الرئيسية » مقالات » مصر على أبواب انفجار اجتماعي كبير؟

مصر على أبواب انفجار اجتماعي كبير؟

القاهرة
الإضرابات والتظاهرات لزيادة الرواتب كانت مفاجأة للحكومة المصرية التي تعيش يوما بيوم، أما لكثير من المراقبين فلم تكن إلا نتيجة طبيعية لحالة التدهور المستمر التي يشهدها الاقتصاد المصري بحسب بيانات النشرة الشهرية لمركز معلومات مجلس الوزراء، حيث قفز معدل التضخم من 0.4 في كانون الاول 2007 إلى 4 في كانون الثاني 2008، وهو ما يعني أن كل جنيه مصري فقد 10% من قيمته ما بين عشية وضحاها هي مسافة الانتقال من كانون الاول الى كانون الثاني.
وتتوالى بقية المؤشرات لتخبرنا بمدى سوء الوضع؛ حيث انخفضت الصادرات المصرية الزراعية بمقدار النصف تقريباً من ٩٤,٤ مليون دولار إلى ٤٨,٥ مليون دولار، كما انخفضت الصادرات الصناعية بمقدار الثلث تقريباً من ٣٧٣مليون دولار إلى٢٦٤,٣ مليون دولار، بينما ارتفعت الصادرات المصرية من الوقود من ٧٢٧ مليون دولار إلى ٨٤٠,٥ مليون دولار؛ في الوقت الذي يشكو فيه المصريون من ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي والسولار وهو ما يطرح تساؤلاً عن ترتيب أولويات الإدارة الحكومية المصرية التي لا تجد حرجاً في زيادة الكميات المصدرة من النفط والغاز رغم حاجة السوق الداخلية، في المقابل ارتفعت الواردات المصرية من ٢٤٠٥,١ ملايين دولار إلى ٢٧٤٠,٤ مليون دولار، ووفقا للأرقام الرسمية فإن أسعار المواد الغذائية قفزت، كما حدث مع الخبز غير المدعم الذي ارتفع بنسبة ٥.٢٦% خلال عام واحد. وارتفعت أسعار منتجات الألبان بنسبة ٢٠% والزيت بنسبة ٤٠%، وأكد برنامج الغذاء العالمي مطلع الشهر الجاري إن مصاريف الأسرة المصرية المتوسطة ازدادت بنسبة ٥٠% منذ بداية عام ٢٠٠٨.
المشهد قاتم
يمكننا القول إن كل الفئات بلا استثناء تطالب بزيادة أجورها بدءاً بالعمال، مروراً بموظفي الدولة في عدد من القطاعات منها الضرائب العقارية، وحتى الأطباء وأساتذة الجامعة والقضاة.
الموجة الأكبر من الإضراب بدأت في ايلول الماضي عندما أضرب 27 ألفًا من عمال غزل المحلة مطالبين بحصة في الأرباح ورفع الأجور، ومن “انتفاضة المحلة” إلى باقي القطاعات العمالية بدأت ملامح الصورة تتشكل وهو ما دفع الاتحاد العام لنقابات العمال لطلب زيادة الحد الأدنى لأجور العاملين الى ٨٠٠ جنيه (145 دولاراً) مع وضع حد أقصى للأجر الشامل للعامل.
ومن العمال إلى الموظفين شهد عدد من المصالح الحكومية إضرابات مماثلة بدأها موظفو الضرائب العقارية نهاية العام الماضي حيث اعتصموا لمدة ١١ يوماً كاملة بدءاً من ٢/١٢ وحتى ١٣/١٢ أمام مجلس الوزراء للمطالبة بمساواتهم بموظفي الضرائب من وزارة المال وهو طلب ليس معناه أكثر من زيادة الأجور. وتكرر الشيء نفسه في الجيزة حيث اعتصم نحو 300 من موظفي مديريات التضامن الاجتماعي للمطالبة بمساواتهم مع موظفي ديوان عام الوزارة، ورفع حوافزهم من 25% الى 200%.
