الرئيسية » مقالات » في الذكرى الخامسة….

في الذكرى الخامسة….

من الطبيعي أن أجوبتنا بعد 5 سنوات على غزو العراق أصبحت اليوم أكثر “نضوجا” إلى حد ما , لقد علمتنا هذه السنين الخمسة الكثير..الأسئلة كثيرة تتعلق بالوطن , بتعريفنا للخارج و للداخل , بمعنى الحرية و تعريفها و حقيقة ممارستها..كانت حجة من دعم الغزو يومها واضحة و بسيطة : إن أنظمة كنظام صدام منيعة على التغيير من الداخل , و أن التغيير بيد الخارج ضروري لإنهاء حالة الاستبداد التي وصلت إلى سلطة عائلية مطلقة التصرف في ظل غياب كامل للناس و معها النخب من ساحة السياسة..طبعا كان هناك من رد أن القبول بالطغيان المحلي هو في المقابل المضمون الوحيد للوطنية..هناك حقائق ضرورية أضافتها السنوات الخمسة المنصرمة على هذه المناقشة البسيطة و الساذجة..أولا كان سقوط بغداد بعد أسبوعين صدمة للكثيرين , كان من الواضح أن قوة نظام صدام قد تراجعت بعد سنوات من الحصار لكن كان الانهيار السريع علامة على الضعف البنيوي في حالة مثل هذه الأنظمة الفردية الاستبدادية التي تقوم على طغم عسكرية بيروقراطية أمنية , كان هذا إلى حد ما تكرارا لكارثة النكسة 1967..ثم جاءت تفاصيل ما سمي بالعملية السياسية التي تحولت إلى عملية مقايضة لتأسيس محاصصة بين القيادات الطائفية و أقسام المؤسسات الدينية و معها الصراعات الطائفية الدموية , و القسط التي تساهم به في هذا أيضا ما تسمى بالمقاومة التي مارست هي أيضا قتلا طائفيا , و القمع و القتل المنفلت و خصخصة الأمن و العمليات العسكرية ضد الناس العاديين الذي قامت به القوات الأمريكية و البريطانية , كان هذا إدانة صريحة للجميع , لمجمل النخب الطائفية و للمشروع الأمريكي و لهذا النوع من المقاومة الطائفية أو الهمجية في أساليبها و أهدافها و خطابها..هذه النتيجة المأساوية ليست نتيجة خطأ تكتيكي أو في الأساليب المستخدمة أمريكيا و لا في البنية الاجتماعية العراقية أو في بنية الوعي العراقي و من ورائها العربي أو المسلم , إنه نتيجة طبيعية لصراعات قوى تتناهش شرقنا و نتيجة طبيعية لطبيعة هذه القوى و درجة احترامها أو اقتناعها الفعلي بالإنسان , إنه نتيجة طبيعية لغياب المخرج الحقيقي الديمقراطي إن شئتم لهذه الأزمات التي تتفاقم على طريق حسم هذه الصراعات..إن مقاومة تتشكل من مؤسسات دينية متحالفة مع بقايا قوى النظام السابق الأمنية المسؤولة عن تعذيب و تصفية أي معارضة ( كأي مؤسسة أمنية سلطوية على امتداد كامل شرقنا ) لن تنتج سوى هذا الشكل الهمجي الدموي من “المقاومة” , و حكم يتألف من تحالفات متحركة تناحرية الطابع بين أقسام المؤسسات الدينية الطائفية لن تنتج إلا واقعا سياسيا فارغا من أي مضمون أبعد من محاصصة موارد البلد و مؤسسات الدولة في حالة أشبه بتوزيع الغنائم بين المؤسسات الطائفية الدينية و النخب المرتبطة معها و حروبا تقوم على إلغاء الآخر , و طغمة تمثل مصالح أقلية محدودة جدا من أساطين المال و النفط و الجنرالات الأمريكيين لن تنتج سوى هذا التكالب على الذهب و النفط و لو على حساب الدم البشري..ليس في الواقع رغم كل قسوته و تطرفه أي جديد..مات الملايين في العالم , خاصة في أوروبا , في حربين عالميتين جرتا أساسا لإعادة اقتسام العالم بين الطغم الحاكمة في تلك الدول , خاصة المستعمرات أي النفط و غيره من الثروات , و من قبل مات الملايين في حروب وحشية مستمرة لاقتسام الثروة و السلطة , أي باختصار شديد لإعادة تشكيل معادلات العبودية و الاستغلال , و من المؤكد أن هذا سيستمر ما دام الإنسان يدور حول نفسه مستسلما لقوى إلغائه لقوى الطغيان لقوى استلابه عن عالمه , من المؤكد أن المخرج الحقيقي لهذا الوضع المأساوي لا يتمثل في الاحتمال الوحيد أن تتمخض هذه الصراعات عن ديكتاتورية جديدة تحسم الأمور لصالحها , إنه في أن يقوم الناس العاديون بامتلاك زمام حياتهم بأيديهم , أن يؤسسوا , في مواجهة مؤسسات القوى القائمة أساس سطوتها على المجتمع و على الناس العاديين و مصائرهم , مؤسساتهم الديمقراطية الخاصة , أن يطيحوا بكل القوى التي لا تستطيع أن تحيا و لو للحظة من دون استخدام القمع و القتل و من دون استغلال عمل الناس العاديين و من دون أن تضرب بعرض الحائط بكل حقوق هؤلاء الناس في سبيل مصالحها و خطاباتها , هذا هو باختصار درس السنوات الخمس الماضية من عذابات العراقيين…….