الرئيسية » مقالات » هل عراق ما بعد 20 آذار 2003 حُر أم مُحتل ؟

هل عراق ما بعد 20 آذار 2003 حُر أم مُحتل ؟

عبارة (تحرير العراق).. هذه العبارة السحرية التي كثيراً ماترددت على مسامعنا قبل 20 آذار 2003 والتي كانت السُلّم الذي تسلقته قوى المعارضة العراقية السابقة للوصول الى السلطة والجسر الذي إستغلته الإدارة الأمريكية للعبور وإحتلال العراق..فقبل ذلك التأريخ حفلت بروباغندا الإدارة الأمريكية إضافة الى صحف وإذاعات أحزاب المعارضة العراقية بالحديث والتنظير عن الحرية للعراق والعراقيين ولم يكن قيادي أو عضو في المعارضة إلا ويذكر هذه المفردة في حديثه أما الإدارة الأمريكية فقد شرّعت حينها قانوناً خاصاً أقره مجلس شيوخها الذي يمثل أعلى سلطة للقرار فيها بتأثير من بعض أطراف المعارضة العراقية السابقة بإسم قانون تحرير العراق في سابقة لم يشهد لها تأريخ العالم مثيلاً تتعلق بإصدار دولة قانوناً يخص الوضع السياسي لدولة أخرى .


وجاء اليوم الموعود ودخلت القوات الأمريكية ومعها قوى المعارضة العراقية الى العراق وكان المنتظر وحسب إدعائات الطرفين وإستناداً الى البروباغندا التي تبنياها أن يقوما بتحرير العراق وشعبه من السلطة السابقة ثم يفسحون المجال لبناء نظام سياسي يوفر الحرية والديموقراطية للبلاد.. إلا أن ماحدث هو أن القوات الأمريكية التي إدعت في باديء الأمر بأنها جائت لتحرير العراق سرعان ما طالبت بنفسها من الأمم المتحدة إصدار قرار يقضي بإعتبارها قوات إحتلال وياليتها تحولت الى قوات إحتلال إسماً وعلى الورق فقط بل لقد تجاوزته الى الأفعال التي بدأ بعض أفرادها يقومون بها تجاه العراقيين من قتل للأرواح وإعتداء على الأعراض وغيرها من الإنتهاكات الصارخة لأبسط القيم الإنسانية والسماوية.. أما قوى وأحزاب المعارضة العراقية السابقة فلم تكن في غالبيتها بأفضل حالاً من القوات الأمريكية ففور دخولها الى العراق مدعومة بميليشياتها المدججة بالسلاح بدأت بالإستيلاء على ممتلكات الدولة العراقية ثم وفي يوم وليلة نصّب رؤسائها أنفسهم وعبر طبخة سرية مع سلطة الإحتلال قادة للعراق في مايسمى بمجلس الحكم الإنتقالي سيء الصيت تمهيداً لإحكام سيطرتها على الوضع العراقي ثم قامت بصياغة دستور يتناسب وأهوائها الحزبية الضيقة أعقبته بإنتخابات سريعة شرعنت من خلالها إحتلالها للوضع السياسي العراقي الذي أصبحت اليوم بالفعل المتحكم الأول والأساسي فيه.. وفي هذه الأثناء كانت إحدى الدول الإقليمية قد بدأت تتغلغل في داخل العراق بطرق وأساليب مختلفة وبالتنسيق مع بعض الأطراف العراقية المتحالفة معها والتي تربّت في أحضانها وذلك عبر إرسال عملائها الى داخل العراق أو عبر فتح ممثليات دبلوماسية ومكاتب وهمية لمنظامات إنسانية تعمل أجهزتها الإستخبارية من خلالها لتنفيذ أجندتها التوسعية في داخل العراق.. وهكذا وبدلاً من أن يكون العراق محرراً بات محتلاً من قبل ثلاث جهات رئيسية فهو محتل بشكل مباشر من قبل القوات الأمريكية التي بدلاً من أن تعمل على تحرير العراق كما إدعت وكما ينص القانون الذي وضعه سياسيوها بأنفسهم قامت بإحتلاله وشرعنت إحتلالها هذا بقرارات دولية عبر الأمم المتحدة بحجة تحمل مسؤولية إدارة البلاد وهو محتل بشكل غير مباشر من قبل إحدى الدول الإقليمية التي كانت تنتظر هذه الفرصة منذ مئات إن لم نقل آلاف السنين للإنقضاض على العراق وإبتلاعه وقد عملت منذ عقود مع بعض الأطراف العراقية لتحقيق هذا الهدف وهو محتل بشكل مباشر وغير مباشر من قبل قوى ظلامية إتخذت شكل أحزاب سياسية وهن كثر لكنهن جميعاً وجوه مختلفة لعملة قبيحة واحدة أسمها الجهل والتخلف كان بعضها موجوداً قبل 2003 فيما ظهر البعض الآخر بعد هذا التأريخ والتي باتت اليوم صاحبة القرار الأول في العراق بل وشرعنت وجودها عبر إنتخابات مشوهة ودستور هزيل وقد حصلت الكثير منها بالفعل على موطيء قدم قوي في العملية السياسية العراقية الحالية عبر التواجد في البرلمان ودوائر الدولة ومؤسساتها الأمنية


