الرئيسية » مقالات » قراءة في الإنتخابات الايرانية: صعود المحافظين البراغماتيين ضد المحافظين المتشددين

قراءة في الإنتخابات الايرانية: صعود المحافظين البراغماتيين ضد المحافظين المتشددين

أظهرت النتائج الأولية لانتخابات مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) الثامن، والتي جرت يوم الجمعة الماضي تقدماً واضحاً لتيار “المحافظين” الذي أحرز ما يقارب 70 في المئة من الأصوات في مقابل 30 في المئة لتيار “الإصلاحيين” والمستقلين، وهو ما يضمن استمرار الهيمنة المحافظة على مفاصل صنع القرار في جمهورية إيران الإسلامية.
وتعد هذه الانتخابات الاقتراع الشعبي العام الرقم 28 منذ قيام الثورة الإيرانية، ما بين استفتاء على الدستور أو رئاسة جمهورية أو انتخابات برلمان أو مجلس خبراء. وتعني هذه الأرقام أن إيران تشهد اقتراعاً عاماً كل سنة تقريباً، أي أن النَفَس الشعبي الذي يعكسه الاقتراع العام، هو أحد أركان المشروعية لنظام “جمهورية إيران الإسلامية”، مهما اتفقنا أو اختلفنا حول حجمه ومداه.
وقبل الخوض في تحليل النتائج ينبغي التحفظ بداية عن مصطلحي “المحافظين” و”الإصلاحيين” الرائجين لوصف الحراك السياسي في إيران وذلك كان صائباً ربما قبل عشر سنوات ولكنه يجب ألا يكون كذلك الآن، ومرد ذلك أن تحليل المشهد الإيراني الأقرب إلى الدقة ينبغي أن يكون وقتياً ولحظياً بسبب السيولة السياسية التي تعرفها الأحزاب الإيرانية. ربما يكون الأدق وصف المشهد السياسي الإيراني بالتنافس بين اصطفافين وليس معسكرين: الأول يضم “ياران خاتمي” أو تحالف خاتمي تحت قيادة حزب جبهة المشاركة أكبر الأحزاب الإصلاحية في إيران وزعيمه محمد رضا خاتمي شقيق الرئيس السابق خاتمي، ومعه “حزب الاعتماد الوطني” القريب من رئيس البرلمان السابق مهدي كروبي، و”منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية” و”كوادر البناء” القريبة من الشيخ هاشمي رفسنجاني أحد مفاتيح صنع القرار في إيران.
يضم الاصطفاف الثاني التيار الأصولي المتشدد ممثلاً بـ”جبهة الأصوليين المتحدة” الداعمة للرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد، و”جبهة الأصوليين الموسعة” المتمثلين في السياسة الإيرانية برموز معروفة مثل علي لاريجاني السكرتير السابق لمجلس الأمن القومي الإيراني، ومحمد باقر قاليباف المرشح السابق لرئاسة الجمهورية ومحافظ طهران ومحسن رضائي القائد السابق للحرس الثوري.
ويلاحظ أن الحملة الانتخابية للفريق الأخير ركزت على الإخفاقات الاقتصادية للرئيس نجاد مثل ارتفاع نسبة التضخم والبطالة، وبشكل سحب أصوات مهمة ومؤثرة من فريق نجاد.
ومن هنا فالسهولة غير الدقيقة في وصف نتائج الانتخابات بأنها فوز للمحافظين لا تقرر أمراً جديداً بقدر ما تعتم على النتيجة. فالنتيجة الواقعية هي أن التيار “الأصولي المتشدد” بقيادة الرئيس نجاد فاز بغالبية المقاعد، تلاه تيار “المحافظين البراغماتيين” بقيادة لاريجاني وقاليباف، ثم كتلة “الإصلاحيين” والمستقلين. ويمكن قراءة هذه النتيجة على أنها تحد لسيطرة التيار الذي يمثله نجاد على البرلمان ومفاصل صنع القرار في إيران، عبر فريق محافظ براغماتي يتحالف داخلياً مع مرشد الجمهورية –أعلى سلطة تشريعية في إيران- مثله مثل نجاد، ولكنه يلوذ بالمؤسسة الدينية في مقابل احتماء فريق نجاد بالحرس الثوري الإيراني.
