الرئيسية » مقالات » في الذكرى الخامسة للحرب على الفاشية في العراق

في الذكرى الخامسة للحرب على الفاشية في العراق

تمر هذه الأيام الذكرى الخامسة للحرب التي شنتها قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي أسقطت حكم حزب البعث الصدامي. لا شك إن نظام البعث هو أبشع نظام فاشستي عرفه التاريخ، أسوأ من النازية الألمانية والفاشية الإيطالية ونظام بريتوريا العنصري الساقط في جنوب أفريقيا وفق جميع المقاييس. فقوائم جرائم البعث معروفة وطويلة، حيث تسبب في قتل وموت ما لا يقل عن مليونين من العراقيين، وتشريد خمسة ملايين آخرين، إضافة إلى الملايين من الأيتام والأرامل والمعوقين. كما وعطل التنمية البشرية والاقتصادية لأربعة عقود، وتسبب في ردة حضارية، حيث أعاد البلاد إلى الوراء لعشرات السنين، فبعث الحياة في القبلية والطائفية، ودمر كل ما أنتجته الأجيال السابقة من عمران وتقدم اجتماعي، وأحال بلاد الرافدين المعروفة بمهد الحضارات، وأرض السواد، لكثافة غابات النخيل الوارفة فيها، إلى صحراء قاحلة ومقابر جماعية، كما وأفرع البلاد من أصحاب الخبرات والكفاءات، وبذلك ترك شعباً معوقاً يحتاج إلى عشرات السنين لاستعادة عافيته كي يعيش حياة طبيعية أسوة بالشعوب الأخرى.

من يقبل بالحرب على بلاده؟
ليس هناك إنسان سوي يقبل بشن الحرب وخاصة إذا كانت هذه الحرب على بلاده، لأن الحرب تعني كوارث. ولكن هناك حالات خاصة تواجه الإنسان، تحتاج منه أخذ موقف جريء وحاسم. فكلما يحتاجه الإنسان السوي ليختار بين الخير والشر هو الفطنة (common sense) ، ولكن الصعوبة حين تواجه موقفاً يحتم عليك أن تختار أحد الشرين. ففي هذه الحالة الفطنة وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى الحكمة لتميز بين الشرين وتختار الأقل شراً. لذا أن تختار بين بقاء حكم البعث يواصل اضطهاده للشعب العراقي أو الحرب عليه لإسقاطه، كان يحتاج إلى حكمة. فحكم البعث كان أشر من كل شر وأسوأ من كل حرب. إذ كان عبارة عن حرب دائمة على الشعب العراقي.

ولكن، من الصعوبة على الإنسان المؤدلج فهم هذه الحقيقة والتفكير خارج صندوق الأيديولوجية والموروث الاجتماعي العربي-الإسلامي. فجميع الأيديولوجيات الشمولية، اليسارية والقومية والإسلامية التي أبتلى بها الشعب العراقي والشعوب العربية على مختلف مراحل التاريخ الحديث، هي ضد الأجنبي، وحتى عندما يريد هذا الأجنبي تقديم مساعدة له ضد جلاديه. ويمكن تلخيص هذا الموروث في القول المنسوب للنبي محمد: “أطع أميرك وإن جلد ظهرك وان اخذ مالك”. فمن حق المسلم وفق هذه الثقافة الخروج على الحاكم الجائر فقط إذا كفر بالله “إلا أن تروا كفراً بواحا”. أغلب الظن أن هذا القول منحول ولكنه في جميع الأحوال، صار سنة في أمة الإسلام. ولذلك وجد الجلادون من أمثال الحجاج والسفاح وصدام حسين مرتعاً لهم في البلاد الإسلامية طوال التاريخ.

وعليه، فلو كُتِب لنظام صدام حسين بالبقاء لعشر سنوات أخرى، لأفرغ العراق من أهله وأحاله إلى خرائب وأنقاض ينعق فيه البوم. ولهذا السبب فإني كنت ومازلت من المؤيدين لهذه الحرب وأعدها حرباً تحررية حررت الشعب العراقي من أبشع نظام جائر عرفه التاريخ. وفي هذا الخصوص يقول خوسيه مارتي جني، الحائز على جائزة نوبل للسلام: “مجرم من يخوض حربا يمكن تفاديها. ومجرم من لا يخوض حربا لا يمكن تفاديها”. فنظام حكم صدام حسين كان حرباً دائمة على الشعب العراقي، سواء في حروبه الداخلية، الأنفال، واستخدام الغازات السامة ضد سكان حلبجة، وسكان الأهوار، والحرب العنصرية على الأكراد، وحملات الاغتيالات المستمرة ضد المعارضة، أو حروبه الخارجية على إيران والكويت. لذا فالحرب على نظام البعث كانت شراً لا بد منه، من أجل وضع حد لحروب البعث على الشعب العراقي وشعوب المنطقة.

