الرئيسية » مقالات » العراق: بين الإحتلال والتحرير..!

العراق: بين الإحتلال والتحرير..!

لا غرابة في أن يُثار الجدلُ بين العراقيين، وعلى مدار السنوات الخمس المنصرمة ، حول توصيفهم لطبيعة الحالة التي مر بها العراق خلال هذه الفترة والتي لا زال يعيش تداعيتها حتى اللحظة. وبالتحديد؛ الجدل المثار حول توصيف الحدث الذي داهم العراق في العشرين من آذار عام/ 2003، والمقصود به الإجتياح العسكري للعراق (غزو العراق)، فيما إذا كان (إحتلالاً أم تحريرا)، والذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وعدد من الدول الأخرى، والمعروفة اليوم بقوات متعددة الجنسيات، وكل ما يتعلق بدوافعه وما ترتب عليه من نتائج ..!

الغرابة بحق؛ هو أن لا يُثار مثل هذا الجدل؛ وهو جدل حاد بين العراقيين حول الأمر، لما إكتسبه ذلك الحدث من أهمية تأريخية على كافة الأصعدة ؛ الدولية والإقليمية والوطنية، وما إستتبعه من كوارث هزت كيان الشعب العراقي برمته، وخلفت من النتائج والآثار المدمرة ما يعجز الوصف عنها..!

في العشرين من آذار /2003 دخلت القوات الأمريكية والبريطانية مخترقة الحدود الجنوبية (لدولة العراق) (العضو) في هيئة الأمم المتحدة، و(العضو) المؤسس للجامعة العربية، وإستباحت طائراتها الحربية أجواء (دولة العراق)، وإنقضت صواريخها الإنفجارية المدمرة على معالم بغداد..!؟

جرى كل ذلك دون ترخيص من أحد، أو قرار من شرعية دولية، وبدى الأمر مثل كابوس لم يصدقه أحد ولم يُسر به أحد، إلا من رحم ربي .. وإذا بلعبة غزو الكويت تتكرر من جديد ولكنها هذه المرة بالمقلوب؛ فمن إكتووا بنار الغزو العراقي للكويت، باركوا الغزو الأمريكي بكل رحابةِ صدر، بل وقدموا له كل مايمكنهم تقديمه من دعم لوجستي وصمت مطبق، أما دول جوار العراق فقد كانت أكثر إستئناساً لما حدث، رغم أن بعضها (اليوم) وبتطرفٍ ظاهر، تستنكر وجود الإحتلال، ولكنها في عين الوقت، تعمل كلَ شيءٍ من أجل لقائه..!؟

فهل جدير بالعراقيين إذن، أن يتجادلوا بأمر الغزو، وأن يختلفوا حول أسبابه ومبرراته وتداعياته ونتائجه، أم أن يلوذوا بالصمت، كما يُطلبَ منهم، على أقل تقدير، إنْ لم ينجروا لمباركته وتقديسه طبقاً لرغبات البعض، وإنصياعاً لتأويلاتهم..؟؟ وهل على العراقيين أن يُلزِموا أنفسَهم بتقديم “فدية” لأربعة آلاف جندي أمريكي فقدوا حياتهم في العراق خلال السنوات الخمس الماضية، وأن يغفلوا أن ضحاياهم ، قد جاوزت مئات الإلوف من المدنيين الأبرياء..؟؟!

