الرئيسية » مقالات » وقائع الاحتفال الذي أقامه الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (( البارتي )) يوم 14/3/2008 بالذكرى الخامسة بعد المائة لميلاد البارزاني الخالد

وقائع الاحتفال الذي أقامه الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (( البارتي )) يوم 14/3/2008 بالذكرى الخامسة بعد المائة لميلاد البارزاني الخالد

(3)

إلى عظيم الأمة الكردية البارزاني الخالد
في الذكرى الخامسة بعد المائة لميلاده
توفيق عبد المجيد

نحتفل هذا اليوم بمناسبة عظيمة ، كانت بمثابة البشرى ، وهي تزف إلى الأمة الكردية المبعثرة ، أن ابشري يا أمة المظلومين فقد ولد المصطفى ، ابشري يا أمة الكرد فقد جاء من يفسر الحلم الكردي الطويل الذي عجز الكثيرون عن فك طلاسمه وألغازه ، جاء من يفكك شيفرة النضال الكردي ليوائمها مع الظروف والمعطيات ، جاء المنقذ والمضحي والمخلّص ، أجل إن هذا اليوم هو الذي يختزن في ذاكرته المناسبة الخامسة بعد المائة على ميلاد هذا القائد التاريخي مصطفى البارزاني الذي هو رمز كبير من رموز الأمة الكوردية ، وشخصية وطنية مهمة من شخصيات حركات التحرر في العالم
أيها الحضور الكريم :
يصنف البارزاني الخالد وبامتياز – بحسب التاريخ والمؤرخين – في عداد ثلاثة ساهموا في صناعة التاريخ وأسطرته وتدوينه حتى تقتبس منه الأجيال دروساً في التضحية والفداء ، ونكران الذات ، ومن ثم لتقتدي به وتنهل من معينه الذي لا ينضب ، وتتخذ من سيرته ويومياته دروساً عملية ، فقد كان أسطع وأنجح مثال تقتدى به الشعوب المستعبدة والأمم المغلوب على أمرها ، لأنه ترك لشعبه وأمته نبراساً تهتدي به ، ولن تضل فيما لو سارت على هديه ، وترك بصمات واضحة في تاريخ النضال الكردي الطويل ، فهو واحد من أولئك القادة العظام في تاريخ شعوبهم ، كهوشي منه أسطورة الشعب الفيتنامي ، ونيلسون مانديللا الإفريقي ، والقائد الهندي غاندي ، والثائر العالمي الذي اقترن اسمه بالمدافع عن الفقراء والمظلومين ، غيفارا .
أجل ! لقد كان للبارزاني درو تكاملي مزدوج في صناعة التاريخ ، فهو المثقف والسياسي والقائد معاً ، ورفض بعنف أن يكون من تجار السياسة ، أولئك الذين ينتظرون الفرص المؤاتية حتى ينقضوا على المكاسب ويستأثروا بها ، لذلك بقي اسمه محفوراً في الذاكرة الكردية ، ومدوناً بأحرف من نور في أرشيف النضال الكردي الطويل ، كقائد أسطوري عظيم ناضل من أجل شعبه الكردي أينما كان .
فمنذ الطفولة ، بل الرضاعة ، ناضل البارزاني الخالد وحتى الممات ، من المهد إلى اللحد ، من أجل حرية شعبه الكردي الذي ابتلي بأشرس أنواع الاستعمار والمستعمرين أولئك الذين فتكوا بالجسد الكردي وقطعوه إلى أشلاء مبعثرة فق سجنوا القائد الخالد مع المرحومة والدته وهو طفل يرضع ، وعندما سئل ذات يوم هذا السؤال : ( متى تولد الشعور القومي لديك ؟ فأجاب ببساطة وعفوية : عندما كنت أرضع حليب العذاب والألم من صدر أمي , وقد غدا كل ذلك قوة وإصراراً كبيرين وحين سألتها ذات يوم في السجن , لم يظلموننا يا أماه ؟ فأجابت لأننا كورد ، حينئذ تولد الشعور القومي لدي ) .
