الرئيسية » مقالات » السُّنونو بأجنحتهِ الخمسين

السُّنونو بأجنحتهِ الخمسين

جاءتْ مع الشتاءِ
لو تعلمُ بالذي يجري
قميصي في المشجبِ قد علَّقْتُهُ
وأفتحُ الآن لها أزرارَ صدري
وأنني أغلقتُ أزرارَ قميصي
حَذَراً من نَزْلةٍ هناكَ تأتيهِ
فربَّما تَرَكْتُني فيهِ !
———-

مزاجك صافٍ نمير رغم ضوضاء المستشفى التي اشتدت قبل قليل , قالت لي هذه الشابة .
قلتُ : أبداً ولكنها المُداراة ثم إني أراكِ مكتئبة ولا بدَّ من نغمة ولو شاحبة , لم تكملي حديثك عن زوجك وكيف كانت صدْمَتُهُ .
تناولتْ بعض دواءٍ مع قليل من الماء فاستطردتْ :
كنتُ مجنونة عن قصد إن صحَّ التعبير فهو جلبني من بلدي العربي وأغرقني بالمال هنا وقبل هذا بالوعود وفعلاً كان لي ما أردتُ وتحقق حلمي بالعيش في بلد أوروبي وأحسست في الأسابيع الأولى أنه سعيد معي وفي الحقيقة أنه ليس غنياً ولكنه بالمقارنة مع وضع الإنسان في بلدي يُعتبر غنياً جداً .
لم يحبني ولم أحبهُ ولكنه أشبه بالمغامر الواثق من نفسه , العمل نصف حياته والنصف الآخر سفرات ورحلات وانا منذ أن وصلتُ الى هنا شعرتُ بأني وصلتُ آخر الدنيا فلم أشاركه رحلاتهِ .
كان يحب بلدي وزرتُ أهلي معه مرة واحدة وأخيرة في بداية زواجنا وقد عاد لرحلاته حتى لم أكن أعرف أين هو الآن فهو يتصل بي تلفونياً ويسأل عني بين حين وحين ثم ينقطع فشعرتُ تدريجياً بالضجر ولكني قررت عدم العودة الى بلدي مَهما حصل فأسلمتُ نفسي لحياة كلها فتنة ومعي نقود وما فاجأني هنا أني وانا الشابة ذات البشرة الداكنة نوعاً ما أصبحتُ محط أنظار صنف معيِّن من الرجال وروحي تنادي وجسدي يختلج فأغمضتُ عيني عن عقلي نصف إغماضة وخرجتُ في منتصف إحدى الليالي دعوتُهُ الى شقتي , كان أفريقياً أسود مكتمل الرجولة مثيراً , فأمضيتُ معه شهرين هما من أسعد أيام حياتي , إنه أمر غير معقول فانا أغامر بمستقبلي وبما هو أكثر اذا عاد زوجي , وبالفعل عاد بعد شهور عديدة فوجدني في المستشفى وكنت خائفة كثيراً فما عادت الأرض تسعه من الفرح حين علمَ بأني سأهديه طفلاً صنعناه سويةً ولكنه صرخ مذهولاً : إنه ليس إبني !
فعاقر الخمر هو واختفى الأفريقي وصار إبني في دار حضانة خاصة وانا أمامك !
قلتُ لها : لطيف ! وأهلُكِ ألم يسمعوا بقصتك بعد ؟
قالت : لا أعتقد , وحتى اذا سمعوا فتقارير الأطباء تؤكد بأني في حالة عقلية ونفسية تتطلب العناية وهذا ينفعني او قُلْ ربما يغفر لي رغم أني لستُ مجنونة لكن أنتم الرجال تفعلون الأعاجيب وتلقون المديح والتهاني عليها أما انا فاذا فعلتُ عُشْر ما تفعلون فـ ( عاهرة ) , أقول لك الصراحة , حياتي بدأت خطأ ولم أعد أخاف . كل ما فعلتُ أجده أمراً خارجاً عن إرادتي .
قلتُ : انا لا أناقشك في هذا وإنما أسألك : الأ تشعرين بالذنب ؟
قالت : بلى , أحياناً ولكن ما الجدوى فانا أردتُ أن يكون لنا طفل من زواجنا إلاّ أني لم أستشر طبيباً ؟
قلتُ : لا أدري ولكني أفهمك كما قلتُ لك في زيارتك السابقة وانت تتحدثين عن طفولتك , وبالمناسبة زياراتك العديدة الى غرفتي هنا جعلت نزلاء المستشفى يعتقدون بأننا أصدقاء .
قالت : ولِمَ لا ؟ فنحن أصدقاء .
قلتُ : أعني أصدقاء أصدقاء !
سألتْ ضاحكة : اليست لديك امرأة ؟
قلتُ : سأحكي لك ذلك فيما بعد .
خرجتْ مرتبكة سكرى , وخرجتُ بعدها الى النافذة وقد هبط المساء , انتابني شعور بالذنب لا أدري ما سرُّهُ , شعور هائل بالذنب فناجيتُ الربة وقلتُ لها ما دار بيني وبين هذه الشابة من أحاديث في السابق وهذا اليوم وأضفتُ :
في الحقيقة كلماتي الأخيرة معها كانت مازحة ولكن الظاهر أنها حملتها محمل الجد
ثم إنها تأتي اليَّ لسبب آخر هو أني عربي مثلها فتحسُّ بالأُلفة أكثر :