وتأسيساً على ذلك تترجم النتيجة الحالية للانتخابات موازين القوى داخل إيران: التيار الإصلاحي الذي مثله الرئيس خاتمي استطاع الفوز بنصيب مماثل لرصيده في البرلمان السابق أي حوالى 50 مقعداً من أصل 250، أي الابتعاد عن المنافسة الجدية على البرلمان بسبب مجموعة من العوامل الذاتية والموضوعية. وكان مجلس صيانة الدستور الذي يفرز المرشحين طبقاً لانتماءاتهم الفكرية والعقائدية قد استبعد المئات من رموز التيار الإصلاحي من الترشح للانتخابات ورد صلاحيتهم، وهو ما اعتبره الاصطفاف الإصلاحي محاولة إدارية مدفوعة بأهداف سياسية لاستباق نتيجة الانتخابات وقص جناح التيار الإصلاحي بالقوة التنفيذية.
تشير نتائج الانتخابات الإيرانية البرلمانية إلى أن التحدي الحقيقي لسلطة الرئيس نجاد وتياره يأتي من علي لاريجاني-الذي لا يمكن اعتباره إصلاحياً بحال من الأحوال- ومعه رموز المحافظين البراغماتيين، وليس من الإصلاحيين. كما يعني ذلك في العمق أن تقاسم السلطة الإيرانية بين مؤسسة رجال الدين والمؤسسة العسكرية ممثلة بالحرس الثوري يشهد الآن تنافساً واضحاً بينهما، ليس لإنهاء هذا التحالف الذي يشكل الأرضية الاقتصادية-الاجتماعية للنظام الإيراني، بل بهدف تعديل حصص كل طرف في هذا التحالف.
ومن شأن هذه الجدلية: الوحدة على أرضية الانتماء للمحافظين والولاء للدولة والمرشد، بالترافق مع الصراع على حصص كل طرف في كعكة السلطة، أن تطبع الحراك السياسي في البرلمان المقبل بطابعها. فقط بعد إعلان نتائج الدور الثاني للدوائر التي ستجرى فيها الإعادة، يمكن تقدير حصص كل فريق في البرلمان المقبل، خصوصاً إذا علمنا أن “كتلة الحرس” قدرت بحوالى 80 مقعداً في البرلمان السابق. ولذلك يتوقع بالرغم مما يبدو في ظاهر النتيجة من فوز للمحافظين ونجاد، أن تتم إعادة توجيه الاستقطاب السياسي الجاري في إيران من أقصى اليمين كما هي الحال في البرلمان السابق إلى الوسط ويمين الوسط.
سيرتسم المؤشر الأول على توازنات القوى الجديدة داخل إيران عند حسم التنافس على منصب رئيس البرلمان الجديد، فبقاء حداد عادل المتحالف مع نجاد في منصبه كرئيس للبرلمان يعني أرجحية لتيار نجاد بعد الانتخابات، أما إذا فاز علي لاريجاني برئاسة البرلمان بدعم من باقي الكتل البرلمانية فلا يمكن قراءة ذلك سوى أنها خطوة تعزز فرصه بالترشح لرئاسة الجمهورية العام المقبل وفي مواجهة نجاد. ترتب نتيجة انتخابات البرلمان الإيراني الثامن نتائج داخلية أبرزها أن “المحافظين البراغماتيين” ربما يتقدمون لشغل موقع “الإصلاحيين” كالجناح الثاني للنظام لاحقاً، في حين يتوارى رموز التيار الإصلاحي من بؤرة المشهد السياسي الإيراني. وبالرغم من الأهمية المتزايدة لنتيجة الانتخابات على المستوى الداخلي الإيراني من حيث توزيع القوى أفقياً داخل الاصطفاف المحافظ وارتباطات هذه القوى عمودياً بأركان النظام، إلا أنه لا يجب استنطاق تغيرات مشابهة في أداء إيران الإقليمي أو حيال ملفها النووي، إذ أن مصير هذه الملفات لا يتقرر في البرلمان.
مصطفى اللباد – طهران
باحث مصري – رئيس تحرير مجلة “شرق نامة” المتخصصة بالشؤون التركية والايرانية والتي تصدر في القاهرة