إن الخالد مصطفى البارزاني – كما يعرف الجميع – هو حفيد العائلة البارزانية التي حملت لواء النضال التحرري الكردي في كردستان الجنوبية ضدّ النير العثماني، بعد ثورة تركيا الفتاة عام 1908-1909، وقد دخل السجن مع والدته طفلاً لا يتجاوز الثالثة من العمر ، ثم انخرط في النضال السياسي في أعوام 1930 و1935 ، و 1945 عندما عبر الحدود إلى إيران ووضع نفسه تحت تصرف القاضي محمد ليخدم الجمهورية الوليدة جندياً ومن ثم وزيراً لدفاعها وعندما اشتد التآمر الدولي وتوضح ، على الجمهورية الفتية ، لم يكن أمام القائد الخالد سوى العبور إلى الاتحاد السوفييتي في رحلة أسطورية متجاوزاً نهر آراس فكان هذا العبور عبوراً إلى المستقبل الذي سيأتي من أوسع الأبواب وعندما حدثت ثورة تموز عاد البارزاني مرة أخرى إلى العراق ليواصل الكفاح والنضال في بداية الستينات ، وأثمر نضاله ونضال الشعب الكردي معه عن اتفاقية الحادي عشر منه آذار عام 1970 ، وعندما تكشف التآمر الدولي أكثر ضد الكرد وثورتهم أوقف البارزاني الخالد الثورة الكردية المسلحة بانتظار جولة أخرى من النضال ، ولكن الموت كان أسرع هذه المرة عندما لم يمهله ليكمل المشوار فتوفي في الأول من آذار عام 1979.
لقد استطاع الخالد البارزاني بكفاحه الطويل لأجل شعبه الكردي وعلى مدى عشرات السنين أن يضع اللبنات الأساسية والثابتة ليسير عليها أبناء الشعب الكردي باتجاه التحرر والانعتاق من شتى الأنظمة التي حكمت ومازالت تحكم كردستان ، وها هو نضاله يثمر في إقليم كردستان ، وها هي راية جمهورية مهاباد تخفق بكبرياء وشموخ في سماء إقليم كردستان بفضل المخلصين من أبناء هذا الشعب ، حيث كان الرئيس مسعود البارزاني خير خلف لخير سلف عندما استطاع أن يحافظ على الأمانة الغالية التي ائتمنه عليها والده ويرفعها في سماء الإقليم
قال فيه المفكر العربي هادي العلوي : ( الملا مصطفى قائد وطني شريف , ولم تكن له مطامع شخصية , وزعامته كانت لعموم الشعب الكردي )… وتحدث عنه المرحوم كمال جنبلاط : ( الملا مصطفى البارزاني مهذب جدا , ومتواضع وله شخصية قوية جدا , وعنده صفات قادة الجيوش العصريين ) كما قال فيه الدكتور أحمد أبو مطر، الكاتب الفلسطيني الصديق للشعب الكردي ( لا يختلف عربيان أو كرديان على أن القائد الراحل مصطفى البارزاني أمضى غالبية سني عمره الأربع والسبعين مناضلا في صفوف الحركة الكردية ، وقد أعطى الحركة الكردية المناضلة ضد قمع ومصادرة حقوق الشعب الكردي من الزخم والعطاء ما جعل اسمه كواحد من القيادات البارزانية ، يرتبط بقلب النضال الكردي ، فأصبح رمزا من رموز هذا النضال ) .
وقال فيه الصحفي الأمريكي صديق الشعب الكردي ( جوناثان راندل ) : ( من بين جميع شهداء الحركة القومية الكردية وأبطالها ، فإن للبرزاني مكانة خاصة عند الكرد ، ويمكن العثور على صورته معلٌقة في منازل الكرد البسطاء في تركيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق ، وفي مكاتب الصحافيين المشهورين في واشنطن! . فحياته أشبه بأسطورة ، والإنجازات العسكرية التي حققها في ميادين القتال ، تشكل أحد المصادر القليلة لاعتزاز الكرد بهويتهم القومية وهم يروونها لأبنائهم وأحفادهم مراراً وتكراراً حيثما وجد كردي ، وأسهمت في إبقاء الحركة القومية الكردية حٌية على مدى عقود طويلة ، وقد أمتلك البرزاني ذلك الشرط الرئيسي من شروط القيادة ، أي القدرة على اجتذاب الولاء العاطفي لشخصه ، والذي دفع الرجال والنساء على ترك كل شىء خلفهم والسير وراءه مهما تكن الظروف صعبة المخاطر) .