يا نفْسُ مُرّي في سلامٍ
إنني مُستَرسِلٌ
والمَشهَدُ استولى فلا تنصاعي
ماذا سيبقى لي اذا عاندْتِني
ألَقاً
وذهنَ يَراعِ !
ولطالما كان الخرابُ مُحلِّقاً
والدارُ دارَ أفاعِ !
——-

قالت الربة وابتسامتها الطافحة بالود تغرقني ثقة : دعك من ذلك , هذه الشابة بحاجة الى سنين وتجارب أوسع وأكثر تنوعاً , إنها ليست مجنونة ولكنها مازالت مبهورة بالبيئة الجديدة هنا وما فيها من استقلالية وبعض حرية , ومشاعر الذنب التي غزتك طبيعية وجميلة .
قلتُ : شكراً , والمُمَرِّضُ الجديد , وهو الرجل الوحيد من بين سبع ممرضات يتناوبن , أخبرني اليوم بأن الطبيب غاضب مني تقريباً لعدم جديتي في تناول الدواء في وقته المقرر وأحياناً إهماله كلياً , لا أدري , أحس بشكلٍ غامض أنَّ هذا الدواء يؤثر بشكلٍ ما على طبيعة أحلامي .
قالت الربة : أما الأدوية عندكم فهي بالنسبة لك تفيدك آنياً في حالاتٍ كالملل او الضعف او الأرق وما شابه فلا بأس من تناولها وسؤالي الآن عن طبيعة أحلامك في هذه الفترة
, كيف تراها ؟
أجبتُ مُلاطفاً : أنثوية !
: وكيف ؟
: مثلاً صديقة أضيُّعها وسط طريق مزدحم بالناس وأبحث عنها ثم أعثر عليها ولكني ما أن أحتضنها فَرَحاً وأنظر اليها , الى عينيها حتى تتحول الى امرأة أخرى ! فأعتذر لها وأعاود البحث وفي كل مرة يحصل الشيء نفسه , أجدني أعانق امرأة أخرى . أحلامي في هذه الفترة قلقة ولكني أجد فيها أحياناً ما يشبه التنبُّؤ سلباً او إيجاباً ولهذا فأتوقع أني سأنتقل للسكن في مدينة أخرى مع أني لا أفكر بهذا في النهار , وأضفتُ : إذن قد أنتقل عسى أن تأخذ أحلامي مساراً آخر !
قالت الربة : المكان الجديد ضروري جداً بعضَ الأحيان ولكنه لا يغير الأحلام كثيراً .
قلتُ : تماماً , لقد عشتُ لسنوات طويلة كطائر السنونو لا أعرف الإستقرار وتنقلتُ بين عدة بلدان وسكنتُ فيها لفترات قد تطول وقد تقصر وهنا في هذا البلد أقمت في خمس مدن كبيرة والعديد من المدن الصغيرة وحتى بعض القرى الى أن حططت رحالي هنا في هذه المدينة الجميلة المتجددة , كل شيء في حياتي تغير خلالها باستثناء حلم واحد يبقى يتكرر بصورته السابقة وهو أني حين أنام خائفاً او غير مطمئن على أمر مهم أجد نفسي وقد عدت الى بلدي في فترة الحرب ولا سبيل للخروج منه ثانية ! مع ذلك يبدو أن السفر كان مُقدَّراً عليَّ :

تولّى كالضبابِ الليلُ
وانعطفَ الصباحُ
اذا بطلعَتِهِ فضاءٌ لا تزالُ تُزينُهُ الأشباحُ !
يا نفسي قِفي دوني
فماذا ترتجين من الترحُّل بين هاويةٍ وأخرى بَعدُ ؟
ثقباً في بساطِ السندبادِ ؟
طُمُوَّ عَصْفٍ لا يُرى ؟
خَلَلاً بمركبةِ الفضاءِ ؟
فضيحةً في ليلِ أوروبا المُضاءْ ؟
انا المَلاّحُ
مَركبيَ الجراحُ
أموُجُ فوقَ شوارعِ الدنيا
مَجاديفي الضلوعُ
وفوق الجانبينِ تَرى هدايايَ التي انتثرتْ
فحازَتْها الجموعُ
ومن أُولى هدايايَ المِدادُ
ولكنْ وهْمُ سكرانَ الحصادُ !

———-

قالت الربة بصوت مُنغَّم شعرتُ للحظة أن الجميع يسمعه هنا : الشعر الجميل هو غاية الروح وغاية نفسهِ أيضاً وهو ليس وهماً , إنه أقرب ما يكون الى الرؤى , الرؤى الخيِّرة وهذا حصادٌ غير مرتبط بموسم محدد وإنما هو كالأم التي تحتضن أبناءها بحنوٍّ ثم تُطْلِقهم فتفرح إذْ تراهم يمرحون , هكذا هو يحتضن المواسم كلها ويُطلقها مزهوَّةَ السنابل ! وهو سَفَرٌ للقلب , وأختامُ هذا السفر دموع ونشوة وأسرار !
قلتُ : أحسُّ إحساساً عميقاً ذاهلاً بأنَّ كياني ينتسب الى عالمكم وإلاّ لماذا أناجيك ؟ ولكن روحي تحس في ذات الوقت بأنكم لستم قريبين حدّ الذوبان الذي ترغبه وتحاول أن تطالكم , تطال كل ثماركم ولكن لا الشجرة تنحني ولا قامتي تطول , وحتى أحلامي بكم بدأت تتباعد , هناك دائماً حاجز أرضي وليس في هذا حسد !

—————————-
(*) نصٌّ من كتاب يجمع بين القصِّ والنثر الأدبي والشعر يحمل عنوان : حديث مع ربة الشفاء .

—-
كولونيا – 2008