الرئيسية » مقالات » أحقاً – رؤية عراقية – ؟؟؟ (3)

أحقاً – رؤية عراقية – ؟؟؟ (3)

6- نحن نزعم أن الأمر لا يعالج بهذه الطريقة ولا بالإعتماد على القرارات الدولية، فالحق الدولي مهما كان حجمه وطبيعته لن يأخذ طريقه من دون قرار وطني بالدرجة الأساسية، والقرار الوطني هذا ليس قرار فئة أو طرف على حساب رأي أو قرار فئة أخرى أو طرف أخر، فقضايا من هذا الطراز تحتاج إلى إرادة عامة من دونها تكون قاعدة القرار الإجتماعية ضيقة إلى درجة يفقد معها شرعيته وإمكانية تطبيقه وإستمرار الإلتزام به، لذلك الأفضل هو الوصول للقرار الوطني، وهذا ممكن بعد أن تنتفض الأطراف العراقية على نفسها وتتلمس مواقع أقدامها وتمارس الفضيلة من خلال إعترافها بأخطائها، وكي لا يذهب خيال البعض إلى ما هو غير محمود، فإن الخطأ المقصود لا علاقة له بالنتيجة العرضية التي سببها دخول القوات الأجنبية، وهي هزيمة النظام الدكتاتوري، إنما الخطأ في طريقة التعامل مع أثار هذه النتيجة، أي كيفية التخلص من مخلفات الدكتاتورية ومن دور ووجود القوات الأجنبية المحتلة، والتي دخلت البلاد من دون سند من هيئة الأمم .
نعم، إن العلاج الفعلي يكمن لقضيتنا الوطنية في وجود وطبيعة القرار الوطني، القرار الذي يجمع الطاقات ويقوم على بديهات الحياة، وليس بالقرارالدولي الذي لا يأخذ بنظر الإعتبار إرادة ومصالح شعبنا العراقي، كما حصل بعد جريمة إجتياح دولة الكويت من قبل النظام السابق، إلى درجة عدم التمييز بين موقف النظام وموقف أبناء شعبنا، حيث كانت أثار قرارالحظر الإقتنصادي 661 / 1990 وقرار 687 / 1990 الذي أَذن بإستخدام القوة العسكرية، ونفذتها القيادة الأمريكية بصيغة عاصفة الصحراء، تشير إلى الإيذاء الجسيم من الناحية الإجتماعية والأقتصادية والثقافية والعلمية والنفسية، ومن لم يْصدق وقتذاك، نزعم بإن الآن لا غبار على الدليل، فهو فنار نراه ليل نهار.
إن الإحتلال هو مفهوم واحد لا يحتمل أكثر من تفسير، وكدليل على الصيغة التوافيقة في القرارات الدولية وأثر المصالح الحيوية للولايات المتحدة الإمريكية، فأن إحتلال العراق كجريمة جرى التعامل معه بالطريقة المعروفة، فحين الإحتلال الأمريكي للعراق لم يجري التعامل معه كجريمة أصلاً، ليس لأنه غير ذلك، إنما الفيتو الأمريكي هو المانع لصدور أي قرار لا يتوافق مع مصالحها، ومع كل ذلك كان القرار 1483/ 2003 فيه إقرار سليم للفعل الذي قامت به القوات الأجنبية في العراق.
لذلك نجزم بأن الحل الوطني هو الحل الغائب، وهو المطلوب وممكن الوصول إليه عبر إدراك القوى السياسية لمسؤولياتها الوطنية وفي مقدمتها، العمل على أساس وحدة مصير العراقيين، وحق العيش المشترك بكرامة، فمن دون هذا الإدراك يبقى العراق وأبنائه في عاصف الرياح السياسية وتنازع المصالح الأجنبية وإحتراب الأحزاب والحركات العراقية، وجشع وبعض المسؤولين وجهل البعض الأخر وأبعاد البعض الكثير من الكفاءات عن مختلف مجالات العمل، وجراء ذلك يفقد أهميته وفاعليته حتى ذلك القرار الدولي الذي قد ينسجم مع مصالح شعبنا.
