الرئيسية » مقالات » الشهيد المناضل جبار جاسم (أبو عبيس) (2-2)

الشهيد المناضل جبار جاسم (أبو عبيس) (2-2)

وعندما تعقدت الأوضاع،وبدأت العلاقة الجبهوية مع البعث تسير في طريق متعرج قد يفضي إلى اللاعودة أواسط 1978 وكشر البعث عن مخالبه القذرة،ومارس الكثير من الأعمال المخلة بالعمل الجبهوية،وبدء في ممارساته الضارة باستهداف أعضاء الحزب الشيوعي لإنهائهم بمختلف الوسائل بما في ذلك الاعتقال والاختطاف والاغتيال أو الإسقاط السياسي،ارتأت قيادة الحزب –بعد فوات الأوان- الانصراف للعمل السري ومحاولة أبعاد العناصر غير المكشوفة عن العمل الحزبي تحسبا للمستجدات،فبلغ بعض الرفاق القياديين والآخرين من غير المكشوفين الابتعاد عن المقر وعدم المشاركة في النشاطات ،ونسب الرفيق أبو عبيس وأبو رهيب لقيادة العمل السري والبدء بتجهيز البيوت السرية والمراكز الحزبية،والعمل بشكل سري تحسبا للظروف،فشكلت حينها البيوت السرية وجهزت بما تحتاجه من أدوات الطباعة وما يتطلبه العمل السري من مستلزمات،والبدء ببناء المرتكزات التنظيمية التي يمكنها العمل في أشد الظروف حراجة،فأضطر للاختفاء عن الأنظار،واتخذ من أرياف بابل التي يتمتع الحزب فيها بمكانة عالية محطة لنضاله الجديد،فكان يتنقل بين البيوت السرية وبيوت الرفاق من فلاحي ريف القاسم والكفل والمدحتية،وشكلت في حينها محلية ميدانية مصغرة أخذت على عاتقها أعادة ربط الهياكل التنظيمية والعمل في أشد الأوقات حراجة،في ظل ظروف صعبة لم تمر بها البلاد من قبل،ولم يشهد لها التاريخ مثيلا،فكان أبو عبيس يتنقل بين المدن الفراتية متنكرا بأزياء مختلفة فتارة افنديا حليق اللحية والشارب،وأخرى فلاحا يرتدي ملابس بسطاء الفلاحين،أو عاملا يرتدي ملابس العمل التي تبعد عنه الأنظار،فتراه صباحا في مساطر العمال بحثا عن رفيق أو بناء على موعد،وتارة يحمل المسحاة كأنه أجير للعمل في الحدائق،وقد تمكنت محلية بابل من تنظيم اتصالها بقيادة الحزب الميدانية واستلام التعليمات وإرسال التقارير عن سير العمل وما تتطلبه طبيعة التنظيم،وأستطاع الرفاق مد الجسور مع تنظيمات الألوية الأخرى وربطها بالمركز،ويبدوا أن هناك خرق أمني كان وراء ما يحدث من اعتقالات فقد تمكنت المخابرات الصدامية من شراء البعض من أصحاب الضمائر الميتة ممن باعوا أنفسهم للعفالقة والأشرار،وتمكنت السلطة من ألقاء القبض على بعض الرفاق في أماكن مختلفة،دون أن تتمكن من كشف الخلايا الأخرى بسبب طبيعة التنظيم السري الذي أخذ أشكال جديدة بعيدا عن الأساليب القديمة ،وأعتمد الاتصال الفردي وخيطية الخلايا بدلا من الطرق السابقة بربط التنظيم بقيادة واحدة خوفا من انكشاف الأمر وإنهاء التنظيم،لذلك ما أن تلقي السلطة القبض على مجموعة حتى تكون المجموعات الأخرى بمنأى عن الاعتقال لعدم وجود ارتباط تنظيمي بين الهيئات المختلفة وانحصار الأمر بالقيادة العليا البعيدة عن الاختراق والموثوق بصلابتها وعدم انهيارها في أقسى الظروف،وبذلك تمكن الحزب من الحفاظ على وجوده الدائم وعمل منظماته دون الخشية من إنهائها رغم الضربات الموجعة التي وجهت إلى التنظيم وإلقاء القبض على قياداته التي فضلت الموت على الهزيمة وقاومت السلطة حتى النفس الأخير،وفي حالة إلقاء القبض عليها يكون صمودها مفخرة للشيوعيين العراقيين،ولم تتمكن السلطة رغم إمكانياتها العالية من إنهاء الركائز المختلفة الموزعة على المحافظات بسبب الطرق التنظيمية المبتكرة التي لجأ إليها رفاق العقيدة الذين تفوقوا بعقلياتهم المبدعة على كل ألاعيب السلطة وخبراتها الكبيرة في القضاء على المعارضين،ويبدوا أن هناك خرق تنظيمي كان وراء ما يحدث من اعتقالات لعناصر مؤثرة اتضحت خيوطه فيما بعد،وأن خيانة كبيرة لبعض العناصر كمنت وراء التسريبات التي أدت لاعتقال بعض الكوادر النشيطة.