المدهش أن الاحتجاجات للمطالبة بزيادة الأجور لم تقتصر على العمال أو الموظفين في درجاتهم الدنيا، إنما طالت العديد من الفئات المهنية العالية؛ حيث تظاهر ما يقرب من مئتي طبيب أمام مجلس الشعب، احتجاجاً على عدم إقرار الحكومة الكادر الخاص بهم، وكان في مقدمتهم الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء، وعشرة من نواب مجلس الشعب من الأطباء. رفع المتظاهرون لافتات تطالب بأن يكون راتب الطبيب عند بداية التعيين ألف جنيه (180 دولاراً)، ونددوا بتدني الأحوال المعيشية للأطباء في ظل الغلاء الفاحش وارتفاع تكاليف دراسات الطب، وهددوا بالإضراب عن العمل في حال استمرار الحكومة في تجاهل مطالبهم.
ومن الأطباء الى اساتذة الجامعات لا يختلف الوضع كثيراً حيث نظمت مجموعة 9 مارس – حركة مكونة من أساتذة الجامعات للمطالبة باستقلال الجامعة ووقف التدخل الأمني – عدداً من الوقفات الاحتجاجية للمطالبة بكادر خاص لأعضاء هيئة التدريس في جامعة المنصورة وفي جامعة المنيا.
حتى القضاة يهددون بتنظيم وقفة احتجاجية في ناديهم النهري بالقاهرة وإقامة اعتصام مفتوح في حال عدم استجابة الحكومة لمطالب النادي برفع رواتب القضاة حسبما أعلن المستشار زكريا عبد العزيز رئيس النادي.
وما زالت تتوالى الاحتجاجات على انخفاض الأجور سواء بين العمال أو الموظفين وحتى الفئات المهنية الأعلى، وغالباً ما تتشكل الاحتجاجات في تظاهرات ترتفع فيها المطالب وبيانات تهدد بالإضراب، ثم تتحول التظاهرات إلى اعتصامات وإضراب عن العمل.


الرد الحكومي
في المقابل فإن الحكومة ترد على التظاهرات والاعتصامات المتوالية بالتلبية والترغيب أحياناً وبالترهيب وتجريم الإضراب في أحيان أخرى خاصةً بعد أن أتى إضراب موظفي الضرائب العقارية ثماره، حيث أعلن الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء أن إضراب موظفي الحكومة محظور، وأن حالة موظفي الضرائب العقارية كانت استثناء، مشيراً إلى أن هناك فكرة خاطئة بأن الحكومة لا تستجيب إلا بالإضراب أو لي الذراع.
ورغم أن تصريحات نظيف تأتي في سياق الرد على تلويح الأطباء بالإضراب كورقة ضغط على الحكومة إلا أنها في الوقت ذاته تكشف عن كيفية إدارة الحكومة أزماتها، فبدلاً من الحديث على قواعد أو لوائح تحدد طريقة استجابة الحكومة للمطالبات بزيادة الأجور أكد نظيف على فكرة عدم استجابة الحكومة للضغوط أو لي الذراع بحسب تعبيره، وبدلاً من إقرار حق المواطنين في التعبير عن حقوقهم المشروعة في حياة كريمة جَرّم الإضراب عن العمل ضارباً عرض الحائط بالمواثيق الدولية التي وقعت عليها مصر في مجال حقوق العمال في المطالبة بأجور عادلة. وليس أدل على التخبط الحكومي من رد وزير المال في السياق ذاته، فبعد توزيع الوزارة بياناً على الصحف يعلن فيه الوزير عن بدء إجراءات تخصيص كادر للأطباء، تراجعت وزارة المال عن محتوي البيان الذي أرسلته إلى الصحف ووكالات الأنباء وعادت لتنبه الصحافيين لعدم نشر البيان مما يعني تراجع الوزير والحكومة عن الوفاء بوعودهم للأطباء بزيادة الأجور.
الأطباء من جانبهم حاولوا الحفاظ على التأييد الشعبي لمطالبهم بالإعلان عن استثناء أقسام الطوارئ والاستقبال والرعاية المركزة والحالات الحرجة والعمليات والحوادث وبنوك الدم والمبتسرين والمستشفيات التعليمية من الانضمام للإضراب الذي يستمر ساعتين من التاسعة الى الحادية عشرة صباح الخامس عشر من آذار.
