الرئيسية » مقالات » الشهيد المناضل جبار جاسم(أبو عبيس) (1-2)

الشهيد المناضل جبار جاسم(أبو عبيس) (1-2)

حفل تاريخ الحزب الشيوعي العراقي بالكثير من الكوادر الفذة التي أسهمت بشكل كبير في النضال الوطني وعملت بتفان وإخلاص لإرساء القواعد التنظيمية والأسس السليمة لبناء حزب ماركسي لينيني تميز بالأصالة الثورية والقوة والثبات ،وكان لهؤلاء الأفذاذ ألأثر الكبير في بناء القاعدة الصلدة لحزب أوسع الجماهير،لما تميزوا به من صفات نادرة وصلابة مبدئية،ونكران ذات وبساطة متناهية وصوفية شيوعية حقيقية بعيدة عن المطامع والمنافع الشخصية والذاتية،وكان لقيادة الشهيد الخالد فهد أثرها في التقاليد الثورية التي سارت عليها أجيال من الشيوعيين الثوريين ،وكانت منهلا للكوادر الشيوعية والمدرسة التي تربوا عليها،وأخذوا من مبادئها الشيء الكثير،لذلك جعلوا من هذا القائد الملهم مثلا أعلا للتضحية والفداء ونكران الذات والمبدئية العالية البعيدة عن الصغائر وتوافه الأمور.
والفرات الأوسط بما تميز به مجتمعه من صفات نادرة لها خصوصيتها بما تمثل من وعي متطور وأرضية صلبة لنشوء تيارات رافضة لكل أنواع القهر والاستبداد والتسلط وأغنى الحركة الوطنية والشيوعية خصوصا بالكثير من الكوادر البارزة في تاريخ العراق في مختلف الأصعدة والمجالات،ولا زالت هذه الأرض المعطاء ولود في رفد العراق بالشخصيات السياسية المؤثرة في صناعة الأحداث،وشكلت علامات بارزة في تاريخ العراق والمنطقة،ولا زالت الأم الفراتية تنجب وتربي وترسل بأبنائها إلى سوح النضال الوطني وهي تقول(يا موت أطحن وأنه ألهيلك)،ولا زالت الأمثولة الفراتية ماثلة في الأذهان عندما أستشهد ولدها فجاء أخيها ليخبرها باستشهاده قائلا(جن لا هزيتي ولوليتي) أي كأنك لم تتعبي في تربيته،فأجابته بالصلابة الثورية(هزيت ولوليت الهذا)أي أني أعددته لهذا اليوم،وفي قوافل المجد والشهادة كان للفراتيين مكانهم الميز وموقعهم المثالي،وسجل الشهداء الخالدين حافل بآلاف الأسماء التي لا زال صدى نضالها يدق في عالم الذاكرة،ليرسم للآتين صور رائعة من صور التضحية والفداء،ومن هؤلاء شهيد حزبنا الشيوعي العراقي المناضل (أبو عبيس) جبار جاسم،الذي ولد في أسرة عمالية كادحة،ذاقت مرارة البؤس والعوز والحرمان،ورأى بأم عينيه عمق المعانات الأليمة لهذه الطبقة ،وما لاقت من عنت واضطهاد بسبب الممارسات الضارة للطواغيت ومصاصي الدماء المضاربين بأقوات الشعب،والمستغلين لجهود الآخرين،فتولد في نفسه حس طبقي جارف،ونمى في تفكيره منذ طفولته النزوع للتمرد على الواقع المأساوي الذي تعيشه طبقته المحرومة،فأندفع في صبا باكر للانتظام في الفصيلة الجهادي للحركة الوطنية الحزب الشيوعي العراقي،الذي ولد من رحم المعانات الحقيقية للشعب المذبوح والوطن المستباح،فكان اندفاعه الثوري وراء المشاركة الفاعلة في نشاطات الحزب ونضاله الوطني في قيادة الجماهير نحو الغد المشرق السعيد،فصار لصيقا بالحزب متفرغا للعمل في منظماته،يدفعه لذلك شعوره الطاغي بالمعانات التي لمسها في طفولته وصباه،وانحداره الطبقي الذي أهله ليكون قائدا في حزب الطبقة العاملة،فاستنارت أفكاره بالنظرية الثورية التي تولدت عنها الحركة الثورية في العراق،فقد شارك وهو في ريعان الصبا في حماية المظاهرة التي انطلقت في مدينة الحلة أبان الحملة الانتخابية لفقيد السلم والتحرر والديمقراطية علامة الحلة الكبير الشيخ عبد الكريم الماشطة عام 1954 وكان يشكل الحزام الأمني لحماية الزعيم الوطني الكبير وأمام المدينة الديني بدون منازع،وكان يرافقه في