أما المفكر العراقي حبيب تومي فقد سلط الأضواء على واقعيته مظهراً أنه جسد بالقول والممارسة أن السياسة هي فن ممارسة الممكن ، ولذلك فقد ( علمته – والمقصود هنا البارزاني – تجربته المريرة والطويلة بالحياة ان يكون مقتصداً في مطاليبه ويحوّرها مع ما تسمح به الظروف الموضوعية فيقتنع بالممكن ، وربما اقل من ذلك ) ولذلك كان البارزاني صمام الأمان لشعبه وحركته وبمثابة ( القيادة الحكيمة التي تضبط الدفة مع البوصلة التي تتجه ابداً نحو الهدف الرئيسي في قضية شعبه ) فمن المحال بعد هذه الحياة الزاخزة أن ينسى الشعب الكردي خصوصاً ، والعراقي عموماً هذه الشخصية الأسطورية .
كما يروي لنا التاريخ أنه ( يوم اعتزم على القيام بالمسيرة التاريخية الى الإتحاد السوفياتي عام 1947 حيث خطب برجاله قائلاً
أيها الأخوة ، إنني سائر إلى مصير مجهول لا أدري هل أموت من الجوع أو من البرد أو برصاصة الأعداء ، فالموت هو اقرب احتمال بالنظر إلى وضعنا ، هذا إلا أن الله أقوى وأكبر من كل الأعداء وبالتوكل عليه اخترت التحدي ، فليبق معي كل من يرى في نفسه القدرة على تحمل الصعاب وتحمل هذا المصير ، ومن لا يرى في نفسه القدرة على التحمل فبإمكانه العودة وتسليم نفسه وأقول له هذا وأنا شاكر وممتن له
ولم يخرج من الصفوف أحد وربطوا مصيرهم مع مصيره .
ويقول فيه صديق الشعب الكردي الدكتور منذر الفضل :
سيبقى مصطفى البارزاني شخصيّةً كوردية – عراقية فذّةً في تاريخ الشّعب الكورديّ أولا ، وسيبقى مصدر الإلهام والمثل للشبابّ الكورد وهو الذي يلقب بالأسطورة الجبلية.
لقد رفض البارزاني الخالد اللجوء إلى التطرف السياسي والعنف الثوري ، ويسجل له أنه كان دائماً يكره اللجوء إلى أسلوب الاغتيالات السياسية ، واللجوء إلى الإرهاب ، ومن ثم سجلت هذه المزايا للحركة التحررية الكردية وبشهادات قادة عالميين ، وبفضل عظمة البارزاني وتواضعه وتسامحه تجاه الأسرى خاصة والذين لم يسمهم قط أسرى ، بل أخوة للكرد ، اختزلت هذه المزايا في كلمة مختصرة قالها الرئيس المصري حسني مبارك : ( إنه رجل عظيم يستحق القراءة عنه )
ومن المفيد أن نعيد نشر إحدى خطب الملا مصطفى البارزاني ، التي تعكس المحبة والإخوة الصادقة تجاه الأخوة العرب ، وكان قد ألقى الخطاب في الخامس عشر من نيسان عام 1967 في مؤتمر ضباط البيشمركة ومسؤولي وقادة الحزب الديمقراطي الكردستاني
( الكرد والعرب إخوان ويمكنهم ان يعيشا بصفاء وانسجام وسلم.. نعم العرب الأخ الأكبر ونحن أخوهم الأصغر ونحن نقول ليس من العدل والإنصاف أن يبقى الأخ الأصغر في جوع وعوز ولا يستطيع تحصيل العلم ويحصل على قسط من العلم ولا يمكن أن يبدي برأيه في إدارة ماله المشترك.. وان الأخ الكبير يسيطر على كل المال والأشياء بنفسه.. يجب مراعاة العدالة والأخ الأصغر لا يجوز أن يظلم ويمس بالغدر والظلم.. نحن في ثورتنا هذه نريد مصلحة العراق أولا للعرب وثانيا للأكراد ولكافة الشعب العراقي تركمانا وأشوريين وأرمن ومن يكون.. نحن نريد حكومة عادلة ديمقراطية منتخبة انتخابات حرة بعيدة عن الضغط والإكراه والظلم وان يشرع قانون كله للعدالة والذي يشرعه الشعب العراقي بنفسه لنفسه وان لا يقول في كل يوم احد العسكريين (قررنا ما يلي) ، نحن لا نهاجم أحدا ولن نهجم على احد نحن لا نحب سفك الدماء والقتال مابين الأخوين العرب والأكراد) .
