الرئيسية » مقالات » محكمةالانتفاضة- متهمون خارج قفص الاتهام.. وغياب شهود الإثبات!؟

محكمةالانتفاضة- متهمون خارج قفص الاتهام.. وغياب شهود الإثبات!؟

ما لذي تخبئه جدران “الفيلق الرابع”؟!

كان اختفاء الفيلق الرابع في الأيام الأولى للغزو احد الألغاز التي شهدتها تلك المعارك كما يقول انتوني كوردسمان المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية..

ويقع مقر الفيلق الرابع على بعد 6 كيلومتر جنوب مدينة العمارة “الخرابة” على طريق البصرة ، ويتراوح عدد أفراده (يومذاك) بين 25000 و 30000 جندي وضابط ، وتتكون قوته من الفرقة العاشرة المدرعة والفرقتين 14 و 18 مشاة .

وعلى بعد بضع مئات الأمتار من آخر بيت متهالك للفقراء جنوب مدينة العمارة يجثم مبنى هذا الفيلق ، الذي يخفي أسراراً لم تكشف بعد عن مصائر الآلاف من العراقيين، العسكريين والمدنيين ،الذين أُقحموا خلف تلك الجدران بذرائع مختلفة ومختلقة ، واختفت أخبارهم إلى اليوم ..

خلال الفترات المتعاقبة لحروب النظام ومرحلة ما بعد الانتفاضة،ومازال منظموا ومنفذوا تلك المجازر طلقاء ، والبعض منهم في السلطة!.

وللكشف عن مصير هؤلاء، وإنصافا لأرواحهم الكريمة، ولعوائلهم المنكوبة،ولوطنهم النازف ،وللحقيقة التي تفضي للمصالحة الحقيقية..يجب استدعاء القائمين على هذا المركز العسكري والأمني “الفيلق الرابع” ، في كل مرحلة من مراحل الطغيان ، للكشف عن مصير أولئك الذين اختفت أخبارهم بعد سوقهم إلى ما خلف جدران “الفيلق الرابع”!، سواء ممن:

· اختطفوا من الشوارع والبيوت بعد اغتيال الانتفاضة.

· أو الذين استشهدوا في آخر معاركهم عند “المعهد الفني” في الطريق إلى الكحلاء ، أو على مشارف “حي المعلمين” و”جسر الطريق السريع”.

· أو تلك العوائل التي أُنتزعت من قراها ومنازلها ومدنها في كردستان خلال حملات الأنفال وما قبلها وبعدها وعقب الانتفاضة، واختفت أخبارها وراء جدران الفيلق الرابع.

· أو الذين جيء بهم من مدن العراق المختلف ( عسكريين ومدنيين) لينتهوا خلف جدران الفيلق الرابع.

· أو الجنود العراقيين الذين اعدموا في نوبات متتالية (خلف جدران الفيلق الرابع)

بدعاوى “الهروب من الخدمة العسكرية” و”التخاذل” و”الهروب من الجبهة”و”مشاركة الغوغاء”..وغيرها..

وليس بعيدا عن جدران الفيلق الرابع..

لم تكن أم عبد تدرك إن جابي باص المصلحة- المدحدح- كما يحلو لها أن تسميه، والذي سيقترن بابنتها ، سيكون يوما _ثُعباناً _ .

لكن المرأة الصابرة والزاهدة المسحوقة ، تماسكت أمام الذئاب القادمين من مدن بعيدة ، بلكناتهم الغريبة ووجوههم المغلولة..أحاطوا بيتها المتهالك بحي الثورة، في فجر يوم تشريني ممطر وقارص ، قبل الانتفاضة بأشهر، لينتزعوا ولديها الفَتيّان الشهمان(عبد )و(حسين) وضيف لهم في مقتبل العمر، ويمزقوا أجسادهم النحيلة بالرصاص أمام أبناء الحي ، ويلقوا بجثثهم في وحل الشارع أمام أعين أمهم وأبيهم، وكان يقف خلف القتلة “رفاق” ذلك النسيب – الثعبان -، ولم يقفوا عند مجزرة ذبح الفتيان الثلاثة بل لاحقوا شقيقهم الثالث “حسن” ، الجندي في القوة البحرية في البصرة ، وكتموا أنفاسه برصاصة غدر ، حملوها من ديارهم البعيدة إلى قلبه اليافع .

وعندما اندلعت الانتفاضة لم يجد – الثعبان- ملاذا غير بيت أم عبد..وبسخائها المحمداوي قبلته “دخيلا!”، وكتمت سر اختفائه عن المنتفضين الذين كانوا يبحثون عنه، وأشهدت عليه جارهم الموثوق أبو كمال، وبحضور أبو الشهداء الثلاثة:

أن يتوب إلى الله من الغدر بالوادم!

لكن..

بعد أن تسربت أخبار الوهن الذي دب في صفوف ومفاصل المنتفضين..سرى الدفء في نوايا-المدحدح-..وتسلل متلفعا بالظلمة ودوي المدفعية الثقيلة التي تدك المدينة..متجها إلى شمال المدينة حيث استقرت كتائب الحرس التي راحت تطوق المدينة من جميع الجهات..

وقبل بزوغ الفجر عاد – رفاق المدحدح- ومعهم سرية من القوات الخاصة ..يبحثون عن “الغوغاء” داخل البيوت..توقفوا وسط “دربونة الشهداء” وظهورهم إلى البيت الذي ستر خواءه وخوفه..سألوا عن أصحاب البيوت الموصدة والمهجورة..اقتحموا البيوت ، ومعهم أدلائهم الملثمين..”ممشطين” بـ-صولة واحدة!- بيوت “الثورة”و”حي المعلمين”و”الوحدة الميكانيكية” المطمورة بالازبال والغارقة بالوحول..