التذكير بتظاهرات الخبز
18 و19 كانون الثاني 1977
السؤال الشاغل لكل المراقبين سواء المشاركين في الإضرابات أو المحللين والصحافيين الذين يرصدون ما يحدث هو هل ستتكرر أحداث 18، 19 كانون الثاني عندما خرج المصريون من الإسكندرية إلى أسوان للاحتجاج على ارتفاع الأسعار.
وقبل الإجابة بنعم أو لا علينا رصد بعض مظاهر ما حدث من إضرابات واعتصامات في الشارع المصري؛ أولها اختفاء التنسيق وغيابه بين الحركات المختلفة. فبينما خرج المصريون – من الإسكندرية الى أسوان – في العام 77 بتزامن حوّل الشوارع إلى فوضى خلاقة تصلح كورقة ضغط؛ فإن حركات العمال والموظفين وحتى الفئات المهنية الأعلى في 2007/2008 تتحرك في معزل عن بعضها بمنطق “كل يغني على ليلاه”، للدفاع عن مطالب فئوية، ولا يوجد ما يجمع حركتهم بسبب ضعف الأحزاب والحركات الاجتماعية. فمثلاً حركة مثل “كفاية” أو “مصريون ضد الغلاء” أو حتى “مصريون ضد البيع” كلها حركات ناشئة- باستثناء “كفاية” – وليس لها قواعد شعبية تستطيع التنسيق بين الحركات المختلفة، لذا فإن معظم التحركات من تظاهرات واعتصامات تمت باتفاق أفراد وأحياناً بتدخل وتنسيق من النقابات مثل نقابة الأطباء واتحاد النقابات العمالية.
على الجانب الآخر فإن أبرز اختلاف قد لا يؤدي إلى تكرار أحداث كانون الثاني 77 هو القبضة الأمنية المسيطرة – مقارنة بالقبضة الأمنية في 77 – الآن لا تخرج تظاهرة إلا بعد تطويقها بتشكيلات من عربات الأمن المركزي، وغالباً ما تكون نسبة العسكر إلى المتظاهرين 10 إلى 1، فضلاً عن غلق كل المخارج والمداخل المؤدية الى مكان التظاهرة ولا عزاء لحالة المرور، ولكل مرتادي الشارع من الرجال والنساء الذين يأخذون انطباعاً بأنه لولا التظاهرة لما تعطلت مصالحهم وهو سبب آخر لمنع التواصل بين رجل الشارع غير المسيس أو غير المنتمي لأي حركة اجتماعية وبين الحركات الاجتماعية التي تشب وتشيب وعدد المنتمين فيها ثابت إن لم ينقص وبالتالي فإن كثيراً منها ينتهي بعد فترة.
رد الفعل الحكومي أحد العوامل المؤثرة في ترجيح تكرار انتفاضة الخبز من عدمه، فالرئيس مبارك تعلم من سلفه السادات الذي وعد بالرفاهة ثم فاجأ الشعب برفع أسعار السلع الأساسية ففاجأه الشعب بانتفاضة حاصرته في استراحته بأسوان. لذا نجد حكومات مبارك لا تصرح بما تخطط له إنما تلمح له بصك كلمات جديدة. فإذا كان هناك تخطيط لإلغاء استفادة شرائح من المواطنين من الدعم تقول ” وصول الدعم لمستحقيه “، “دعم الفئات الأَوْلى بالرعاية”، وإذا حدث ارتفاع في الأسعار تقول ” تحرك لأسعار السلع عالمياً ” بما يعني أمرين أولهما نفي صفة الغلاء إنما مجرد تحريك لسعر السلعة، وثانياً إن ما حدث خارج عن إرادتها المحلية؛ ولا أحد يجيبنا لماذا لم نعد ننتج كفايتنا من الحبوب فضلاً عن القمح. تتحدث الحكومة عن ارتفاع الأجور ولا تتحدث عن انخفاض القيمة الحقيقة للأجور بسبب ارتفاع معدلات التضخم.