في الذكرى الثالثة للغزو الأمريكي، كنت قد كتبت مقالة مختصرة حول جدل العراقيين بشأن الإحتلال الأمريكي، ومواقفهم المتعارضة منه، إن كان إحتلالاً أم تحريرا، فكانت الصورة أكثر وضوحاً من الحاجة الى التحليل، فالعراقيون منقسمون بهذا الشأن، وعلى صعيد قواهم السياسية في العملية السياسية، فالأمر كان يشوبه بعض التردد، أما اليوم وبعد خمس سنوات، أصبح الإستقطابُ في المواقف السياسية لهذه القوى، أكثر تميزاً، وكل جهة تعلن عن موقفها من الإحتلال بصراحة ودون تردد..!(*)

فمن يقف الى جانب تبريره ويضفي عليه شرعية الوجود، يجد في ما كان عليه العراق خلال فترة النظام الدكتاتوري السابق من إستبداد ومظالم لا حدود لها، الأرضية المناسبة لهذا التبرير، وذلك من خلال المقارنة بين العهدين في جوانبها “الإيجابية”، والتي تبدو في فترة السنوات الخمس الماضية بعد الإحتلال، من العلامات “المميزة” ومن “النجاحات” قياساً بما كان عليه الأمر في العهد الديكتاتوري، وإن كان ذلك القياس شكليا؛ وفي مقدمة القائلين بذلك، تقف بعض مكونات السلطة السياسية في المقدمة وعدد غيرُ قليلٍ من الكتاب، ولا يتعلق الأمر هنا بإقرار أو عدم إقرار “العملية السياسية” التي أعقبت الإحتلال..!(**)

وقد يكون لهذه المقارنة ما يبررها إذا ما أُخِذَ الأمرُ طبقاً لهذا الأساس، وفي حدوده الشكلية، وإذا ما أغفلنا الكثير من التداعيات التي رافقت الإحتلال وحالة الإحتلال نفسه كظاهرة غريبة في ظل الأعراف الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وجردناه من المحرمات والمباديء القانونية التي تحكم العلاقة بين الدول في الإطار الشرعي الدولي..!؟

وعلى أية حال، فالأمرُ لا يُعبِرُ إلا عن جانبٍ واحدٍ من المسألة، وهو الجانب البراغماتي، الذي لا يأخذ بالإعتبار، إلا ما يحقق المصلحة الخاصة من وراء ذلك، أو كما يعبر عنه البعض من الكتاب ب” تطابق المصالح”، ولا يهم بعد ذلك الجوانب الأخلاقية ذات الإعتبار، والأهداف والغايات التي يتوخاها الطرف الثاني من وراء هذه المعادلة البرغاماتية، حتى وإن تعارضت في النهاية مع مصالح الطرف الآخر الموافق..!

ومن خلال هذا التصور أو التأويل، طُرح في الساحة السياسية، بعد العشرين من آذار /2003 ، ما يُدعى اليوم ب ” الإحتلال التحرري” ، تمييزاً له عن ما جرى التعارف عليه في الأدب السياسي ب (الإحتلال الإستعماري) أو (الإحتلال الإستيطاني)، ولكي تُضفى على هذا النوع الجديد من “الإحتلال ” صورةُُُ ُ من التقدمية والإيجابية، بات القائلين به يحاولون ربطه بعلاقة سببية مع شيوع العولمة في العالم، من جهة ، ومع حتمية الحاجة الى “الديمقراطية” كضرورةٍ ملحةٍ لإنتشار عملية “العولمة” على النطاق العالمي، وفتح الطريق أمامها، حتى لو إقتضى الأمر فرض هذه “الديمقراطية” بوسائل مفرطة من القوة ومنها إعلان الحرب على تلك الدول التي تعتبر من وجهة نظر “العولمة” عوائق تمنع من ذلك الإنتشار من جهة أخرى. وليس الحرب على الإرهاب غير أحدى صور ذلك، غير آبهين بالواقع الإجتماعي لشعوب تلك البلدان..!؟