واستمرت حملات الإبادة الشرسة ..بعد أن تولى الفريق هشام صباح الفخري مسؤولية الحاكم العسكري للمدينة، الذي شغل منصب قائد الفيلق الرابع قبل ذلك الوقت ، والمعروف بوحشيته حتى بين أقرانه الموتورين من الضباط..كما استعاد الفيلق الرابع دوره كمركز إرهابي بعد إن عاد اللواء مزهر طه الغنام لتسلم مسؤولية استخبارات الفيلق،والذي شن حملة إبادة ضد سكان القرى المحيطة بأهوار (العمارة) وحرق محاصيلهم، مثلما حول مقر الفيلق إلى ساحات للإعدام( أصبح اللواء مزهر طه الغنام مديرا لشرطة تكريت بعد الغزو الأمريكي للعراق!)، وصدرت بحقة فيما بعد مذكرة توقيف بعد انفضاح بعض تلك الملفات.

وروى بعض العسكريين من داخل الفيلق الرابع..فيما بعد :

(إن الشباب الذين كان يجري إعدامهم من قبل الهيئات التحقيقية داخل الفيلق ، تلقى جثثهم على السواتر الترابية خلف جدران الفيلق ، وبعد سقوط النظام عثر على أربعة عشر مقبرة جماعية لشهداء الانتفاضة في ميسان ،اثنان منهما عند جدران الفيلق الرابع. (وتتوفر قوائم بأسماء وعناوين هؤلاء الشهداء والجهات المتورطة في اختطافهم وقتلهم).



من هم المتهمون بقمع الانتفاضة؟!



عندما كان المنتفضون يطيحون بهيبة السلطة، ويخوضون في أحشائها، و”يبعثرون”ملفاتها السرية على الأرصفة وفي الأسواق الشعبية للمدينة الخرابة (العمارة)، في الثاني من آذار 1991 ..لم يكونوا مكترثين بمن:

· يدعي قيادتهم.

· ومن أوقد جذوة الانتفاضة.

· ومن سيستفيد من ثمارها.

وكما قال يومها السياسي المخضرم عبد الرزاق الصافي في حديث إذاعي خلال أيام الانتفاضة “ليس لأحد الحق بادعاء قيادة الانتفاضة”.

لان زخم الاندفاع الثوري، والالتفاف الشعبي حول هدف الإطاحة بالنظام، كان أقوى من نوايا، وقدرات،ومشاريع أي من القوى السياسية ، أو الدينية ، أو الطائفية منفردة.

لكن..

إعادة التحالف (الوقائي) الطارئ بين:

· الولايات المتحدة..

· والسلطة الدكتاتورية..

· والنظام العربي الرسمي..

· والقوى المجتمعية العراقية الخائفة من التغيير..

لمواجهة ظهور دولة “لقيطة” شمال الخليج ، من خارج صلب النظام العربي المعمد بمباركة أمريكية، جعل المنتفضين بمواجهة قوى فتاكة معادية تحيط بهم من كل جانب، من جهة، وتنخر حشودهم الشعبية (العفوية ) منها و(المنتظمة بحركات واحزاب)،من جهة أخرى.

وإذ تجري محاكمة عدد من أركان النظام السابق – اليوم – المتهمين بالتورط في قمع الانتفاضة ، فان العدالة تقتضي الكشف عن الأطراف الأخرى المشاركة في سفك دماء المنتفضين ، وقبر الانتفاضة والإفصاح عن:

1. دور الولايات المتحدة في خنق الانتفاضة وإخمادها.

(عندما انتهت مهمة الفريق سلطان هاشم في – خيمة صفوان- في الثالث من آذار!، والتي أعقبت الهزيمة في الكويت في الثامن و العشرين من شباط / فبراير 1991 مع قائد قوات التحالف الدولي وقتها – نورمان شوارسكوف – و التي بموجب تفاهماتها – الخيمة – تفرغ الجيش العراقي للإجهاز على الإنتفاضة الشعبية الكاسحة أمام عيون و أنظار طائرات قوات التحالف ، حينما كانت طائرات الهيلوكوبتر -السمتية – تقذف بحممها على الجموع الشعبية المنتفضة و تترك مدن الجنوب أرضا محروقة تحت قيادة و إشراف قادة الحزب و الدولة مثل حسين كامل ،و طه الجزراوي ،و محمد حمزة الزبيدي ، و عزة الدوري و علي حسن المجيد ( كيمياوي ) و الفريق إياد فتيح الراوي ، والفريق سلطان هاشم!!).

وستكون شهادة الفريق سلطان هاشم في هذا الشأن هي أهم أسرار قتل الانتفاضة والمنتفضين.

والذي تعهد له الجنرال ديفيد بتريوس “القائد العام لقوات التحالف” في العراق- الذي كان قائد القوات الأمريكية المحتلة في شمال العراق – خطيا عند استسلامه ( أتعهد لك بأن تعامل بمنتهى الكرامة والاحترام وأن لا تساء معاملتك عقليا أو جسديا بعد الاستسلام )!



2. الكشف عن القوى العربية التي وقفت وراء قمع الانتفاضة.

3. دور بعض قوى المعارضة للنظام ” التي هي اليوم جزء من العملية السياسية”، في إخفاق الانتفاضة آنذاك..وتحديد مسؤولية كل منها في تجويف الانتفاضة وإفشالها.

4. دور بعض القوى المعارضة للعملية السياسية اليوم في تصفية الانتفاضة آنذاك، وبيان مسؤولية كل جهة منها في ذبح أبناء المدن المشاركة بالانتفاضة.

(يقول الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز سفير المملكة العربية السعودية في واشنطن آنذاك ، في إحدى المقابلات الصحفية التي أجرتها معه إحدى الفضائيات العربية بعد غدر الانتفاضة.. ما معناه : ” إن وقف القتال فجأة ، و السماح لقوات صدام أن تطير بمعداتها فوق قوات التحرير و تقصف المدن العراقية و تقضي على الإنتفاضة في جنوب و وسط و شمال العراق ، يبقى سببه غامضا بالنسبة لي و أن التاريخ سيكشف الحقائق فيما بعد).