إن حرية الدول تعني إمتلاكها لحق السيادة على نفسها ولحق إتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بها وبمواطنيها وهي كلها اليوم حقوق لاتمتلكها الدولة العراقية الحالية وحكوماتها التي إرتهن مصيرها بعد الغزو الأمريكي للعراق في 20 نيسان 2003 بذلك الطرف الإقليمي أو بتلك المؤسسة الدينية أو بهذه الدولة الكبرى وباتت تتحكم فيه مجموعة أحزاب فئوية وميليشيات طائفية ومنظمات إستخبارية وعصابات إرهابية.. أما حرية الأفراد فتعني إمتلاكهم لحق تقرير مصيرهم ولحرية الفكر والرأي والقول والعقيدة وحرية التنقل والمأكل والملبس والمسكن والتي باتت أغلبها إن لم نقل جميعها اليوم معدومة وشبه محرّمة على الكثير من العراقيين.. فالحرية تعني أن يكون الإنسان حُر نفسه وسيد إرادته ومصيره لا أن يكون تابعاً وإمّعة لطبقة من رجال الدين ومُصادَر الإرادة والمصير من قبل حفنة من أدعياء السياسة كما يحدث اليوم وتحتاج الحرية حتى ولو كانت في أكثر دول العالم تحرراً وأعظمها رقياً وتمدناً وتحضراً الى قانون يوضح ملامحها ويحدد أطرها وينظم كيفية إستخدامها والإنتفاع بها من قبل مواطني هذه الدولة وبما إن عراق اليوم هو دولة اللاقانون بإمتياز حسب تقارير أغلب المنظمات والمؤسسات الدولية فإن مايسميها البعض فيه بالحرية هي عبارة عن فوضى سائبة وغير مسيطر عليها وهي ليست خلاقة كما يسميها بعض الساسة الأمريكان بل هدامة كما تبين مما خلفته من آثار منذ 2003 وحتى الآن .    