فصيل الحماية شباب الحلة الأبطال محمود أبو غريبة وبرهان وغيرهم من الشباب المغاوير،وقد اصطدموا بالشرطة التي جاءت لتفريق المظاهرة وأثخنوهم بالجراح التي لا زالت أثارها باقية فيمن بقى حيا منهم، وكانت له مشاركته الفاعلة في نشر الوعي الثوري بين الجماهير ،ومساهما نشيطا في الاحتفاليات التي يعقدها الحزب في المناسبات الوطنية والقومية رغم أنف السلطة السعيدية وجلاوزتها والمدافعين عنها ،وكانت تقام في البساتين المحيطة بالمدينة وتلقى فيها الكلمات والقصائد والأناشيد بحضور شعبي كبير،يوم كان الحزب متفردا في قيادة الجماهير في نضالها لإسقاط الحكم الملكي المهان بعد أن تخلت الأحزاب البرجوازية عن النضال الوطني وأعلنت اعتزالها العمل السياسي كما يعتزل الفنانين الفن،وهو ما كانت عليه تلك الأحزاب في العهد الملكي المقبور فما أن تشعر بوطأة السلطة وهجومها حتى تترك ساحة النضال وتعلن تخليها خشية الحبس،فيما بقي الشيوعيين العراقيين يناضلون بوحدانية في الساحة العراقية،وشارك في جميع التظاهرات التي كان الحزب دائبا على أخراجها لتحقيق الأهداف المطلبية للمواطنين ويشكل مع بعض الشباب المندفعين رأس الرمح في المواجه والاصطدام مع القوى الأمنية، وبعد ثورة تموز المجيدة،انطلقت جحافل المجد لتدك صروح الخيانة والغدر،فكانت الثورة الشعبية العارمة لحماية الثورة ومكتسباتها وتشكيل لجان صيانة الجمهورية وكان الشهيد في مقدمة العاملين والناشطين لبناء الحزب فعمل في منظماته المختلفة ومارس دوره الوطني ناشطا في المنظمات المهنية التي وجدت فرصتها بعد الثورة وتمكنت من تحقيق المكاسب الكبيرة للطبقات الشعبية وإقرار قانون العمل والأحوال الشخصية وتشريع قانون الإصلاح الزراعي، وكانت جماهيرية الحزب في تلك الفترة فوق حدود التصور،فقد أغرق الحزب بالمنتسبين الجدد الذين يحتاجون للتثقيف والمتابعة،مما دفع قيادة الحزب لترحيل المرشحين ومنحهم درجات العضوية لإمكانية أشراكهم في تنظيم الخلايا،مما أضاف أعباء جديدة على محلية بابل في إدامة الصلة مع الآلاف المنضوية حديثا،وهنا يبرز دور الفرد في العمل الجماعي،فكان الشهيد شعلة من النشاط والحيوية في متابعة التنظيمات،وتفقد الخلايا والعقد التنظيمية،وكان يعمل كالداينمو يخلط الليل بالنهار دون كلل أو ملل،فاخذ المد الشيوعي بالتعاظم حتى أكتسح الشارع العراقي،وتحول العمل الحزبي إلى خلية نحل لتشعب المهام وكثرتها،حتى تعددت مسؤوليات الكوادر الحزبية،وتوزعت ضمن قطاعات واسعة،وتزاوج في عملها بين العمل المهني والتنظيم الحزبي،وتحول الشارع العراقي إلى كتلة متراصة تقف خلف حزبها المجيد،وانزوت العناصر الرجعية العفنة في جحورها بسبب الفورة الجماهيرية الطاغية،وانصرفوا للتآمر بالتنسيق مع الأطراف المعادية للشعب العراقي من ناصريين وشاهنشاهيين وأمريكيين وغيرهم من هذه الحثالات،ومهدوا الطريق للانقلاب الناصري الأمريكي الأسود في 8 شباط 1963 .
وما أن أدارت الثورة ظهرها لجماهير الشعب وطليعتهم الحزب الشيوعي العراقي حتى بدأت فترة المطاردة والخفي والسجن والاعتقال فنال نصيبه،وبرز في تلك الفترة مناضلا ثوريا بقدراته الرائعة على العمل السري والتحرك اليقظ المدروس،وتنقل بين مدن الفرات الأوسط لتأدية واجباته الحزبية والنضالية متفرغا للعمل في صفوف حزبه،وظهرت مواهبه وقدراته على العمل في مختلف الظروف مما أهله أن يكون في مقدمة الكوادر على مستوى اللواء،وفي أواخر الستينيات أصبح عضوا في محلية بابل، أصبح بعد الجبهة سكرتيرا لها،وعضو لجنة منطقة الفرات الأوسط ،وانتخب لعضوية مكتبها.