كما كشف يفغيني بريماكوف رئيس وزراء روسيا الأسبق إن هناك بنودا سرية – برعايته- تضمنتها اتفاقية (خيمة صفوان).

ولم يُفْصَح عنها إلى اليوم (لا من قبل الحكام ، ولا المتهمين ، ولا المحتلين) ، رغم إن المُوَقِّع عليها في قفص الاتهام ، وقد ينفذ به حكم الإعدام ، وتعدم معه أسرار خطيرة ، مثلما أعدمت مع الآخرين أسرار كان من حق العراقيين والعالم التعرف عليها، قبل دفنها معهم!.

من اجل المصالحة الحقيقية مع الشعب!



نيران اليأس تلتهم “بنت المعيدي”!!؟



مثل جميع المفاهيم المثيرة للجدل..لم يتفق المبدعون على مفهوم “اصطلاحي ضيق ” للجمال..لكن من بين طاقات الجمال – ولا أقول صفات الجمال-:

انه يبث بهجة في روحنا ، تنبع من عبق الجمال وضوعه في الزمان والمكان ،وينتمي ذلك الرخاء الروحي الذي يمنحنا إياه ذلك الجمال..إلى طاقته.. دون غيره..

ففي كل مدينة حي جميل ولكل حي..زقاق هو الأجمل..وفي كل زقاق بيت هو الأكثر جمالا .. وطاقة جماله تكمن في أهله ، وعمارته ، وفرادته ، وتعاقب الزمان فيه..

لكن صبيان الحي اعتادوه أن يسموا المنازل بأحب ما فيها إلى نفوسهم وأكثرها سحرا..

فهذا بيت “أبو نخلة”، رغم أن الجنوب موطن النخيل، وذاك “بيت أبو أذان” رغم أن جميع الدواب لها أذان، وهناك “بيت البت الحلوة ” رغم إن الجمال سمة كونية وفتياتنا هُنَّ الأجمل..ويطلقون تلك الكنية على تلك التي أبهرتهم بجمالها ، والتي غالبا ما يجهلون اسمها ، لكن جمالها السخي يترنم في ذائقتهم النقية كخرير الغدير في حقل الزهور..

وفي وسط الحي الذي توافدت إليه العوائل الفقيرة من أرياف العمارة، أو من الأحياء التي امتد إليها الميسورون من أهل المدينة ، أو من الوافدين إليها، وصلت تلك العائلة الازيرجاوية الهادئة والمهذبة ، وأقامت لها بيتا على عجل في فضاء بين البيوت المتلاصقة والمنكبة على ساقية الوحل الأزرق وسط الزقاق، على بقعة من الأرض كان من المفترض أن ابتني لي بيتا عليها..

وقبل أن يتعرف الصبيان على اسم رب الأسرة صار البيت:

“بيت بنت المعيدي”..

تشبها بتلك الصورة المتخيلة لفتاة جميلة من سكان الاهوار رسمها فنان مجهول ، يندر أن تعلق صور في كوخ لا تكون هي واحدة منها.

كانت “منى” فاتنة مثل شقيقاتها، ونقية مثل أهلها، ومبادرة مثل أمها، وسخية مثل أبيها..ولأنها كذلك فان “صقر” ابن عمها استوطن الدروب التي تسير عليها..

واقترن بها..

ولما اندلعت الانتفاضة كان ما يزال غائبا عنها وعن ابنه البكر (الرضيع)، جنديا في جبهة من جبهات الحروب التي تجهلها..

وكانت تتنطر عودته على رصيف الطريق الممتد إلى البصرة والكويت .. مع ملايين الزوجات ،والأمهات ،والأخوات ،والبنات العراقيات على امتداد الوطن المستباح..

غير مكترثة لتداعي السلطة وخراب هيبتها..

ولا لقصف الطيران الأمريكي لبيوت المدينة المعدمة ومعالمها..

ولا بطابور النسوة والأطفال من حول أنبوب الماء المكسور في حفرة موحلة، يغترفون منها قطرات وشل الماء المتبقي في الأنبوب..

وراحت تتواتر مع وصول بعض الأفواج العسكرية المخذولة القادمة مشيا على الأقدام من الكويت والبصرة..أنباء وأسماء ضحايا “أم المعارك”..

كانت مع جوقة من النساء يسعين بين الطريق العام المبتور بالخوف والقذائف ، وبين الحي المذعور بالشائعات ، عن عودة “الرفاق ” يصطادون “الغوغاء” وفق قوائم طويلة ، بمرافقة القوات الخاصة!.

بعد صمت مريب أعقب قصفا كثيفا على أطراف المدينة..انطلقت صرخة مخنوقة..ولاحت غيمة سوداء من “اللَطّامات” تزحف من الشوارع والبيوت إلى بيت (صقر)..

لكن عويلا مذبوحا تعالى في بيت أهلها هرعت له جارتهم “أم صبيح” الكفيفة..التي قبرت وحيدها قبل شهر ، ومُنِعَتْ من إقامة مجلس عزاء له ، وطالبتها المنظمة الحزبية بثمن أطلاقة الرصاص التي استقرت في رأس (صبيح ) – المتخاذل!-، ذلك الرجل الكهل ووالد سبعة أطفال (من مواليد 1946)..وجليسي على – رحلة – واحدة في مدرسة المنصور الابتدائية، في خمسينات القرن الماضي..

تناهى إلى سمع المرأة الكفيفة (أم صبيح)همسا..تمتمت إثره بِلَوعَةٍ مع نفسها:

المقرودة حرقت روحها!

ونُقلت (منى) إلى المستشفى ..

إذ سكبت نفط الفانوس على رأسها، وأوقدت في فروتها النار ، بعد إن اجتزت قصائبها الحنائية..

وقبل أن نترك المدينة زرتها في المستشفى..كانت رغم احتضارها..متماسكة الروح واللسان..اعتذرت للجميع..وصمتت..قبل أن يصل جثمان “صقر”!.