ولكل بداية نهاية،ولكل جواد كبوة،فالحركة الدائبة النشيطة،والمهمات المتنوعة،وإشكالات أخرى لم تتضح معالمها بعد،لتعدد الروايات في كيفية اعتقاله لعدم وضوح الصورة الحقيقية لما قبل الاعتقال،وخشية أطلاق الكلام على عواهنه دون توفر الدليل،نورد الرواية الأشهر عن اعتقاله كما ذكرها الكثيرون ممن هم على علاقة به،ففي نيسان 1982 كان الشهيد أبو عبيس في منطقة الكفل في دار الرفيق حسين شدهان(أبو حاتم) بناء على موعد اجتماع مسبق لأحد الهيئات،وفيما هم جالسون في صحن الدار،طرقت الباب عليهم من قبل الشرطة بحثا عن جندي هارب -كما قيل رغم أن عقلي يرى غير ذلك- والظاهر أنهم أخطئوا في الباب المطلوب،وعندما فتح صاحب الدار الباب فوجئ بمجموعة من الشرطة والبعثيين وفي مقدمتهم مفوض شاهرا مسدسه،وكان الرفاق الجالسين ينظرون فشاهدوا المفوض شاهرا السلاح فطلبوا من أبو عبيس مغادرة المنزل إلا أنه رفض الهزيمة وترك رفاقه عرضة للاعتقال فالقائد يجب أن يكون أسوة حسنة لرفاقه،فأشهر مسدسه الذي يحمله بشكل دائم تحسبا لمثل هذه المواقف،وفي هذه اللحظة أصبح الشرطة داخل صحن الدار،فشاهد المفوض أبو عبيس وبيده المسدس فأطلق عليه النار إلا أن الشهيد البطل عاجله بأطلاقة أردته قتيلا وأصيب الشهيد بأطلاقة غادرة في صدره،وقد تمكن أصحابه من الهروب بعد أن أمن لهم طريق الانسحاب بتصديه للمهاجمين وأشغالهم عن متابعته،ثم تحامل على نفسه رغم الألم وشدة النزف،وتسلل إلى خارج الدار زاحفا لمسافة طويلة في أحراش الحنطة ،ولكثرة ما نزف من دماء لم يتمكن من مواصلة التقدم بالسرعة العادية،وقام الشرطة بالاتصال بقيادتهم لإرسال تعزيزات لمتابعة الهاربين ،فطوقت المنطقة من جميع الجهات وكان عتاده قد نفذ عند تصديه للمهاجمين فالقي القبض عليه ونقل إلى مستشفى الحلة بصورة فورية لمعالجته بعد أن وصلتهم التعليمات الصدامية بضرورة إنقاذه مهما كان الثمن بغية الحصول على معلومات تعينهم في القبض على القيادات الحزبية وعناصر التنظيم وقد طلب من الدكتور الذي يعالجه عدم الاهتمام بإنقاذه لأن السلطة لابد لها من إعدامه(وأنه يريد أن يبقى شريفا) وقد أستشهد بين أيدي القتلة وزناة الليل والجلادين من جلاوزة السلطة يوم 82 نيسان في عيد مولد الفأر المدحور صدام حسين،وكان صدام المجرم قد دعا رئيس جمهورية بلغاريا لزيارة مدينة الحلة وألقى مع ضيفه كلمات بهذه المناسبة نكاية بالشيوعيين العراقيين الذين يقتلون من قبل النظام الصدامي بالتزامن مع زيارة الأشقاء الشيوعيين الأممين الأوفياء.
وبذلك انطوت صفحة لامعة من صفحات النضال البطولي لشهيد الحزب الشيوعي والحركة العمالية،في عيد ميلاد أبن العوجة،ولكن فات هؤلاء الموتورين أن الزبد يذهب جفاء ويبقى ما ينفع الناس،فهاهي الرايات الشيوعية التي أستشهد تحت لوائها الألوف ترفرف خفاقة في سماء العراق،وهاهم البعثيون الأنجاس مشردين في بقاع الأرض يبحثون عن جحر يؤويهم لجرائمهم البشعة بحق الإنسانية،وما جنتهم أيديهم القذرة بحق أبناء الرافدين،الخزي والعار للقتلة السفاكين،والنصر المؤزر للشيوعيين العراقيين أحفاد فهد وسلام عادل والعبلي والحيدري وغيرهم من الميامين النجب الذين لا زالوا شموعا تضيء سماء العراق،ولا زال حزبهم العتيد يناضل لبناء وطن حر وشعب سعيد،وستشرق الشمس في سماء العراق وأن طال الزمن وبعدت المسافات،وألف تحية لشهداء العقيدة،شهداء النضال والدرب الطويل في عيدهم الكبير،فهاهم شهداء الحزب الشيوعي حمامات سلام تحلق في سماء العراق،تغرد بنشيدها الأزلي”سنمضي سنمضي إلى ما نريد ونبني عراقا جديدا سعيد .