كان يتمتع بصفات نادرة،وتميز بالبساطة المبدئية،ونكران الذات،والمتابعة الجيدة للتنظيم،والعلاقات الشفافة مع رفاقه ،ومعلما لأجيال من الشيوعيين وأعطى مثالا رائعا في الأساليب التنظيمية،وقاد محلية بابل بإبداع لأدارته الناجحة للاجتماعات،رغم كثرة عدد أعضاء المحلية،وما يتم تدارسه،فكان يشبع نقاط الاجتماع بحثا ودراسة دون أن يدع للقضايا الجانبية أن تأخذ دورها في إضاعة الوقت،وكان من الجناح الصدامي الذي يحاول الرد بقوة على التجاوزات الصادرة من قيادة البعث في زمن الجبهة،وحريص على متابعة قضايا المعتقلين،وكان في صراع وخلاف مع الرفاق الذين يقودون العمل الجبهوي،وخصوصا مع الفقيد أبو حاتم بسبب السكوت عن تجاوزات السلطة،ويطالب باتخاذ أجراآت أكثر شدة وصلابة في مواجهة البعثيين وعدم السكوت عن أي خرق لقواعد العمل الجبهوي،وكان الشهيد فاضل وتوت خير من يمثل المجموعة التي ترفض تصرفات البعثيين وتجاوزاتهم،وحصلت خلافات كثيرة بين فاضل وتوت وأبو حاتم الذي كان على شيء من التساهل في تعامله مع البعث،لما يتسم به من دبلوماسية قد تبعده عن الصلابة المبدئية التي يتطلبها العمل الجبهوي،لذلك كان الشهيد فاضل وتوت من أوائل المعتقلين بعد الهجمة الشرسة للفاشست البعثيين وأعطى درسا رائعا عن كيفية الصمود الشيوعي بوجه الأذلة والموتورين.
وبسبب حديته في التعامل مع الحزب الحليف،كان على خلاف مع لجنة المنطقة،وفي صراع دائم معها،مما دفعها لمفاتحة لجنة التنظيم المركزي باستبداله بالرفيق (أبو حاتم) لسكرتارية محلية بابل بسبب الخلافات الناشبة بينهم،ولكن(لتم) رفضت ذلك لمعرفتها بحقيقته وإخلاصه وقيادته الناجحة،ومبدئيته العالية،مما عزز موقعه في قيادة التنظيم وانتخابه لعضوية مكتب المنطقة،رغم أنه يستحق أن يكون في مكان أرفع بما فيه عضوية اللجنة المركزية،يقول الرفيق سامي عبد الرزاق(أبو عادل)”في المؤتمر الثالث جرى حديث بيني وبين الرفيق جاسم الحلوائي(أبو شروق)فقال لي ،لو كان كاظم الجاسم حيا لكان معنا في اللجنة المركزية،وفي اجتماع اللجنة المركزية سنة 1982 في كردستان منطقو(ناوزنك) قال لي الرفيق أبو شروق أيضا لو كان أبو عبيس حيا لكان معنا في اللجنة المركزية،فقلت له أنك تبحث عن الشهداء فقط ولكنهم عندما كانوا موجودين لم يصلوا إلى هذا الموقع” وقد أتسم الشهيد الكريم بالهدوء والتروي في اتخاذ القرارات،رغم ما كان يعانيه من مشاكل وصعوبات في العمل بسبب علاقاته مع السلطة ومشاكله العائلية،وكان لصفته الطبقية وانحداره العمالي أثر في مبدئيته العالية ،وأحاطته التامة بما تعاني طبقته من مشاكل،وكانت علاقته المتميزة بوصفه عامل نسيج تصب في مصلحة الحزب والعمال،فقد كان للحزب حضوره الفاعل في الأوساط العمالية وأنشداها له،مما عزز مكانته بين الكوادر الشيوعية لأنه يمثل الطبقة العاملة بصلابتها وإمكاناتها في الدفاع عن طبقتها،مما أبعده عن التذبذب في المواقف واتخاذ القرارات .
وكان الحزب حريصا على أبقاء صفته الحزبية سرية ،ودفع إلى الظهور من هم أدنى درجة منه حفاظا على حياته لما له من أهمية معروفة،وكانت قيادة البعث تعلم أنه سكرتير محلية بابل،ويطالبون بتواجده في المقر،وأن يظهر الشخص الأول للعلن أذا كنتم صادقين في إعلان الجبهة،مما جعل قيادة الحزب مضطرة لإشراكه في العمل العلني،لأنه كان يعمل بشكل سري تحسبا لعواقب التحالف مع البعث،وقد تمكن بما يمتلك من مؤهلات قيادية وثقافة نظرية،من تسيير أمور المنظمة.