لا يخامرني الشك بأنه، كان هنالك الكثير من مصالح الشعب العراقي، وقياساً لما تقدم، قد إرتبطت، بهذا الشكل أو ذاك، مع عملية “الإحتلال” شكلاً، وفي حدود كونها عملية إجهاضية للنظام الدكتاتوري وإنهاء وجوده، ولكنها لم ترتبط جذرياً، في محتواها وأهدافها وغاياتها، مع مصالح “الإحتلال” وغاياته، كما ولم يكن في حساباتها أن “الإحتلال” الذي فَرَضَ وجودَه بالقوة العسكرية المدمرة، وبدون إذن مسبق من الشعب العراقي، إذا ما إستثنينا البعض من قادة القوى السياسية في المعارضة الذين إجتهدوا يومذاك، سوف يلبي كل رغباتها في التحرر والإستقلال وبناء دولةٍ حرةٍ مدنيةٍ ديمقراطية، ولعل في تجربة السنوات الخمس ما فيه الكفاية للتدليل على ذلك..!؟

فالكرة قد إُسقِطَتْ في ملعب العراقيين، وهم بقدر ما قدموه من تضحيات فاقت التصورات ، نتيجة لتداعيات حالة الإحتلال، نراهم اليوم يُدفَعون بشتى الوسائلِ والتطمينات، وتحت مختلف الضغوط والتبريرات والتأويلات، للإعلان عن حاجتهم بل وحتى “رغبتهم” في الحماية الأمريكية، والى إبداء “إستعدادهم” لإبرام إتفاقية مشتركة طويلة الأمد معها على كافة الأصعدة؛ أمنياً وإقتصادياً وثقافياً، رغم أن سيادة العراق لم تستكمل مقوماتها بعد..!!؟؟

ومن هنا يصبح من البدهي القول؛ بأن ما يُدعى “بتطابق المصالح” حتى وإن تطابقت في بعض غاياتِها شكلياً وفي نقاطٍ محددة، وإختلفت في مقاصدها وإغراضها ونواياها النهائية؛ لا يمكنه أن يكون مبرراً لتمرير حالة “الإحتلال” وإعتبارها حالةً مشروعةً يمكن الإقدام عليها حيثما وأنى نشاء. كما ومن غير المنطقي والمشروع، أن تَمنحَ دولة ما لنفسها حقَ غزوِ وإحتلالِ دولةٍ أخرى عضوٍ في الأمم المتحدة، تحت أية ذرائع تنسبها لتبرير العدوان، خارج إطار الشرعية الدولية وبموافقتها، حتى إذا ما وَجَدَ الإقدامُ على عملية الإحتلال، هوىً في نفوس بعضٍ من أبناء تلك الدولة لكونه يحقق لهم مصالحَ أو غاياتٍ محددة كانوا قد عجزوا عن تحقيقها بالوسائل المعتادة..!؟

وإن توافقت المصالح هنا مع حالة الإحتلال، ولا أقول تطابقت، فإنها من وجهة نظر القائلين بها إنما تعني حالة “التحرير” التي دأبوا على توصيف الإحتلال بها مؤخراً، رغم التعارض والتعاكس في المفهومين، والتباين بين الوصف والموصوف، وبالنتيجة يفقد المصطلح الجديد “الإحتلال التحريري”، أي معنى علمي أو موضوعي، مهما يُضفي عليه المرءُ ما شاء من التفسيرات، إلا إذا إفترضنا؛ أن “الإحتلالَ التحريري” في معناه المجازي، يُقصَدُ به (نار النبي إبراهيم)، التي أصبحت برداً وسلاماً عليه بأمره تعالى..!!

وكي لا أسهبُ في تفاصيل ما هي عليه الحالة العراقية اليوم، وإرتباطاً بنفس الموضوع أعلاه، أدعو القاريء الكريم الى مراجعة مقالتنا الموسومة ( العملية السياسية و”العراق الجديد” ) كمساهمة في كيفية الخروج من حالة الوهن القائمة في الوضع العراقي اليوم والتي هي من إفرازات عملية “تحرير الإحتلال” إذا ما أسعفنا القول..!!(***)


_______________________________________

(*) http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=60097

(**) http://www.yanabeealiraq.com/news_folder/n19030858.htm

(***)http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=128089