فمن غير الممكن، وبهذه البساطة إعتبار وجود القوات الأجنبية في العراق هو في ضؤ إتفاق، أي إتفاق هذا ؟؟؟ هل هو سابق لوجود القوات أم هو إذعان لذلك الوجود ؟؟؟ وإن أخذنا بهذا الرأي، ونعتبر وجود القوات الأجنبية في العراق ناتج عن إتفاق، فماذا يتغيير من واقع ممارسة هذه القوات ومصدر قراراتها وطبيعة دورها الفعلي وحجمها على الأرض ؟؟؟
بالتأكيد لن يتغيير شيء، لسبب بسيط جداً علينا أن ندركه، وهو يتعلق بالقرار الأمريكي، فالولايات المتحدة الأمريكية لن نضع جندي واحد تحت أمرة أي دولة أو مسؤول عسكري أمريكي، ولن تسمح بمحاسبة أو محاكمة أي جندي أمريكي من قبل أية جهة غير أمريكية على الأقل لحد الآن، وسيستمر الحال حتى يتغيير ميزان القوى على الصعيد الدولي، وتذعن الولايات المتحدة الأمريكية للمجتمع الدولي وهيئاته الشرعية، وهناك أدلة كثيرة على ذلك، من رفض التوقيع على إتفاقية الروما الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية إلى محاكمة المسؤولين عن الجرائم التي وقعت في العراق والتي لا يمكن تغطيتها، وما حصل من مواقف وتصرفات في العقود السابقة.
وفي ضوء ما تقدم، يبدو المطلوب تغيير موقفنا من هذه القوات وليس تغيير دور هذه القوات في حياة البلاد، علماً بأن اسئلة كثبر تدور في ذهن بنات وابناء العراق، بحاجة إلى جهد كل المخلصين للإجابة بالحجة والدليل، وليس بالوصف والتحليل من دون تعليل، وبالإنابة من دون توكيل وبشكل بعيداً عن ما هو ملموس واقعاً أو نحن نعيش.
إضافة إلى ذلك، فإن كان هذا الوجود حسب زعم الأستاذ محمد عبد الجبار ناتج إتفاق عبر آليات دستورية، فهل فيه تحديد لعدد هذه القوات وحركتها وطبيعة أعمالها أم إن الإتفاق فقط على الوجود المجرد ؟؟؟ ولا علاقة للمواطنين بتفاصيل الإتفاق . وهناك العشرات من التساؤلات تثار حول عبارة أو فكرة ” أحال ” مجلس الأمن، منها سؤال جوهري يتعلق بالموقف من القرارات الدولية، حيث نجد إن فقه القانون بشكل عام والقانون الدولي بشكل خاص، لم يزل بدون رأي حاسم في هذا الجانب، فعند ما ندرك أن القرارات الدولية تصدر بتوافق أغلبية 9 من أعضاء مجلس الأمن الدولي من ضمنهم الأعضاء الـ 5 الدائميين، وإن هذا التوافق ممكن أن يحصل بعدة دوافع، في مقدمتها وجود مصلحة معينة لهذه الدولة أو تلك أو مصالح مشتركة، أو مقايضة موقف بموقف، وبالتالي ممكن أن يكون القرار الدولي خاطئ أو يتناقض مع مقاصد هيئة الأمم المتحدة ومبادئها الأساسية، أو يتجاوز الحدود المرسومة والآليات التي تستلزم التنفيذ في بعض الأحيان، وهذا حصل في تنفيذ قرار 687 / 1990 الذي تجسد في عاصفة الصحراء مثلاً، أو القرار 661 / 1990 الخاص بفرض الحظر الإقتصادي، وإستمرار هذا الحظر حتى بعد خروج القوات العراقية من دولة الكويت، علماً إن الحقوق الدولية المجسدة في مبادئ أو قواعد القانون الدولي المعاصر والأعراف الدولية أيضاً، بما في ذلك الحقوق المكتسبة من ااقرارات الدولية، لن تجد لها مجالاً للتطبيق الفعلي إذا لم يكن هناك قبول وطني يقوم على وحدة العمل والقناعة المشتركة في تحديد كيفية التعامل مع تلك المبادئ والقواعد والأعراف والقرارات، فالأساس يكمن في الإرادة الوطنية العامة وليس بأي إرادة أخرى مهما كانت نبيلة، فالإرادة الوطنية في كل الأحوال تتحمل مسؤولية القبول والرفض والتنفيذ والدفاع عن الموقف مهما كانت نتائجه، فهي التي تربح وأو تخسر في نهاية المطاف.