تواردت الأخبار عن آلاف الجنود والضباط الفقراء الذين خذلهم النظام ، وتركهم طعما لـ”يورانيوم” الغزاة وقذائف طائراتهم “الذكية” التي أذابتهم كسائل ممتزج بحديد الآليات المنصهرة التي كانوا يستقلونها (وكان بينهم ..نوري..ابن عمي حسن)..تلك الطائرات التي حصدت عشرات آلاف الجنود والضباط العراقيين المجردين من السلاح..وهم في طريق الانسحاب في صحراء الكويت مخلفة اياهم طعما للكلاب السائبة.. كما في مذبحة المطلاع أو (مذبحة طريق الموت ).

وإنصافا للحقيقة ينبغي رفع دعاوى قضائية دولية ضد أولئك القادة والمنفذين الأمريكيين، الذين أبادوا أبنائنا وإخوتنا الجنود والضباط، أثناء انسحابهم،وبعد الإعلان عن وقف إطلاق النار ،وبعيدا عن خطوط القتال!..

لان هؤلاء الضحايا هم أبناء العوائل التي انتفضت لتخليصهم من نظام الحروب والعدوان والخوف..

وقتلهم من قبل الأمريكان كان قتلا لأهم غايات الانتفاضة..وهي :

· إبعاد شبح الموت في الحروب عن شبابنا..

· وخلق بيئة تنموية لهم لبناء وطنهم..



من أشعل النار فينا؟!



عندما اندلعت الانتفاضة كان الجوع والعوز يستوطن أجساد وبيوت الفقراء،وكانت “ثقافة الفرهود” التي شرعنها النظام ،قد سرت وترسخت في سلوك قطاعات ليست قليلة من المجتمع ، خاصة:

· تلك التي اعتادت العيش على نفايات النظام …

· أو المُشوهة الوعي …

· أو المحرومة والمُجَوَّعةِ قَسراً ..

وذلك منذ:

· غزو المدن الإيرانية الحدودية عام 1980 ونهب محتويات المنازل حتى الفقيرة والبائسة منها،والتي خلعوا أبوابها ونوافذها المتهالكة، كما عرضتها شاشات التلفزيون الحكومي آنذاك.

· وعند غزو الكويت 1990، حيث استعيرت “ثقافة الغنائم” من تاريخ الغزو القبلي الجاهلي الهمجي،لتبرر لعصابات السطو الحكومية المنظمة ..استباحة كافة المحرمات الأخلاقية ،والإنسانية ،والدينية !

· وخلال أطوار انتهاك حرمة القرى الكردستانية منذ السبعينات إلى 1991، التي تركت جروحا نازفة في الصخر ..كشاهد على تردي فعل أولئك الذين دنسوا نقاء الأخوة بين العراقيين.

في ذلك اليوم الراكد..عندما طُرِقَتْ باب البيت الحديدية برفق ..في الثانية وعشرين دقيقة بعد الظهر من ثاني أيام آذار، لاح من وراء سور الدار بضعة فتيان، يسألون..

خرجت إليهم..

وكان بينهم فتى حَرَّكَ في ذاكرتي..القول المأثور:

“ومن يشابه أبَهُ فما ظَلم”..

لأنه يشبه صديقا لي كان بذات العنفوان ..يوم كنا في ذات الدرب الشائك..

كان ابلغهم في القول:

الحكومة سقطت بالبصرة!

ثم أردف:

قبل ساعة..

وما هي إلا دقائق حتى تعالت وامتزجت الهتافات بالتكبير وبالزغاريد والصراخ، من كل أرجاء المدينة الخامدة في قرارة الوجوم الذي كان يخيم على المدينة..وبعد برهة تصاعد عمود دخان ابيض متدفق وسط المدينة..

اتجهت الحشود صوب معاقل التخويف، التي طالما فجعت المدينة وأهلها..

هذا يبحث عن ابن غائب..

وتلك تسأل عن مصير زوج مخطوف..

وهؤلاء يطبقون آذانهم لبلاط أقبية مباني الأمن السرية والعلنية، علهم يلتقطون أنينا من تحت قاعات التعذيب..

وغيرهم ..

وغيرهم ..من المنفلتين من شراك الخوف!

إلى جانب ذلك كانت أحياء المهمشين حول الفيلق الرابع تتجشأ أفواجا من النسوة والأطفال والفتيان..يتدافعون إلى مخازن وزارة التجارة للمواد الغذائية..التي اندلعت النيران في جانبها الغربي بعد قصف الطيران الأمريكي لها..كانت المخازن مظلمة، إلاّ من انعكاس السنة النار البرتقالية على صفحات وجوههم الداكنة.. والناس يتنادون للتعريف بمحتوياتها..

لكن تلك الآونة المليئة بالفوضى والفرح والوجل والغموض أفرزت صورا لن تنسى:

في مدخل (الدربونة)الموحلة والمظلمة وقفت مصفحة عسكرية مجردة من السلاح ..

ولكن ..مليئة بأكياس الطحين والرز والزيت والعدس..كان فيها مجموعة من فتيان الحي، يطرقون أبواب البيوت ويوزعون “المؤونة” كما أسموها..وهم يتسارعون بالعودة إلى المخازن لاستكمال مبادرتهم للتوزيع!..

كانت بعض العوائل تعتذر بحياء لأولئك الفتيان ..

خوفا..

أوتعففا..

أواستحراما..

في تلك الآونة ..وفي أحشاء الانتفاضة وبأذيالها وحولها..

انفجرت موجة حرائق ونهب وخراب..في كل مكان..كانت تلك الفوضى الهدامة:

· منظمة ومخطط لها مسبقا.

· وشاملة لأنها نفذت بأساليب وتقنيات وأهداف متشابهة وفي كل أنحاء المدن الثائرة.

· وقصدية في إتلاف الملفات السرية في معاقل الأجهزة الأمنية والسرية والحزبية والعسكرية.