أي عراق حر هذا الذي لايمتلك السيادة على شبر واحد من أراضيه وأجوائه وحدوده وثرواته التي باتت اليوم سلعة للتفاوض بين الدولة الإقليمية (الجارة!) إيران والدولة الكبرى (المحررة!) أمريكا بمباركة من الحكومة العراقية التي تقف موقف المتفرج على هذه المفاوضات التي تجري على أراضيها وإذا كان وجود أمريكا مفهوماً في هذه المفاوضات كوننا جميعاً نعلم بأنها كانت محتلة رسمياً للعراق وتمتلك اليوم حق الوصاية عليه حسب البند السابع من ميثاق مجلس الأمن وتعترف أن لها مصالح تحرص عليها فيه فإن من غير المفهوم وجود إيران فيها وهي نفسها مايزال بينها وبين العراق ملفات عديدة عالقة تحتاج الى التفاوض حولها تتعلق بالديون والأسرى وترسيم الحدود وإتفاقية الجزائر ومايسمى بالحقول النفطية المشتركة إلا إذا كان وجودها في هذه المفاوضات هو مايشبه التنويه والتلويح لأمريكا ولغير أمريكا بإحتلالها الغير المباشر للعراق وبالتالي إمتلاكها لأوراق ومفاتيح أجبرت أمريكا للجلوس والتفاوض معها حولها.. وأي عراق حر هذا وشبابه يمنعون من حلق شعورهم ولحاهم ومن إرتداء البنطلون القصير أو بنطلون الجينز والرقص وسماع الأغاني وإن فعلوا فالموت وبأبشع الطرق والأساليب بإنتظارهم من قبل خفافيش الظلام التي تطاردهم في كل مكان من الشارع الى الجامعة الى العمل ؟.. وأي عراق حر هذا ونسائه يُمنَعن من السفور وإرتداء التنورة والبنطلون ومن الذهاب الى صالونات الحلاقة ويُجبَرن على إرتداء الحجاب وإن لم يفعلن فخفافيش الظلام بإنتظارهم ومايحدث منذ فترة في مدينتي البصرة وبغداد خير مثال على ذلك بل يمكن القول بثقة بأن حرية نساء العراق لم تشهد تقييداً ومصادرةً وكبتاً منذ قرن من الزمان كالذي تشهده اليوم على يد أحزاب السلطة الحاكمة الحالية وميليشياتها الظلامية أما هراء البعض بأن النساء لهن اليوم حريات أكثر في العراق بدليل وجودهن في البرلمان فهو كذب وإفتراء لأن أغلب النساء الموجودات في البرلمان بإستثناء إثنتين أو ثلاثة (أعانهن الله) لايمثلن سوى أنفسهن وأحزابهن الظلامية وإن مثلن نسبة من نساء العراق فهي لن تتجاوز 5 %  في أحسن الأحوال ؟.. وأي حرية هذه التي في العراق وفي عام 2007 وحده تم إعتقال 1350 طفل وأكرر طفل عراقي حسب إحصائيات اليونسيف وهي منظمة إنسانية دولية لايستطيع كائن من كان التشكيك فيها ؟.. وهل الحرية تعني السماح للناس بالتسيب وبأن يكونوا مهملين في أعمالهم وواجباتهم تجاه وطنهم ومجتمعهم بل وتركها والتفرغ لواجب أداء الطقوس وإقامة المناسبات الدينية لأيام وأسابيع وأشهر والتي تعتبر حسب رؤى ومعتقدات الإحتلالين الإقليمي والظلامي أهم وأولى من الواجبات تجاه الوطن ؟.. وهل الحرية تعني السماح بإقتناء السلاح لكائن من كان ؟ وهل الحرية تعني حرية قتل الغير بل والتفنن بقتله بصُور وأشكال مختلفة مرة بالرصاص ومرة بكاتم الصوت ومرة ذبحاً ومرة بالدريل ؟.. وهل الحرية تعني السماح لمن هب ودب ولمن لايمتلك أي مؤهلات علمية أو ثقافية أو إجتماعية أللهم إلا المؤهلات الدينية بالوصول الى أعلى المراتب في البلاد وفعل مايشاء فيها وإستغلال شعبها وخيراتها والتلاعب بمقدراتها ؟.. وهل الحرية تعني السماح للرعاع والظلاميين وسقط المتاع بالتحكم بمصير البلاد وتركهم ينشرون الرعب والخوف والجهل والتخلف بين أبنائها وفي كافة ربوعها فيما أحرار هذه البلاد ونخبها ومثقفيها وأكاديمييها يُهجّرون ويُقتلون يومياً بالعشرات وترمى جثثهم في الشوارع ؟


هل هذه حريتكم التي كنتم بها تتحدثون إذاً فباساً لمثل هذه الحرية والعراق والعراقيين في غنى عنها وعن من جاء بها.. إن للحرية معنى أسمى بعيد عنكم وعن أذهانكم وعن فكركم الظلامي.. بل إن أولى خطوات الحرية الحقيقية في العراق هي خروجكم منه وتخلص شعبه منكم ومن أحزابكم وميليشياتكم الظلامية.. فحينها فقط ستشرق شمس الحرية على العراق.. وهنا لا أدري كيف يهدأ بال بعض السياسيين والمثقفين ويغفوا لهم جفن وبلدهم على هذه الحال بل لا أفهم كيف تصل الجرأة ببعضهم الى حد أن يقولوا بمناسبة ومن دونها وفي كل مكان بأن( العراقيين باتوا أحراراً) في حين أنهم محرومون اليوم ليس فقط من العيش الكريم والخدمات الأساسية من سكن وكهرباء ووقود وماء بل وحتى من التنفس.. كما لا أفهم كيف يجرؤ بعضهم على القول بأن (العراق حر أو تحرّر) في حين تخيّم على أرضه وتجثم على صدره عشرات الإحتلالات أبرزها وأكثرها خطراً ثلاثة إحتلالات باتت واضحة وضوح الشمس.. إحتلال أمريكي وإحتلال إقليمي وإحتلال ظلامي.. والأخيرَين بنظري ونظر الكثير من العراقيين هما الأكثر خطراً على العراق فالإحتلال الأمريكي سينتهي إن لم يكن اليوم فغداً لأنه ملزم بقوانين دولية وستعود القوات الأمريكية من حيث جائت إن عاجلاً أو آجلاً وحتى في أسوء الأحوال أي في حال بقائها في قواعد عسكرية ثابتة على المدى البعيد فإن تأثيرها سيكون ملحوظاً مقارنة بالإحتلالين الآخرين اللذَين يعشعشان اليوم في داخل العراق وينهشان جسده وروحه أي كيانه ومجتمعه يوماً بعد آخر ومن الصعوبة بمكان التخلص منهما لموقع أحدهما الأبدي القريب من العراق ولتغلغل الآخر ضمن التركيبة الفكرية والدينية للمجتمع العراقي وهنا مكمن الخطر الذي يجب الإنتباه إليه وماخفي كان أعظم .