لذلك سؤالنا يقول، هل يتم قبول القرار الدولي الصادر من مجلس الأمن كما هو أم لا بد من معرفة حيثيات القرار ومصلحة الدولة ذاتها ؟؟؟ إن الحياة تجيب بضرورة معرفة حيثيات القرار ومصلحة الدولة المعنية، طبعاً، وإلا لا معنى لسيادة الدولة ولا لقرارها الوطني، لذلك لا يتم قبول قرارات مجلس كما هي، والأدلة متوفرة منذ نشأة هيئة الأمم حتى يومنا هذا، كما يعلم الكثيرين بأن العشرات من القرارات الدولية لم تنفذ لمختلف الأسباب تتعلق بقضايا عربية وغير عربية، في مرحلة الحرب الباردة أو في هذه المرحلة التي تشهد تأكيد على رفض ما يسمى بالقطبية الأحادية، التي جرى التصدي لها فكرياً واليوم تتنامى القوى الدولية الرافضة عملياً.
وعراقياً يفترض التوقف ألف مرة بعد معاناة شعبنا جراء القرارات السابقة التي كان للغطرسة الأمريكية اليد الطولى في إصدارها وتنفيذها بعيداً عن آليات هيئة الأمم والقواعد الأخلاقية، إلى جانب بشاعة أفعال النظام الدكتاتوري في تعامله مع الجيران وإستهتاره بقواعد ومبادئ القانون الدولي، حيث شهدنا الأفعال التي لا تنسجم مع مصالح الشعوب كافة بما في ذلك مصالح شعبنا، تلك المصالح التي تقوم على أساس مبادئ العدالة والإنصاف وصيانة سيادة العراق وإستقلالية القرار السياسي ناهيك عن القرار العسكري …؟؟؟
إن وجود القوات المحتلة بإعتبارها السلطة العليا في البلاد، لذا، فهي التي وافقت على وجود مجلس الحكم ومن ثم وزارة عراقية وإصدار قانون إدارة الدولة للمرحلة الإنتقالية وبعد ذلك دستور ” دائم “، وبالإمكان مراجعة الإتفاقية التي وقعها مجلس الحكم في 15 تشرين الأول / أكتوبر 2003 مع الحاكم المدني الأمريكي للعراق السفير بول بريمر.
فليس الوزارة العراقية والآليات الدستورية هي التي أوجدت القوات الأجنبية وبالتالي نظمت عملها، وهذه عملية مشهودة وليس مسموعة، وحصلت في السنين الحاضرة وليس الغابرة، ولا نزال ندفع ثمن باهض جراء القيود المفروضة أمريكياً على عمل الأطراف العراقية، وإنجرار بعض الأطراف وراء السراب الأمريكي المغلف بقرار دولي لم ينتصر لشعبنا خلال أكثر من ثلاث عقود، ولم ينتصر خلال هذه الفترة التي تهيمن فيها الولايات المتحدة على مقدرات البلاد، سوى إن القرار أوجب مسؤولية على الولايات المتحدة وحلفائها كدولة محتلة للعراق في ضوء القانون الدولي المعاصر، وهذا وفر الحق للعراقيين كشعب وحكومة في مطالبة أو محاسبة الولايات المتحدة جراء تجاوزها على القانون الدولي إضافة إلى أثار أخطائها الجسيمة، علماً إن العراقيين على معرفة بعملية التغيير في سياسة الولايات المتحدة الذرائعية الساذجة، حيث أعلنت بأنها جاءت لنصرت العراقيين، وإذا بها تسلبهم إرادتهم وعينت حاكماً عسكرياً في أول الأمر، وفعلاً تسلم مهامه الجنرال غانر، ولكن الأوضاع لم تستجب لمثل هذا الموقف المتناقض، ومؤشرات مثل هذا الموقف ظهرت على سطح الأحداث في مؤتمر لندن بكل وضوح، ولكن ما العمل مع القوى التي سكتت على حقيقة المشروع الأمريكي الذي يتجاوز حدود إزاحة النظام السابق ؟؟؟ لا بل لم تصدق بوجود مشروع أمريكي يتجاوز هذه الحدود، ولم تستعد لمواجهة المهام الوطنية التي يفرزها العمل العسكري الأمريكي .

22 شباط / فبراير 2008
* * هذا رابط المقال والذي نشر بالأصل في جريدة الوطن ، وعدة مواقع الكطترونية ، ولغرض الفائدة نرفق نص المقال أيضاً بحروف صغيرة ممكن تكبيرها( في الجزء الأول )
http://www.factiniraq.com/modules.php?name=News&file=article&sid=1515
كما نعتذر للقراء على التأخر في نشر الموضوع الذي كتبناه بتاريخ 22 / 1 / 2008 ، لأسباب فنية( عطل الكومبيوتر) ومشاغل يومية، وسوف ننشره على شكل حلقات لأنه يتعلق بموضوعات لا تفقد اهميتها رغم مرور وقت على نشر مقال الأستاذ محمد عبد الجبار الشبوط،