالوقت يداهمه وكاس الدوري يجب أن لا يفلت منه , ليقبض عليه في الثواني والدقائق الأخيرة من مسيرة قطار الدوري الاسباني وفي لحظات لن ينساها الجميع وهدفين , لرييز , اللاعب الاحتياط انزله كابيلو ليحسم , ويتفوق الريال على برشلونة ,بفارق الفوز في ملعب النادي الآخر , فماذا كان جزاء كابيلو وعقليته من قبل الرأسمالي كالديرون ؟
– يعتقد الرأسمالي كعقلية فردية في غالب الأحيان ,انه على حق مادام يملك السلطة والمال , وهو من وضع القطار على السكة المناسبة ,وحقق الانتصار, وما دام حصل (هو) الرئيس كالديرون على كاس الدوري هذه السنة , فيتوجب أن يقدح زناد فكره ليضع في السنة القادمة الكؤوس الثلاثة معا كما أسلفنا في خزانته ويطيل لحيته ليصبح الأعظم كرئيس في تاريخ الريال .
– الخطوة الأولى هي توفير المدرب الأفضل ومن هو البطل غير القادر على هزيمة الخصم الأكبر داخل البلاد , والمعني هنا نادي برشلونة , والمدرب المرشح للريال هو برند شوستر لأنه تمكن من إقصاء النادي الكاتالوني من كاس اسبانيا بواسطة الفريق المحلي نادي خيتافي الذي يدربه , وهزيمة برشلونة هي قمة تمنيات ورغبات السيد كالديرون , وهكذا فقد ابعد كابيلو , وقدم شوستر ولديه الوقت والمال والصلاحية لتكوين فريق بمستوى طموحات وطول شعر لحية السيد كالديرون .
– ويبدأ السباق نحو الكؤوس ويتصرف السيد شوستر كما يريد ويبعد من يعتقد انه لايلائم مرحلة إطالة لحية الرئيس , وربط الكؤوس الثلاثة بها , وتستمر مطحنة المسابقات وتتناثر شظايا صراع البطولات ويبدأ الزبد بالذهاب جفاء , ليمكث في الأرض ماينفع الناس , وتكفهر الأجواء من حول السيد كالديرون , في يوم لاينفع مال مهما كثر لشراء المزيد من اللاعبين , فهنالك طاقة وحدود قصوى لايمكن لأي كتلة او فريق تجاوها , كما أن من يهزم برشلونة مرة أو اثنتان لايعني تحوله بذلك الى أسد الغابة , ولا أن كفاءته لاتجد من يوازيها أو يفوقها لمعان , ولكن العبرة بعقلية الإدارة وطريقتها في التعامل مع مالديها من أوراق , وبذلك توالى خروج الريال من التنافس على الكؤوس , فبعد الإخراج من دوري أبطال أوربا , خسر التنافس على كاس الملك , ولم يبق سوى الدوري المحلي يراوح فيه شوستر وكالديرون بين مد وجزر وحظ عاثر أحيانا للمنافس الأقوى برشلونة , ورغم إن ماتبقى لم يحسم ولا زالت أسابيع عديدة تفصلنا عن خط النهاية وتتويج بطل الدوري , ولكن يمكننا التأكيد بسهولة أن السيد كالديرون سيبقى بلا لحية وبما انه حليق الشارب وما تحول إلى الصلع من الرأس لديه أكثر مما يتواجد فيه الشعر , فهل سيصرح في الأيام المقبلة بأنه سيحلق شعر رأسه كما كان يفعل بالأمس لاعبه البرازيلي الشهير روبرتو كارلوس إذا لم يفز بالدوري المحلي وناله غريمه التقليدي برشلونة , ويجعل اختصاصيو التجميل يستنتجون أن هنالك علاقة محسوسة ملموسة ولها دليل تربط بين تساقط شعر رأس رؤساء الأندية الكبرى وما يفقدونه من كؤوس يحلمون بها .
– سقطت الهواية الحقة والاستمتاع بالفوز الرياضي ,لمصلحة التنافس المادي والاحتراف , مع انهيار الفكر والمعسكر الاشتراكي , ليقود الرياضة ويسيرها , أنانيات ذاتية مثل السيد كالديرون .