الأعمال المسلحة في العراق إرهاب وليست مقاومة
كتب قارئ في موقع النور تعليقاً على مقالتي الموسومة (مقتل المطران رحو شهادة أخرى على خسة “المقاومة” ومؤيديها) معترضاً فقال: “لماذا نسبت قتل المطران إلى المقاومة… القاتلون ليسوا من المقاومة لأن المقاومة، كما تدل الكلمة، تقاوم الاحتلال…. فعلى مذهبك هل أجعلك مع الاحتلال لأنك تسب المقاومة… تحياتي إليك إنما أنا كائن يريد أن يفهم.”
وجوابي للأخ القارئ الكريم، نعم أنا مع الاحتلال، وما تسميه مقاومة ما هو إلا أعمال إجرامية تقوم بها عصابات الجريمة المنظمة، مؤلفة من فلول النظام الساقط وحلفائهم التكفيريين من أتباع القاعدة، تنشر القتل والخراب في ربوع العراق بحجة مقاومة الاحتلال. أية مقاومة هذه وهي مستعدة لقتل مائة عراقي من أجل قتل جندي أمريكي واحد؟ عن أية مقاومة تتحدث وهي تبعث بالانتحاريين الذين تم غسل أدمغتهم من قبل فقهاء الموت لتفجير أنفسهم في الأسواق المزدحمة والمساجد لقتل “الرافضة” بحجة أن الشيعة تعاونوا مع المحتل، ويلصقون بهم أبشع الصفات مثل الشيعة الصفوية، وأحفاد العلقمي، والشعوبية، وحتى التشكيك بأصولهم وانتمائهم الوطني؟ فأية مقاومة هذه التي تفجر العتبات المقدسة في سامراء وغيرها من دور العبادة؟ أليست هذه جرائم يرتكبونها من أجل إثارة فتنة طائفية بين الشيعة والسنة؟ هذه الأساليب الخبيثة تحمل بصمات البعث الفاشستي الذي لا يدخر وسعاً إلا ومارسها في سبيل تدمير العراق وشعبه من أجل إعادة سلطته الغاشمة. كان البعثيون يقتلون العراقيين عندما كانوا في السلطة، واليوم يقومون بنفس الجرائم وهم خارج السلطة وباسم المقاومة الوطنية، ويتلقوا الدعم من الإعلام العربي الذي يلقي تهمة هذه الجرائم على الأمريكان وعلى الحكومة.

هل من مبرر للمقاومة؟
وبناءً على ما تقدم، فإني لا أرى أي مبرر للمقاومة، إذ ليس هناك احتلال لكي يقاومونه، إذ لولا هذا الذي يسمونه “احتلال” لأبيد الشعب العراقي. ففي عهد العولمة وتشابك وتداخل مصالح الشعوب، جريمة إبادة الجنس لم تعد قضية داخلية، بل قضية دولية، من واجب المجتمع الدولي التدخل لإنقاذ الشعب من الفناء. فالقوات الدولية التي حررت الشعب العراقي من الإبادة على يد الفاشية البعثية، هي نفسها حررت شعوب بلاد البلقان المسلمة من جرائم الإبادة على يد الفاشية الصربية المسيحية، وهي نفسها التي حررت ألمانيا وإيطاليا وفرنسا من النازية والفاشية.

مرة أخرى نؤكد أن أمريكا لم تقم بإسقاط الفاشية البعثية لسواد عيون الشعب العراقي، بل لمصالحها التي تمثلت في حربها على الإرهاب والحكومات التي ترعى الإرهاب بعد كارثة 11 سبتمبر 2001. وكان نظام صدام حسين يشكل خطراً على مصالح أمريكا ومصالح أصدقائها في المنطقة. ولكن ولأول مرة في التاريخ تتفق مصالح أمريكا مع مصالح شعبنا، وهذا هو مكر التاريخ. لذا فمن الحكمة والصواب، ومن مصلحة شعبنا الترحيب بهذا التلاقي في المصالح، وأن لا نفوِّت الفرصة الذهبية في الاستفادة منها لخدمة شعبنا.

