الرئيسية » مقالات » دجل الكلمات .. ووطأة الكلمات .. !

دجل الكلمات .. ووطأة الكلمات .. !

تقول العرب ، حين قدم هولاكو نحو المنطقة ووطأت قدماه بغداد ، جعل نهر دجلة أزرق اللون بحبر الكتب والنفائس التي ألقى في أحشائها ، لخشيته أنها تحوي على كلمات .. ! وحينما تلاه من قادمين ، حملوا بكل ما أنتجته عقول جغرافيتنا إلى بلاد العم سام ، لأنهم كانوا بحاجة إلى الكلمات .. ! هذا ما تقوله العرب ..
ويوماً بعد يوم ، وتحت ضغط الحاجات الإنسانية ، ومتطلبات البشر والتاريخ ، تفقست كلمات وكلمات .. منها ما كانت تشكل خنجراً في خاصرة السطوة والجهل والتخلف ، وتدعوا إلى احترام إنسانية الإنسان بما يحمله من قيم وفكر ، ومنها ما تنسف تلك القيم وتبرر للقتل وتهميش العقل البشري .. تفرق بين إنسان وإنسان ، القوي والضعيف ، هذا الدم وذاك اللون ، السيد والعبد .. إلخ .
منها ما كانت وبالاً على أصحابها وتقودهم إلى حيث المقصلة ، ومنها ما كانت تغتال الصوت في حناجر الآخرين .. وتزيد السلطان سلطة ، والعرش قوة ، والواقع أكثر قمعاً وتهويلاً وتشويهاً .. حتى أضحت الكلمات ذاتها ميداناً للقتل والتقتيل ، للطغيان والتشريد .. والهدف هي ذات الكلمات .. !
ومن أجل الكلمات وفي سبيل الكلمات ، أصبح الفارابي والخوارزمي والرازي وأبن سينا والموصلي والزرياب وأحمد شوقي وكرد علي وغيرهم ومن على قاماتهم مسجلين في نفوس الأمة العربية .
ولأننا – نحن أحفاد ميديا – كنا نفتقد – وفي أكثر من انعطافه – إلى آلية التعامل مع الكلمات ، تحولت صخور جبالنا الشماء – ولأكثر من مرة – من لونها الزاهي إلى حمراء ، فكانت النتيجة خسارتنا للون والصخور معاً .. !
إذاً ، لا عيب أن يخشى البعض من الكلمات ، ويقاتل بأيديه وأسنانه من أجل وأدها وتقبير مصادرها ، خاصةً إذا كان من ممتلكي المنطق الذي لا يجيد التعامل إلا مع كلماته هو ، أو كان من نتاج ثقافة القتل ، وموروث إبادة الآخر ونسفه .. ويعي قراءة مفردات التاريخ ويدرك تماماً ما فعلته وتفعله الكلمات بالعرش والسلطان إذا ما عُممت مفرداتها بين البسطاء الذين لا يخسرون في المعركة سوى فقرهم ، ولا شيء سواه .. هذا البعض الذي يستمد سطوته واستمراريته إما من جهل المحيطين به بالكلمات ، أو خشيتهم من نتائج الكلمات ، أو من سلطته في قمع واغتيال الكلمات ، سوف لا يتردد أبداً من نسف كل من يحاول التفوه بمثل تلك الكلمات .. لأنه يدرك حقيقة أنه ، في البدء كانت الكلمة ..
ولوقف زحف الكلمات والحد من انتشارها بين البسطاء ، كنا نستقبل مرات ومرات الصحف والجرائد وهي مقصوصةً ومقصوفة .. مشطوبة هنا ، ومتقطعةً هناك .. ومن أجل ذلك أيضاً ، نرى الذين ما زالوا يهابون هذه الفضائية أو تلك الصحفية وذاك القلم .. أولئك المنحدرين من النسل المعرفي للذين كانوا يبترون الأيدي ويقطعون الألسن في حربهم مع الكلمات .. لكن تفاءلنا خيراً – وأخيراً – بسقوط مفاهيم الحرب الباردة ، وشمولية الفكر والرؤية ، وفردية القرار ، والتفرد والاستفراد ، كذلك بدخول الانترنيت وعولمة الخبر وتدويل المادة الكتابية ، فقلنا في قرارة أنفسنا ، إن هذا التطور سيرافقه بالتأكيد تطور في الفكر والمنطق وقراءة ما تقوله الكلمات ، وسيجرف بالتالي كل ما بني على ثقافة القتل ، وإبادة الإبداع ، ونسف الآخر ، وقمع المخالف .. وسوف تتحول الخشية من الكلمات إلى تفاعل معها وقبول لها ..
