الرئيسية » مقالات » شهر اذار.. ذاكرة الالام والافراح

شهر اذار.. ذاكرة الالام والافراح

لشهر اذار موقع اثير قي الذاكرة الكوردية ، اذ انه يجمع العديد من المناسبات الموجعة والمفرحة في التاريخ الكوردي القديم والمعاصر، انه ينفتح على صفحات من الاوجاع التي لن تمحى في العقل الكوردي وستبقى شاهدة على ايام تذكر الاجيال اللاحقة بكمية الغدر والظلم التي الحقت بهذا الشعب المحب للسلام والحرية. في 16 اذار عام 1987 شنت القوة الجوية العراقية اشرس وابشع هجوم على قصبة حلبجة، وبأمر من الدكتاتور امطرت السكان الامنين باخر ادوات الموت السامة ، فأحدثت كارثة بشرية وبيئية ستبقى اثارها الى خمسين جيل لاحق كما اكد على ذلك باحثون بريطانيون في السلاح الكيمياوي ، ففي ساعات قليلة وبعد عدة غارات متواصلة استشهد حوالي خمسة الاف انسان معظمهم من النساء والاطفال والشيوخ ، واصيب الاف اخرون باثار الغازات الكيماوية وما زال الموت يحصد البقية الباقية منهم ، هذا عدا الاضرار الكبيرة التي الحقها القصف الوحشي ببيئة المنطقة.
ان ما حدث في هه له بجة كان هولوكوستا اخر ولكن ضحاياه كانوا من الكورد العزل. وفي 1 اذار عام 1979 توفي القائد الاسطوري لشعب كوردستان المناضل الكبير مصطفى البارزاني عن عمر ناهز السادسة والسبعين عاما في المنفى ، فسكتت اسراب القبج عن الشدو ، وخمدت انوار القرى المبثوثة على سفوح زاكروس ، وتحولت ابتسامات صبايا الجبل الى وجوم وعيون تمطر الدم و الدمع ، وفي مرابض البيشمركه العائدين بعد النكسة التهبت القلوب والاكف معاهدة قائد الثورة بأن ثورته لن تخمد الى ان تتحقق الامنيات كلها وترتاح روحه الطاهرة ، مصطفى البارزاني لم يكن مؤسس و رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني فقط ، بل كان اب الثورة الكوردية المعاصرة ، ورمز الفداء والبسالة النادرة في تاريخ الكورد ، فقد قاد ثورة كوردستان التحررية باخلاص ومثابرة لا مثيل لهما ، وحارب كل الانظمة التي تقتسم ارض كوردستان ، فكان زعيم الشعب بأجمعه ، فمن المواجهات الباسلة مع قوات النظام الملكي البائد المدعوم من القوات البريطانية في ثلاثينيات واربعينيات القرن الماضي ، الى مشاركته في انشاء جمهورية كوردستان الديمقراطية في مهاباد بشرق كوردستان (1946) وكونه وزير دفاع الجمهورية الفتية التي اسقطت نتيجة مؤامرات دولية واقليمية والى قيادته المسيرة التاريخية المظفرة لمئات من البيشمركه البارزانيين الى الاتحاد السوفيتي اثر سقوط الجمهورية ، حيث عبر جبال كوردستان العصية مع رجاله وهو يقاوم هجمات جيوش اربع دول ومن كل الجهات برا وجوا الى ان وصل نهر اراس الواقع على حدود الاتحاد السوفيتي السابق ، وليكون الرجل الاخير من بين رجاله الذين عبروا مياهه الباردة المثلجة في ذلك الصقيع الشتائي المهلك. وقد اصبحت احداث وتاكتيات تلك المسيرة مثار اعجاب خبراء حرب العصابات و درسا لاكاديميات عسكرية عالمية ، وهناك في المنفي