· وانتقائية استهدفت البنية الأساسية للدولة والمجتمع..

· ومتواترة، لم تترك فرصة لأحد أن يستيقظ من الصدمة.

· ومندلعة في أكثر من مكان في آن واحد،لتُعجيز من يحاول إخمادها..

· ومتقنة، بأساليبها ووسائلها البدائية، أو التقنية الحديثة!

· ومشعلوها كالأشباح غامضون..

رغم هرولة العديد من المنتفضين إلى مباني يتوقع أن تُشعل فيها النيران، ويصلون إليها قبل اشتعالها..لكنها ما تلبث أن تندلع الحرائق فيها في جوانب بعيدة عنهم..دون أن يروا شبحا لفاعل..(كما حدث لمقر قيادة الفرع، ومبنى المخازن المركزية، ومخازن المواد الغذائية التابعة لوزارة التجارة).

فالتهمت النيران مؤسسات الخدمات ،والإدارات الحكومية، ودورا للثقافة ، والتاريخ ، والمدارس، ومستودعات الغلال ، ومخازن المؤونة ، ومذاخر الأدوية، ومصادر الطاقة ،والمستشفيات..فأحرقت مخازن المواد الغذائية ، والأسواق المركزية والمكتبة العامة والمتحف التراثي والمؤسسات الحكومية الخدمية والأندية الرياضية والمراكز الأمنية..وغيرها..حتى مقهى “بيت عليان” الصغيرة لم تسلم من التخريب!.

ونهبت أسلحة الفيلق الرابع والمعسكرات التابعة له ، والمعسكرة في المدينة ..بكل صنوفها ..وتلاشت تلك الأسلحة خلف صخب الانتفاضة ودخان الحرائق، ولم يعرف بأية أيدي وقعت (و ما دورها اليوم في دوامة الموت؟!)،بعد أن اختفى الفيلق بغموض لم تكشف أسراره إلى اليوم!.

كان المنتفضون يتساءلون بذهول وارتياب..

وهم يتعثرون.. بالآثار ،والكتب ،والملفات السرية ،والأدوية ،والأجهزة الطبية ،والصكوك المبعثرة في الشوارع، أو المنهوبة!

من يشعل النار فينا؟!..

من أين جاء اللصوص؟!

إن الكشف عن هوية أولئك الذين أشعلوا الحرائق بالمدن العراقية المنتفضة ونهبوا مقتنياتها..هو شرط لتنقية الانتفاضة..وإجلاء صورتها:

كمواجهة للاستبداد..

لا تدميرا للوطن!..

لان هؤلاء المخربين من مشعلي الحرائق واللصوص هم مشاركون اساسيون في حرف الانتفاضة ، وتشويه وجهها ، وإفساد روحها، وتخريبها من الداخل ، وإسقاطها، وخلق الذرائع لذبح سكان المدن المشاركة فيها!.



خيمة صفوان..و “فجل” أم جبار!


كان مدخل المدينة الذي استوطنه الترقب والغموض، مُضاءً بألسنة اللهب المتصاعدة من مخازن التجارة، ومعمل الدبس.. وعلى امتداد الطريق الاسفلتي الممتد إلى البصرة فالكويت على بعد أكثر من مئتي كيلو متر ….ومع الهزيع الأخير من تلك الليلة الخرساء ..دخلت أولى أفواج الجيش المنكسر إلى المدينة..كانوا مثقلين بالهزيمة والوجل والجوع والإعياء، وقد حالت وجوههم ومعاطفهم إلى لون التراب..

ترددوا قليلا عندما وصلوا إلى مبنى (معمل الألبان) في المدخل القديم للمدينة..

لكنهم ما لبثوا أن انجذبوا إلى جوار المسجد الصغير المقابل ، ملتاذين بصف الدكاكين..

ألقى البعض منهم جسده المتهالك إلى الرصيف وغط بنوم عميق..

كان الكثير منهم حُفاتاً ..ووجوههم صفر ..وقد ابيضت شفاههم وجحضت عيونهم..

(بعد التوقيع على وثيقة الاستسلام في “خيمة صفون” أراد سلطان هاشم العودة إلى بغداد ، فكانت كل الطرق إليها مغلقة بوجهه ، بعد سيطرة المنتفضين على البصرة والناصرية والعمارة ، مما اضطره إلى سلوك طرق ملتوية ووعرة خارج المدن والقصبات، مستخدما سيارات بأرقام مدنية ،حتى وصل إلى العاصمة بعد رحلة مضنية.. كما اعترف هو نفسه في برنامج” الملف” التلفزيوني الذي قدمه تلفزيون بغداد أواخر عام 1991).

انقطعت الحركة في الساحة الترابية عند مدخل مدينة العمارة الجنوبي، أمام المسجد الصغير منذ اندلاع الغارات على المدينة..لكن أم جبار “بائعة الفجل”وحدها التي لم ترهبها الغارات الجوية الذكية..لم تنقطع عن عملها كل يوم ، في ذرا المسجد الموصود..

استقبلتهم مهللة ودامعة..

الله يساعد كلوب أمهاتكم..يمه!

واستدركت..

يمه سوده علي ..انتم ميتين من اليوع..

وتركت بضاعتها إليهم..وهرعت إلى البيوت الممتدة خلف المسجد..

كانت المدينة تترقب الأخبار من الجبهات..

سرت أخبار تدفق قوافل الجنود والضباط إلى أطراف المدينة من الجبهات – الذين أبيد العديد منهم في طريق الانسحاب- كالهشيم المتلقف للنار..

تقاطرت إليهم أطباق أرغفة الخبز..من الأحياء القريبة..ومعها دعوات الأمهات لهم ..وسؤالهن عن أبنائهن..

كانت أم جبار أول المُطْعِمين..