ربما كان شعار “يا رئيس الجمهورية… العدالة الاجتماعية” الذي رفعه موظفو الضرائب العقارية في اعتصامهم قادراً على صياغة الإجماع المفتقد، فالمسألة ليست مجرد طلب زيادة جنيهات في بدل أو علاوة أو كادر وظيفي، لكنها مطالبة بالتوقف عن حزمة من السياسات التي تتبعها الحكومة المصرية والتي تسببت ليس فقط في توسيع الهوة بين الأغنياء والفقراء ولكن في إفقار المصريين بدفع أعداد جديدة من المواطنين الى الفقر كل يوم، لكن أحداً لم يتلقف الشعار العفوي الذي ضاع وسط شعارات أخرى رفعها المتظاهرون مثل “يا حكومة الاستثمار إحنا عايزين القرار”، “اربط أجري بالأسعار أصل العيشة مرة مرار”.
إفقار المصريين
بحسب تأكيدات البنك الدولي فإن معدل الفقر في مصر يتزايد منذ عام ٢٠٠٠، هناك ٢٠% من الـ٧٨ مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر دولاران يوميا) و٢٠% منهم يعيشون بالكاد فوق خط الفقر ويعد ٨.٣% في حالة فقر مدقع، لذا فإن المطالبة بزيادة الحد الأدنى للأجور ليست إلا مطالب بتخفيف حدة الفقر ومنع انزلاق فئات جديدة تحت خط الفقر.
وبدلاً من استجابة الحكومة بتحديد حد أدنى حقيقي للأجور يتناسب مع مستويات المعيشة ويتحرك سنوياً وفقاً لمعدلات التضخم فوجئ المصريون بتقديرات هزيلة للمجلس الأعلى للأجور الذي لم يجتمع منذ 3 سنوات إلا الشهر الماضي تحت ضغط مطالب الحركات الفئوية، ليخرج علينا بتوصيات للحد الأدنى للأجور تنقسم الى ثلاثة مستويات هي: 250 جنيها (50 دولاراً) للعامل غير المؤهل علميا، و275 جنيها (55 دولاراً) للعامل الذي يحمل مؤهلا متوسطا، و300 جنيهاً (60 دولاراً) للعامل الذي يحمل مؤهلا عاليا، وإن كان لسان حال المصريين المتابعين لتوصيات المجلس الأعلى للأجور يقول “تمخض الجبل فولد جرذا “، فالمدهش أن يكون رد وزير التنمية الاقتصادية الدكتور عثمان محمد عثمان أن الاقتراحات الخاصة بزيادة الحد الأدنى للأجور تحتاج الى تعديل القانون الرقم 53 لعام 1984 الذي ينص على أن الحد الأدنى للأجور 35 جنيهاً شهريا (7 دولارات)، مشيراً إلى أن التعديل يتطلب موافقة مجلس الشعب وتصعب مناقشته وعرضه في الدورة البرلمانية الحالية، وبالتالي سيستغرق الكثير من الوقت، وهو ما دفع المصريين للرد “رضينا بالهم والهم مش راضي بينا”.
إلا أن المشكلة الحقيقية في زيادة الحد الأدنى للأجور ليست في ضرورة موافقة مجلس الشعب على التشريع الخاص بذلك، لكن في تدبير الموارد المالية اللازمة لتعديله، حيث يبلغ العجز التجاري بحسب النشرة الشهرية لمركز معلومات مجلس الوزراء ١٠٣١,٧مليون دولار، كما انخفضت عائدات قناة السويس من ٤٢٦,٣ مليون دولار في كانون الاول 2007 إلى ٤١٤,٢ مليون دولار في كانون الثاني 2008، وهو ما يتطلب إعادة النظر في أولويات الإنفاق العام، حيث هناك مبالغة في بعض أوجه النشاط الحكومي مما يتطلب إعادة هيكلتها.
الانتحار حلاً
إن كانت الاحتجاجات والحركات العمالية المطالبة بزيادة الحد الأدنى للأجور محاولة إيجابية للدفاع عن الحقوق فإن الإحباط واليأس من تحصيلها قد يدفعنا إلى الانتحار وترك الدنيا للحكومة التي ترفض ” لي الذراع ” وهو ما فعله محمد فتحي محمود – ٣٩ سنة- في 5 أذار الماضي، حيث تناول مبيداً حشرياً احتجاجاً على غلاء المعيشة، مودعاً الدنيا بكلمات ” والله… والله أنا مؤمن موحد بالله… لكني أقر وأعترف بأني أخذت المبيد الحشري بإرادتي لأن ظروفي صعبة مالهاش حل…”، وهي ليست السابقة الأولى خلال العامين الماضيين.