السوفيتي صبر على مكائد الادارة الستالينية ، ولم ينس البيشمركة الذين رافقوه ، فكان يتفقد احوالهم ويسأل عنهم ، ولم ينس كوردستان وذهب الى بوابة الكرملن يدق بيديه باب القرار السوفيتي ويصرخ انا حامل هموم كوردستان افتحوا هذا الباب لتسمعوا قصة الغدر الذي يعاني منه شعبي . وبعد ثورة 14 تموز 1958 عاد وجمعه المقاتل الى بغداد ، وساند الزعيم عبدالكريم قاسم لتحقيق المبادئ التي اعلنها عقب الثورة ، الا ان الامور بدأت تنحرف باتجاهات شوفينية واعلن الحصار الاقتصادي على كوردستان ورحلت الاف الاسر الكوردية من كركوك الى مناطق بعيدة عن موطنهم الاصلي ، والقي القبض على الالاف من اعضاء ومساندي الحزب الديمقراطي الكوردستاني واغلقت جريدة الحزب (خة بات – النضال) ، وقامت الحكومة بتسليح عناصر لمعاداة الحلركة التحررية الكوردية ، وهاجم الجيش العراقي دربندي بازيان في 11.ايلول.1961 وفي الوقت نفسه بدأت الطائرات تدك منطقة بارزان ، فلم يكن امام البارزاني الخالد الا حمل السلاح مرة اخرى وليعلن ثورة ايلول التي جمعت الكورد كلهم تحت رايتها ، الى ان اضطرت القيادة البعثية في 11 اذار 1970 الى توقيع اتفاقية السلام التي اقرت فيها الحكم الذاتي لكوردستان ، ولكن يبدو ان البعث كان يريد فقط كسب الوقت لذلك لم تمر الا سنتان فحاولت اجهزة النظام القمعية اغتيال القائد البارزاني ثم حاولت اغتيال الشهيد ادريس البارزاني في بغداد (1974) وفي الوقت نفسه بدأت السلطة بممارسة اقذر السياسات العنصرية في كركوك وخانقين وسنجار ومندلي وبعض اقضية الموصل ذات الاغلبية الكوردية وذلك بغلق المدارس الكوردية فيها وترحيل الاف الاسر الكوردية منها ، وبعد انتهاء فترة السنوات الاربع لم يقدم البعث الا ماهو سلبي وسيء ومجحف مستمرا في سياساته العنصرية وخصوصا في كركوك وخانقين ، ورفض الحاق كل كركوك بمنطقة(الحكم الذاتي) حينها انتفض البارزاني مرة اخرى ، وقال قولته الشهيرة من ان كركوك هي قلب كوردستان وشلت اليد التي توقع على اتفاقية تكون كركوك فيها خارج كوردستان. وفي اذار ايضا نفسه يحتفل الكورد بعيد ميلاد القائد الخالد البارزاني اذ يصادف يوم مولده يوم الرابع عشر من اذار عام 1903 كيوم يحمل تباشير ميلاد قائد قومي كبير ايقظ الكورد من غفوة السنين ، وليواصل انتفاضات الكورد التي كانت مستمرة في اكري داغ وديرسيم والسليمانية ايام الشيخ محمود الحفيد ملك كوردستان . انها صدفة غريبة ان يحتمل اذار وقع حدثين مهمين كذكرى ميلاد القائد الخالد البارزاني وذكرى وفاته ايضا. وفي 6 اذار 1975 وقع دكتاتور العراق مع شاه ايران بوساطة عراب الغدر هواري بومدين رئيس الجزائر وبمباركة اميركية وثيقة الجريمة المسماة باتفاقية الجزائر التي قضت بتنازل الدكتاتور عن نصف مياه شط العرب ومساحات واسعة من الاراضي العراقية الحدودية الى ايران مقابل معاونة ايران للقضاء على الثورة الكوردية ، حيث ادت تلك الجريمة الى نكسة كبيرة للحركة التحررية الكوردية