الرئيسية » بيستون » صراخ من الوادي ـ الى الشهيدة ميسون حسن

صراخ من الوادي ـ الى الشهيدة ميسون حسن


(الى روح الشهيدة الشابة ميسون حسن ابنة أخت أنور مراد حامي هدف منتخب العراق الوطني لكرة القدم السابق ، وقد استشهدت بانفجار لغم تحت قدميها على الحدود العراقية الايرانية أثناء حملة التهجير الظالمة للكرد الفيليين سنة 1980 )



صراخٌ سـُمع من الوادي
بكاءٌ ونحيبٌ شديدْ
فاطمة تبكي على ابنتها
وتأبى أن تتعزى
لأنها قد رحلتْ ….*

* * * *

انفجارٌ يشقُ حجابَ الفضاءْ
صرخاتٌ تتعرى
ورعبٌ يلفُ الجميعْ
سكونٌ …………….
وصمتٌ ثقيلْ ……
وقوفٌ جليلْ
على شظايا الجثةِ الطائره …..

لغمٌ مزقَ الجسدَ النحيلْ
والوجهَ الجميلْ ….

يا الهي !
دمٌ …
فوقَ وجهي
وجوهِ الجميعْ ….

فاطمةُ
تتلفتُ خلفها …
حواليها …
أينَ التي تسير الهوينى
تطحنُ الصخرَ والشوك والطينَ في الطريقْ ؟
أينَ التي انكشف شعرها
والتفتْ عباءتها بشوكةٍ
في الطريقْ ؟

فاطمةُ تتلوى…..
تلعقُ الترابَ
تنحبُ في نشيجٍ طويلْ ………

أينَ أنتِ ،
يا منْ وجهها قمرٌ يرقصُ النورُ فيهِ
شعاعاً يشقُ العيونْ ؟
البسي العباءةَ !
إني أخافُ العيونْ!

عيونَ الكواسر التي اقتحمت بيتها
ساعة الفجرِ
نفثتْ سُـمَها ،
هيا !
إنها ساعةُ الرحيلْ …

* * * *

فاطمةُ كانتْ تصلي ،
رفعتْ يديها ورأسها صوبَ السماءِ
استجارتْ بالدعاءِ
ـ اللهمَ ارفعْ هذهِ الغمه
عن هذه الأمه !

فجأةً !
عرباتٌ …
زمجراتٌ …
في الزقاقِ
اقتحامٌ …!
سلاحٌ مشرعٌ في الوجوهْ!
وشفاهٌ كشفاهِ الذئابِ تعوي
تنفثُ القيحَ والدماءْ !!

هذه فاطمةُ تلملمُ أشياءها
ـ أسرعي …!
صرخةُ الذئبِ ….

ـ لعنةٌ ايها الغائصُ في الرذيلةِ
في الدمِ حتى النخاعْ ..!
صرخةُ أطلقها صدرها المثقلُ بالجراحْ …
رعشةٌ في القؤادِ
اضطرابٌ في العيونْ …

أسرعتْ فاطمةُ
حدقتْ في ثنايا دارها
أمرت قمرَ البيتِ:
ـ ارتدي عباءةً ، خبئي وجهكِ !
فالكواسرُ لا تعي الفرقَ بين الحلال والحرامْ.
كل شيء سواءٌ في عين الذي لا سواءَ فيهِ!

* * * *

هو الحشرُ!
بشرٌ في بقايا بشرٍ
بشرٌ في سرايا بشرٍ
بشرٌ فوق بشرٍ …..
شاحناتٌ تتلوى والطريقُ موحلٌ طويلْ.
المدى مطرٌ من رصاصٍ وغيومٌ من دخانْ …..
هو الرحيلُ !
هذه الأرضُ مغروزة في العيونْ
العيونِ التي أرختْ نبضها
العيونِ التي رسمتْ أفقها
في زوايا الفؤادْ
العيونِ التي عشقتْ نخلها
العيونِ التي شربتْ نهرها
العيون التي حملتْ إرثها
العيونِ التي أمطرتْ دمها
والحدودُ تسمعُ وقعَ أقدامها
حافياتٍ ……….
في الرحيلْ …..

فاطمةُ تبكي …..
أين التي حلمتْ أن ترى الأفقَ ورداً وعطور ؟
أين التي حلمتْ بالبدورْ
تملأ الليلَ بالضياءِ والبيتَ بالبخورْ ؟
اينَ التي سلمتْ وجهها للقمرْ؟
اين التي حملتْ همنا
كلما ضاقتْ بالحنايا الصدورْ ؟
أين التي قلبها في نقاءِ الطيورْ ؟
ها هنا الأرضُ حيث المستقرُ الأخيرْ !
أتراها المستقرُ الأخيرْ ؟!
هاهنا الحدود خلفها السورُ يومضُ قائلاً
مرحباً بالذين استجاروا …
(ليس من ثمنٍ للكلامِ المزوق الكثيرْ !)

ارفعي رأسَكِ ياابنةَ الكردِ ففي الأفقِ
من صدانا الكثيرْ !
كُتبَ الهجرُ في دفتر العاشقينَ دوماً
نحنُ عشاقها
تلكَ أرضي تدقُ ناقوسها
هلموا
الى العناقِ الأخيرِ الطويلْ !

ارفعي رأسكِ عالياً
فالعاتياتُ العاصفاتُ لنْ توقفَ زحفها
أبداً
مهما استشاطَ العتاةُ والخنيثُ الصغيرْ !

* * * *

انفجارق يدوي ……….
ورعبٌ يلفُ الجميعْ ….
صراخٌ سُمعَ من الوادي
بكاءٌ ونحيبٌ شديدْ
سكونٌ …………
وصمتٌ جليلٌ ثقيلْ ….
والقافلةٌ المنهكةُ صامتةٌ …
……………………………. تسيرْ …………


* المقطع الأول اقتباس من الانجيل:
“صراخ سُمع من الرامة: بكاء ونحيب شديد! راحيلُ تبكي على أولادها، وتأبى أن تتعزى، لأنهم قد رحلوا !” ( انجيل متى ـ الاصحاح الثاني، الآية 18 )

كتبتْ يوم الجمعة 9 نيسان 1993
ونقحت يوم الخميس 28 شباط 2008