ولكن هيهات .. !!
فما زال البعض من المتعربشين على قامة الزمن والمتسلقين ، بخوائهم الفكري / الثقافي / السياسي ، آلام قضاياهم القومية والوطنية .. المتاجرين – بانحطاطهم الخلقي – بالقضية والقضايا ، بالوطن والوطنية ، بآمال وأماني البسطاء ، ماضون في طريقهم نحو اغتيال الكلمات ..
نعم ، أولئك الذين لا يدركون من ماهية الكلمات سوى التنبيش في أحشائها والبحث عن مفردات توحي بأنها تمسهم ، ولا يهمهم – بل لا يخجلوا – إن ملأوا الدنيا بالأحابيل والأكاذيب حفاظاً على أناهم أو إرضاءً لأسيادهم كانوا من يكونون .. أولئك المتسلطين على رقاب القرار ، وضمائر البسطاء ، يرصفون المانشيتات والديباجات يوماً إثر يوم ، أنظمة وعصيبات وحزيبات ومن هم محسوبون على كل ذلك فعلاً وممارسةً ، منادين بحرية الرأي وتحرير الكلمة ، منتقدين السطوة والتسلط ، لا يخجلون قطعاً من الآخر القابع في كيانهم حينما يقضمون المفردات ويلوكون الأسماء ويحررون الكلمات والمقالات بعد أن يحورونها أو يحاورونها ويتحايلوا عليها ، أو يخرجونها إلى النور بعد أن يخضعوها إلى عمليات رتوش في الغرف المظلمة .. !
نعم أولئك الذين نصبوا وينصبون من أنفسهم حسيباً ورقيباً ووصياً ، مستندين في كل ذلك على الكثير من الانحطاط الذي لحقهم في الفكر والخلق – إن وجدا – ، يجردون الآخر من حقوقه الإنسانية والمدنية بسلطاتهم الوهمية وقوتهم الخاوية ، يشطبون على هذه الكلمة وينسفون ذاك العنوان أو التوقيع .. والغاية هي الكلمات .. بل الخوف من الكلمات .. !
هم دعاة – بل مدعي – التغيير وحاملي الشعارات ورافعي رايات تحرير الإنسان وتطوير الوجدان .. حرية الكلمة وتعددية الرأي، ومعهم الانتلجنسيا الكردية .. بل المحسوبة عليها . معهم أولياء أمرنا الأزليين الذين نردد أسماءهم أكثر من أسماء الذين كانوا سبباً في وجودنا ، لن تتوقف لحظة عن إبادة إنسانية الإنسان إذا ما نطق أو تفوه هذا الإنسان الأعزل بما لا يرضي نزواتهم وهواجسهم، إذا حاول أن يقول لا لكل ما يمس تلك الإنسانية ويسيء لها .. ضاربين كل الحائط بأن ما يقال هي مجرد كلمات ليست إلا، كلمات ككلماتهم ، سوى أنها عارية عن اللكمات ، عن الدجل والرياء والنفاق ، فيها الليل والنهار سواء بسواء ، بلا انفصام ولا ازدواجية ولا أقنعة .. هي ليست الخردل والسيانيد .. وليست قنابل عنقودية أو دروع كيماوية .. هي ككل الكلمات .. لكن ليست كل الكلمات .. فقط – وهنا بيضة القبان – قد يخشاها أولي الأمر والنعم وكذلك القيادات ، وباسم الشعب والقضية ، لكن هذا الـ ( باسم ) نفسه هو من صنيع ذات القيادات .. ؟!.