دفعت بطبق الأرغفة إلى رجل ممشوق مندحر بمعطفه الثقيل ..كان يتكئ إلى بوابة المسجد..نادى بلكنة أبوية قروية ..وهو يمد عنقه باحثا بين وجوه الجنود الملتفين حوله:

خوشابا..

انبثق فتى أشقرا، نحيفا، سريع الحركة، من بين الزحام الراكد، وتلقف منه طبق الأرغفة الساخنة..وراح يوزع لقيمات على الجميع ..بحركة آلية متقنة وممازحة….كي لا يُحرم منهم أحدا..

تداركت أم جبار تزايد الوافدين من الجنود إلى المكان..مطمئنة إياهم:

يمة “الحبايب ” كلهن شجرن التنانير..

يمه هسه يييكم العيش والجاي..

يمه فدوه اروحلكم..!

كان الرجل الممشوق مرجعهم في الحديث والمشورة، ويبدو إنهم يَجِلّونه..

لكن وجوههم المرتابة تنم عن أنهم يدخلون المدينة أول مرة..ويجهلون دروبها، ولا يعرفون أهلها،ويخشون غموض الأحداث فيها..

عَرَّفَ العسكري الممشوق ذو المعطف الثقيل نفسه لام جبار:

أني أخوج رشيد..تميمي..من ديالى..

همس إليها جندي كان يحرس بضاعتها بغيابها..لطمأنتها:

خالة هذا آمر الفوج..

تزايد تدفق الجنود وصغار الضباط المنسحبين من جبهات الحرب إلى مدخل المدينة..وتزايد عدد العوائل التي جاءت تبحث منهم عن أخبار أبنائها..

في هذا الوقت كانت الانتفاضة في يومها الثاني..

وصل عدد من الرجال من الإحياء المجاورة إلى مكان تجمع العسكريين..يدعون حشود الجنود إلى مدرسة قريبة فتحت لإيوائهم..ونصبت على الفور في بابها قدور “تمن وقيمة”..وتقاطرت صواني الشاي..والسجائر..

وتزايد عدد الجنود الوافدين إلى المدينة من الجبهات ..

وفتحت مدارس أخرى لإيوائهم..

كانت طرق المدينة متقطعة بالخوف من اصطياد الطيران الأمريكي لحشود الجنود..وبسبب غياب وسائط النقل لانعدام الوقود. بدأ عدد منهم يتلقى مساعدات من الأهالي لاستبدال ملابسهم العسكرية بملابس مدنية ، ومواصلة الرحلة مشيا على الإقدام إلى مدنهم وقراهم على بعد مئات الكيلو مترات..وانقطعت بآخرين السبل، وطالت إقامتهم إلى الساعات الأخيرة لاحتضار الانتفاضة وحصار قوات الحرس الجمهوري للمدينة..

أحاطت بعض الآليات العسكرية المدرسة التي كان الجنود والضباط يأوون إليها..واندفعت زمرة من الملثمين وأخرجتهم بالهراوات إلى سيارات النقل العسكرية المصطفة أمام المدرسة..تلاحقهم الشتائم وأقذع الألقاب لـ”لتواطئهم مع الغوغاء”!؟؟

أن مصير هؤلاء الجنود والضباط..هو جزء من مصير الانتفاضة وضحاياها.

وحياتهم وحياة أخوتهم ، الذي قتلوا في الطريق ، أو الذين ماتوا عطشا وجوعا، هو جزء من مأساة الانتفاضة المغدورة.

مثلما هو الذل الذي فرض عليهم ، وامتهن كراماتهم..

وهذا يتطلب تشخيص ومساءلة أولئك الذين أذلوهم، وخطفوهم، وقتلوهم.. والكثير من هؤلاء الجنود والضباط.. مازالت أمهاتهم ترنو إلى طريق عودتهم.

في تلك الأيام عرضت بعض محطات التلفزة الغربية مشهداً للفريق سلطان هاشم وهو يقف أمام “خيمة صفوان “رافعا يديه إلى أعلى ،وخلفه الفريق صلاح عبود والفريق نعمة المحياوي ليقوم جندي أمريكي بتفتيشه ونزع سلاحه الشخصي ليجلس مقابل الجنرال شوارتسكوف..

ولاشك إن الكثير من المراقبين تساءلوا عن مغزى اختيار الفريق سلطان هاشم لمهمة التوقيع على صك الاستسلام للأمريكان..وكثرت التأويلات والتفسيرات..لكن بعض المصادر العسكرية العراقية تقول:

“إن صدام اختاره رئيسا للوفد العسكري لاجتماعات خيمة صفوان متعمدا لأنه ( ضابط بلا لون أو طعم أو رائحة ) على حد وصف حسين كامل صهر صدام خلال وجوده في العاصمة الأردنية اثر انشقاقه عن النظام أواخر عام 1995 مشيرا إلى أن الفريق سلطان هاشم كان مرعوبا من هذا التكليف الذي ابلغه به صابر الدوري مدير الاستخبارات العسكرية آنذاك.”

ومن المعلوم إن الفريق سلطان هاشم خلال الفترة الأولى من قيادته لقوات شرق دجلة عام 1985 استدعي إلى بغداد للتحقيق معه في دائرة الاستخبارات العسكرية في قضية انتقادات وجهها احد ضباطه إلى صدام ، وذكر إن سلطان لم يتخذ إجراء ضده وفي الطريق إلى بغداد أصيب بجلطة قلبية نقل إثرها إلى المستشفى العسكري.. ثم تبين فيما بعد انه لم يكن حاضرا انتقادات الضابط ولم يعرف بحديثه عن صدام.

استغاثات من تحت ثرى بستان الجدة!