وقد اصبحت امام تهديد مباشر من اكثر من اربع دول ، فكان الانسحاب الموجع الكبير ، الذي لم يطل كثيرا وفي اقل من عامين من ذلك التاريخ بدأت كتائب الثوار الكورد تدخل اعشاش النسورمن جديد ، وتمسك بالذرى لتصبح اتفاقية الجزائر ورقة صفراء تدوسها اقدام البيشمركه الكوردستانيين. ومن الاحداث المهمة جدا التي شهدها شهر اذار ايضا ، كانت احداث انفجار الانتفاضة الكوردية الكبيرة عام 1991 حيث استطاعت جماهير الشعب الكوردي تحت قيادة الطلائع الثورية للحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني واحزاب كوردستانية اخرى من تطهير كوردستان من سلطة النظام السابق ، وتأسيس سلطة شعب كوردستان ، وقد سجلت تلك الاحداث كيف ان اوكار النظام ومعسكراته كانت تتهاوى امام ضربات الشعب والبيشمركه، وقد سجل شعب كوردستان في تلك الملاحم انضباطا رائعا في اخلاقيات المقاومة عندما استسلم جنود فيلقين كاملين الى البيشمركه ودون ان يتعرض اي منهم الى اي نوع من الاعتداء ، ويطلب منهم اما المغادرة الى اهليهم او البقاء مكرمين. وفي اذار ايضا تعرضت عروس غرب كوردستان ، مدينة القامشلي الاثيرة ، لهجوم الهمجية البعثية السورية ، فسالت دماء طاهرة في شوارعها كل قطرة منها هي اشرف واطهر من كل كراسي وتيجان الحكام العنصريين . ويأتي الغباء التركي ليسجل لعنة على نفسه ولتدنس جيوشه الغازية ارض اقليم كوردستان في الشهر نفسه ، ولكن لتغادرها ايضا في الشهر نفسه محملة بخزي الهزيمة وعار الانكسار. ويتكلل كل تلك المناسبات بعيد نوروز ، العيد القومي للشعب الكوردي 21 اذار من كل عام ، حيث يحتفل شعب كوردستان كله بالعيد بطريقة جميلة يصعب وصفها ، حيث تشتعل رؤوس الجبال ليلة 20-21 اذار بالنيران الملتهبة ، ويخرج الناس الى الساحات ليرقصوا ويغنوا وينسوا كل الماسي ويبدأوا السنة الجديدة الكوردية بالضحكات والابتسامات الطالعة من القلب ، وفي اليوم التالي تفرغ المدن تقريبا من سكانها حيث يتوجه الكل الى الوديان الخضر والسهول وسفوح الجبال يفترشون الارض الخضراء وسجادات النرجس وشقائق النعمان والف الف نوع من ازاهير البرية ، وتمتد ايام العيد لحوالي اسبوع في كرنفالات ملونة هي الابهى في الحياة الكوردية. كم اتمنى ان اكون هناك الان ، لاتنفس هواء اذار فيزيل الهم ويهزم كل الداء ..
كم اتمنى ان اكون هناك الان فادوخ في حضرة جمال سيدتي ، جميلة الجميلات … تلك البلاد التي هي عنوان الجمال كله.
كم اتمنى ان اكون الان هناك لاسمع مقام (قه تار و الله وةيسي) بصوت المطرب الكركوكي (شكر خياط) في دكانه الصغير وسط محلة الشورجة بكركوك ..ملاعب صباي وجنة احلامي الى اليوم. سلاما كوردستان نه وروز عيد الجمال و موقد نيران الخلود والطهارة ، سلاما كوردستان التسامح والاخوة ، سلاما ارض المحبة والسلام ، سلاما ارض الشهداء والبيشمركه ، سلاما اذار التاريخ…. سلاما وطن البارزاني الخالد …. ذاكرة مضيئة لما مضى وبناء لمستقبل ات ابهى.
التآخي