وفي الختام : لقد استطاع البارزاني الخالد ، هذا القائد الميداني ، ببساطته ، وتواضعه ، وإنسانيته ، أن يضرب أكبر الأمثلة في التسامح والتواضع من منطلقه الإنساني ، وأن يفصل منذ البداية بين الأنظمة والشعوب ، ويبشر بالديمقراطية التي هي مفتاح الحل لشعوب المنطقة فرفع شعار ( الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان ) كما كان يمارس دوره كقائد عسكري دون أن يوصد أبواب الحوار والتفاهم مع من يدخل معهم في معركة ، وكان ذا بعد قومي في نضاله ، ولم ينطلق من أيديولوجية جاهزة ونظريات مؤطرة ، بل كان مخلصاً لشعبه ووطنه وصاحب مدرسة لها منظومة متكاملة من الأخلاق والقيم العليا ، يأتي في أولويات نضاله ، النضال من أجل الشعب ، وهو القائل ( إنني فقير وسأبقى مع الفقراء دوما ) .
كما لم يكن متحزباً رغم كونه رئيساً للحزب ، بل كان الابن البار للشعب ، والساهر الأمين على تحقيق مصالحه ، مؤمناً كل الإيمان بأن الشعب أكبر من الحزب ، وأن قوة الحزب في مؤيديه وليست في أعضائه ، أجل لقد كان الخالد معلماً في التواضع والزهد ، كان نابغاً في الحكمة والفلسفة ، كان مدرسة في السلوك الحسن ، والأخلاق الحميدة ، والتسامح المتدفق من قلبه الكبير ، والعفو عند المقدرة ، والتعامل الإنساني مع الأسرى ، كجده صلاح الدين الأيوبي ، كما كان كارهاً للحروب إلا في حالات الدفاع عن النفس ، وإلا إذا فرضت عليه ، مفضلاً الحوار السلمي على الحوار المسلح ، فعبر بصريح العبارة عن إستراتيجيته العسكرية قائلاً ( إن عقيدتي هي تحقيق مطالب شعبي وأن أفدي روحي في سبيل قضيتي …. وان حزبنا ليس ضد العرب ولا ضد أي قومية أخرى ، ولا نشارك في ثورة من أجل اسم أو شهرة ، إن العرب والأكراد أخوة ، ولا يجوز التفرقة بين الأخوة ، إننا لم نهاجم أحدا بل ندافع عن حقوق شعبنا الكردي ) .
سيبقى مصطفى البارزاني مدرسة في النضال التحرري ، والمثل الأعلى للشعب الكردي ، وسيبقى مصدر إلهام للشباب الكرد لأنه استحوذ على مشاعرهم وقلوبهم ، بالقيم النبيلة والصفات الحسنة التي اتصف بها ولذلك منحه الشعب الكردي وسام ( الأب الروحي للكرد ).

للبحث يقية …

في 20/3/2008
المكتب الإعلامي للحزب الديمقراطي الكردي
في سوريا – البارتي –