منذ الساعات الأولى للانتفاضة، والغزو الذي تعرضت له العمارة والمدن المنتفضة الأخرى من قبل محترفي السلب ومشعلي الحرائق بالبنية الأساسية للدولة ومؤسساتها، وبركائز الاقتصاد والخدمات..ومع تصاعد الدخان الكثيف من المكتبات العامة والخاصة،وبعد انفضاح النزر اليسير من أسرار الطغاة والمتورطين بدماء الناس ومصائرهم..كانت مجموعات ممن قمعهم النظام على امتداد عقود، أو ممن فقدوا أحباءهم الذين انتزعوا من بيوتهم ومدارسهم وجامعاتهم ومراكز عملهم..يبحثون عن سر اختفائهم..ويتعقبون خيوطا عائمة بين الشك واليقين عن وجود أعداد من المعتقلين في أقبية سرية تحت الأرض..

سارت جوقة صاخبة مهرولة إلى “بستان الجدة”..بعد إن شاع خبر سماع احد البستانيين لأنين وصيحات من تحت الأرض في بستان كانت مقرا للمخابرات العامة..عندما وصل المتعقبون إلى هناك..لم يجدو سوى بقايا ثياب يابسة متضمخة بالدم في غرف محكمة الإغلاق تحت الأرض..

سأل السيد عبد الله ..ساعتها:

وأين جثث أصحاب هذه الثياب؟

لم يطل انتظاره كثيرا، وراحت تتكشف المقابر الجماعية في أطراف المدينة، وعند جدران الفيلق الرابع..في مرحلة ما قبل الانتفاضة!..

في الساعات الأخيرة من الانتفاضة..وبعد أن تفرق رجالها ونساؤها..كل يواجه مصيره بمفرده..جلست ثلة من الشباب عند جدار المسجد الصغير الذي إجْتُزَّت منارته المعدنية بقذيفة راصدة.. يتبادلون الحديث..إقترب السيد عبد الله من صديقه الحميم “كرار”متسائلا ببراءة طفولية:

إذا وقعنا بأيديهم ماذا سيفعلون بنا؟

رد عليه كرار بسلاطة لسانه المعهودة:

يُنسونك اسم جدك!

في اليوم الذي بدأت فيه قوات الحرس الملثمة القادمة من المدن البعيدة ، بدلالة “الرفاق” المحليين ..تدخل البيوت بيتا بيتا بحثا عن “الغوغاء” والسلاح..اختفى الـ”سيد عبد الله” و”كرار” وعشرات الفتيان الآخرين من أحياء “الإسكان” و”حي المعلمين” و”الثورة” و”الوحدة الميكانيكية” وغيرها..ولم يعرف عن مصيرهم شيئا حتى بعد انكشاف العديد من المقابر الجماعية..

إن مصير هؤلاء وأولئك مكنون في اعناق أولئك الإدلاء الذين ساقوهم إلى المجهول..وهذا يشترط للإقرار بحقهم في الحياة ، وحق أهلهم كي يوقفوا النحيب ..أن تكشف مصائرهم من خلال استدعاء واستجواب أولئك الوشاة.



بانتظار “السيد” القادم لإنقاذ الانتفاضة!



وصلت قذائف مدفعية الحرس الجمهوري البعيدة المدى إلى وسط المدينة، وسقطت إحداها في الساحة الترابية خلف مبنى الأسواق المركزية في الجانب الغربي للمدينة..ودب التفكك في جبهة القوى الشعبية المنتفضة، ولم يعد بوسع المظاهرات التي كانت تتجه كل يوم من مختلف أحياء المدينة إلى مركز المدينة..لتحتشد في السوق الكبير باتجاه سوق النجارين، حيث يتمركز الشيخ احمد العبادي..

ولأول مرة تردد على شفاه بعض المشاركين بالانتفاضة سؤال ميداني حيوي:

ما العمل؟

والذي جر إلى استفهام استنجادي قاطع لا يدركه إلا أولئك الذين على وشك الوقوع في فخ العدو:

من المسؤول عن قيادة الانتفاضة وإنقاذ المشاركين فيها من الفناء؟

آنذاك تفاقم الاضطراب بين صفوف المنتفضين، مع تصاعد القصف المدفعي، وظهور طائرة عمودية للحرس الجمهوري لأول مرة في سماء المدينة..بدأ بعض الأشخاص يبادرون إلى طمأنة المترددين، وطفحت بعض وجوه المشككين إلى سطح التجمعات الشعبية “الذين استبدلوا اللباس الزيتوني بالعصابات السوداء على الجباه أيام الانتفاضة..وتغلغلوا في أحشائها ، وامسكوا بعنقها ” ، ونفذ صوت من بعيد..مافتئ أن تردد بين الحشد المترقب:

السيد على الحدود..وراح يوصل بعد ساعات!

أشاع الخبر بعض الهدوء في صفوف مجموعة من المنتظرين عند مدخل السوق الكبير..لكن مجموعة تقف على امتداد سوق البزازين كانت تصغي لرجل أشيب يتحدث بصوت مبحوح ، وغير مكترث بما يجري في الجانب الآخر من الحشد:

المهم الآن هو إيقاف تقدم الحرس الجمهوري على جبهة “الطريق السريع” بالدبيسات..وقرب المعهد على طريق الكحلاء..

ومع تصاعد القصف المدفعي وتزايد طلعات الطائرات العمودية وهي تطلق قذائفها على أحياء المدينة..تحت مظلة من الطائرات المقاتلة الأمريكية..

تفكك الحشد وتحول إلى مجموعات صغيرة متناثرة..تبدد قسم منها في “الدرابين الضيقة” والقسم الآخر انتظم بفرق اتجهت إلى محيط المدينة الشمالي والجنوبي..وخلفهم ومعهم نسوة يحملن السلاح والعتاد..

على عنق جسر الماجدية كانت ثلة من النساء المؤتزرات بعباآتهن يحرسن مدخل الجسر المؤدي إلى وسط المدينة ومؤسساتها الحكومية الرئيسية..

كان الدعاة إلى انتظار “السيد” القادم ومعه آلاف المقاتلين لنجدة الانتفاضة ، يواصلون طمأنة الناس المتفرقين إلى ملاذات مجهولة ، لكنهم ..كانوا يستبدلون لهم المكان المحتمل لدخوله المدينة..كان آخر وعد تردد بين الناس:

السيد جاي عن طريق البصرة!