نعم، لا مبرر للمقاومة في النظام الديمقراطي، لأنه يمكن حل الخلافات بالوسائل السلمية. فالعراق تحكمه حكومة منبثقة من برلمان منتخب من قبل الشعب. ومنذ سقوط الفاشية قبل خمس سنوات أجريت ثلاثة انتخابات بنجاح رغم الإرهاب، وقد شارك في الانتخابات الأخيرة عام 2006، نحو 72% من الذين يحق لهم التصويت. وهذه نسبة عالية تفتقر إليها حتى الشعوب العريقة في الديمقراطية الناضجة. وهذا دليل على أن الغالبية العظمى من الشعب العراقي هم مع العملية السياسية ويريدون الديمقراطية. وعليه ففي حالة وجود تظلمات أو الشعور بالغبن والتهميش وغير ذلك، يمكن حلها بالوسائل السلمية وليس بالتفجيرات والمفخخات. إن اللجوء إلى العنف في هذه الحالة و بذريعة مقاومة الاحتلال، لهو دليل على الإفلاس الفكري والسياسي والأخلاقي، وأن هذه الفئة منبوذة من قبل الشعب، وهي تعرف هذه الحقيقة، لذلك تلجأ إلى العنف لفرض إرادتها على الشعب بالنار والحديد. لذلك أؤكد مرة أخرى، أن ما يسميه البعض “مقاومة” ما هو إلا جرائم إرهابية ترتكبها فلول البعث المقبور وحلفاؤهم التكفيريون ضد الشعب العراقي.

الفرق بين احتلال واحتلال
يعترض البعض على وجود قوات التحالف في العراق، ويعتبرونها احتلالاً مخلاً بالسيادة الوطنية. وعليه فالمقاومة في رأي هؤلاء مشروعة. ونحن هنا لا نتحدث عن البعثيين الذين فقدوا سلطتهم وامتيازاتهم ويعارضون العراق الجديد لأنهم يريدون إعادة حكمهم البغيض، ولا عن حلفائهم من أتباع القاعدة، لأنهم “يجاهدون” لإقامة إمارة طالبانية بندلادنية في العراق. ولكننا نخاطب أصحاب النوايا الحسنة، الحريصون على سيادة العراق فعلاً، الذين وقعوا ضحية دعايات الإعلام العربي والبعثي المسمومة. نقول لهؤلاء يجب أن نميِّز بين احتلال استعماري واحتلال تحرري الذي أنقذ الشعب من الفاشية البعثية.

فالاحتلال الاستعماري، هدفه قتل أبناء الشعب ونهب خيراته. بينما الذي حصل في العراق هو العكس، أي أن أمريكا حررت الشعب من أبشع نظام، وتعمل الآن على حمايته من القتلة المجرمين البعثيين وحلفائهم من أتباع القاعدة. لذلك ليس في العراق احتلال بالمعنى التقليدي الاستعماري للاحتلال لك نقاومه. ولحد الآن كلفت الحرب أمريكا اكثر من 500 مليار دولار، وأدت إلى مقتل أربعة آلاف جندي أمريكي. كما وعملت أمريكا على إسقاط أكثر من 90% من الديون التي أغرق صدام حسين شعبنا بها، والتي تقدر بمائة وعشرين مليار دولار، إضافة إلى مئات المليارات من التعويضات. فلو تركت هذه الديون كما هي، لكان على الشعب العراقي أن يعيش دون خط الفقر إلى الأبد بسب الديون وأرباحها السنوية المتراكمة. فهل هذا احتلال استعماري؟ والمفارقة، أن في الوقت الذي نجحت فيه أمريكا “المحتلة” في إقناع الدول الأجنبية الدائنة بالتنازل عن ديونها، أصرت الدول العربية التي تتباكي على سيادة العراق على رفض إسقاط ديونها، علماً بأنها استفادت مئات المليارات الدولارات من زيادة حصتها من تصدير النفط على حساب حصة العراق خلال 13 عاماً من سنوات الحصار العجاف على الشعب العراقي منذ جريمة غزو الكويت عام 1990 إلى إسقاط حكم البعث عام 2003. كما وجمعت أمريكا نحو 20 مليار دولار من الدول المانحة لإعادة إعمار العراق. فهل هذا احتلال استعماري يجب مقاومته؟