واستباحت دبابات الحرس الجمهوري احياء المدينة ، ومشطت الشوارع بالرشاشات الثقيلة وقاذفات الار بي جي سفن، فيما كانت مكبرات الصوت التي تنطلق من الطائرات العمودية تحذر السكان من البقاء في المدينة ، وتنذرهم بمغادرتها إلى العراء خارج المدينة فورا.

وخلفت تلك القوات مجازر على الجسور ومفترقات الطرق ، وطمرت عوائل تحت منازلها..

عندما خرجنا من المدينة في اليوم الثاني لاقتحام الحرس الجمهوري لها..

وبعد أن توقفت آخر جيوب المقاومة ، وعشعشت القوات الخاصة في الأحياء السكنية ..

كانت الجثث ملقاة في الشوارع التي قطعناها..في مقابل مقبرة الانجليز جثتان لرجل وامرأة..وعند “مندى” الصابئة على نهر الكحلاء أربعة جثث لفتيان في مقتبل العمر..ليس بعيدا عن المدفع النمساوي الذي سيطر عليه المنتفضون في اليوم الأول للانتفاضة..

وطفحت بعض الجثث المتفحمة في نهر دجلة قريبا من بستان الجدة..

في المنزل المقابل لجسر الماجدية دارت معركة عنيفة استخدمت فيها مدافع الدبابات..وتحول المنزل إلى ركام ..طمرت تحتها جثث المنتفضين..قال قائلهم :

إن تحت أنقاض المنزل جثث ثلاث فتيات قاومن تقدم القوات الخاصة عبر الجسر باتجاه محلة الماجدية.. حتى استدعاء الدبابات وتدمير المنزل على رؤوسهن..

في المسافة الممتد بين البانزينخانه بالدبيسات ومفرق الطريق السريع بين بغداد والبصرة..كانت هناك خمس أكداس من الجثث بعضها ألقيت عليها حفنات من التراب ، والأخرى مكشوفة تماما..ثلاثة منها كانت لعوائل فلاحيه من الرجال والنساء والأطفال..إلى جوار إحداها سيارة بيك اب محملة بالحشيش الأخضر..

وإنصافا للحقيقة لابد من استجواب قادة تلك الوحدات العسكرية عن : مسؤوليتهم عن الجثث التي داست عليها سرفات الدبابات في “أطراف الدبيسات” و”قرب المعهد الفني” و”على جسر الطريق السريع” و”في حي الحسين” و”عند مدخل الفيلق الرابع”!؟





كشف الحقائق للشعب..والمصالحة!؟



وإذ تتواصل جلسات استجواب بعض المتهمين بقمع انتفاضة آذار عام 1991 ،وتمضي مجرياتها بأداء مُجتزئٍ، وبعيداً عن الوقائع المرعبة التي غاب شهودها عنا، مازال القسم الأعظم من المتورطين بقتل الأبرياء ، طلقاء ، وقسم منهم في مراكز السلطات الأمنية والإدارية.

في هذا الوقت.. يضع بعض “السياسيين” أنفسهم في مواقع المتنكرين لدماء مئات آلاف الضحايا من العراقيين الفقراء الأبرياء الذين أُبيدوا بعد غدر الانتفاضة والمساومين عليها،بدعوى “إنجاح المصالحة والوطنية”.

وكأن المصالحة الوطنية، لا تستقيم إلا بدفن الحقائق، وبالتنكر لدماء مئات آلاف الأبرياء، بل وإعادة القتلة إلى مؤسسات الموت والتخويف من جديد.

دون أن يدركوا.. إن مثل هذه المساومات بين “السياسيين” سوف لن تفضي إلاّ إلى فرض الإذعان على ملايين العراقيين من عوائل الشهداء وأصدقائهم ورفاقهم والمؤمنين بقضيتهم،مما يمهد لانفجار شعبي كبير،يكتسح أولئك “السياسيين” ومعهم غنائمهم وامتيازاتهم التي انتزعوها بالمساومة والمحاصصة والابتزاز….

وقد يتمزق الشعب والوطن..إذا لم تُقْصِ صناديق الاقتراع أولئك المتسترين على الجرائم والمجرمين، وتنقذ الناس من المتاجرين بمصائرهم ومصالحهم ومستقبلهم، ،وتفضح الذين يحتمون بالقتلة ويحمونهم ..وتبعد عن مواقع المسؤولية جميع اللصوص والمجوفين والفاسدين..

إن الحل يكمن في:

كشف الحقائق للشعب..والمصالحة..

أي:

· كشف الوثائق المتعلقة بجميع الأطراف الدولية والعربية والإقليمية والمحلية المتورطة بقتل الانتفاضة والمنتفضين.(وخاصة الدور الامريكي)!

· الكشف عن جميع المتورطين من الأفراد والجماعات بتلك الجرائم، وإحالتهم إلى قضاء عادل،وإنزال العقوبات المناسبة لجريمة كل واحد منهم، وبذلك نكون قد خطونا الخطوة الأولى نحو إنصاف “شهود الإثبات المدفونين في المقابر الجماعية”.

· تعويض عوائلهم ..لحقوقهم التي اغتصبت منهم كاملة وأهمها(حقهم في الحياة)..وليس “توزيع الصدقات والمكرمات عليهم!”..

· تعويضهم ..ليس كأفراد أو عوائل فحسب ..بل كمدن منكوبة!!..

ولتحقيق ذلك..نفتح بعض يوميات تلك المرحلة التي ما تزال تتقد فينا إلى اليوم..

وستبقى ..

إلى حين:

§ تحقيق العدل لصالح سكان المقابر الجماعية..!

§ وإشاعة التنمية الشاملة للفرد والمجتمع والوطن..كل الوطن!..

§ وقيام الدولة الدستورية الديمقراطية التعددية الاتحادية..دولة الوطن والمواطن!