لذلك نذكِّر الأخوة من أصحاب النوايا الحسنة، القلقين على سيادة العراق من الاحتلال، أن الطريق إلى جهنم معبد بالنوايا الحسنة، وأنهم من ضحايا الأيديولوجية والإعلام العربي المضلل، نطالبهم بأن يتحلّوا بالقدرة على التمييز بين احتلال واحتلال. فالذي لا يميِّز بين احتلال استعماري واحتلال لصالح الشعب، هو كمن لا يميِّز بين جرح يحدثه مجرم بقصد الإضرار، وجرح يحدثه جراح لاستئصال ورم سرطاني من جسم المريض. إن نظام البعث كان سرطاناً خبيثاً في جسم العراق كاد أن يقضي على شعبه لولا استئصاله من قبل الجراح الأمريكي. وما يجري الآن من أعمال إرهابية هي نتيجة انتشار بعض الخلايا السرطانية في جسم المريض، يحتاج إلى مواصلة العلاج اللازم إلى أن يتم القضاء التام على آخر خلية سرطانية بعثية قاعدية. وكل المؤشرات تدل على نجاح العملية.

من الخاسر برفض الدعم الأمريكي؟
يرفض البعض الدعم الأمريكي لشعبنا بحجة أن أمريكا قامت بجرائم ضد الدول النامية خلال الحرب الباردة.
ففي الحلقة الأخيرة من حواره معي، كتب الصديق الدكتور كاظم حبيب، قائمة طويلة من هذه الجرائم ملأت عدة صفحات، سطَّر فيها جرائم أمريكا في التاريخ من إبادة الهنود الحمر مروراً بالمؤامرات والانقلابات ضد الحكومات التقدمية والحركات التحررية، وحروبها في فيتنام وغيرها إلى رفضها التوقيع على اتفاقية كيوتو وتأثيرها على البيئة. طيب أنا أتفق معك على هذه القائمة، ولكن يا صديقي العزيز، ما علاقة كل هذا بما يجري في العراق؟ فكما بينت مراراً وتكرار، واتفقت معي، أن السياسة تبحث عن المصالح ولا شيء غير المصالح. وإذا كانت أمريكا وراء مصالحها، فلماذا لا نسعى نحن العراقيين، ونستغل الفرصة التاريخية لنستفيد من أمريكا التي التقت فيها، ولأول مرة في التاريخ، مصالحها مع مصالحنا؟ ولماذا نسجن أنفسنا في شرنقة التاريخ؟ المفروض بنا أن نتحلى بالحكمة وننسى الماضي ونعمل من أجل الحاضر ونخطط للمستقبل الأفضل.

إن رفض الدعم الأمريكي لنا بحجة التاريخ، يذكرني بما قاله طه حسين في سيرته الذاتية (الأيام)، وأنقل هنا من الذاكرة، إذ قال أنه عندما كان طالباً في جامعة القاهرة، وفي أحد الأيام أضرب الطلاب عن الدوام احتجاجاً على الإدارة في مسألة معينة. ولما جاء أستاذ اللغة اللاتينية، وكان إيطاليا، وطلب منهم الدخول إلى القاعة ليلقي المحاضرة، رفض الطلاب الدخول وأخبروه بأنهم مضربون. فأجابهم الأستاذ بأنهم في هذه الحالة هم الذين سيخسرون. فقالوا فليكن. وهنا قال لهم الأستاذ: أنتم تشبهون ذلك الرجل الذي تشاجر مع زوجته وأراد أن يعاقبها، فأخصى نفسه!!! فضحك الجميع، وعلق طه حسين على ذلك، أنه منذ تلك اللحظة كره الإضرابات وعارضها بشدة.
خلاصة القول، إذا رفضنا الدعم الأمريكي لقضيتنا سنكون نحن الخاسرين. لذا فمن الحكمة أن لا نفوت الفرصة التاريخية في كسب أمريكا إلى جانبنا وحتى التحالف معها على المدى البعيد أسوة بكوريا الجنوبية وألمانيا وإيطاليا واليابان وغيرها. وكما قال الرئيس بوش في خطابه البارحة بمناسبة الذكرى الخامسة لهذه الحرب: ” إن قرار شن هذه الحرب كان صحيحاً والانتصار فيها يستحق كل الجهد وإن إزاحة صدام حسين عن الحكم كان قرارا صائبا والانتصار في هذه الحرب لا غنى عنه، و إن بلاده لن تسحب قواتها من العراق قبل تحقيق النصر الكامل. ”
20/3/2008