الرئيسية » مقالات » زمــن الخفوتْ

زمــن الخفوتْ

لقد تواعدتُ مع نفسي أنْ أملءَ الصفحات الخالية مِن کراس مذکراتي بما یُمّکنني مِنهُ التعابیر والکلمات.
واليوم أريدُ أنْ أ ُسجلَ في ثنايا سطورهِ ملامحُ عصرٍ يکادُ يتسمُ بالخفوتِ في کل شئ…….

زمن خفوتْ.. الألوان

عندما کنت أرقب الغروب على ضفاف نهر الراين، جذبني الوان الشمس الخافتة الى عالمٍٍ مِنْ التأمل. فالطیفُ المائل للأنضواء مع قرص الشمس المُتجه للأختفاء.. وراء ستار العــُـتمة. ذکرني بخریف المواقف والأصوات والآمال في زماننا هذا….

زمن خفوتْ.. الأصوات

عندما إ طلعتُ على تفاصيل مراسيم أحياء الذکرى العشرين لِقصف مدينة هه‌لبجة بالأسلحة الکيميائية أحسستُ بـإنَّ خفوتاً في الضمائر و خفوتاً في الأحاسيس و خفوتاً في الأصوات قد سادَ عالمنا….
فعندما يحظر مِن مجموع 20 رئیس بلدية مدعويين لحفل مراسيم ذکرى قصف المدينة فقط 5!!
فهذا ليس بخفوتٍ لإعداد الحاضرين فقط وإنما هو خفوتٌ في ضمير الأنسانية عامة تجاه تلك الجريمة.
وعندما لايحضر أبناء هه‌لبجه‌ مراسیم الذکرى أحتجاجاً .. فهو لیس فقط خفوتْ في تجاو‌ب ضحایا القصف مع سياسة المسؤولين بل هو إنعدام للتواصل بين الأثنين.
وعندما يستکثر رجالات الدولة العراقیة وأقليم کردستان حضور تلك المراسیم فهذا خفوتٌ في الإهتمام وخفوتٌ في الشعور بالمسؤولية.
رجالات البعث قصفوا المدينة بدم ٍ بارد وأحساس ٍ مُنعدمْ وأنا أخشى إنَّ عصر الخفوتِ هذا یُمهدُ لِعصر ٍ جلیدي بارد تنعدم فيه ِ احاسیسنا وتـُعيدنا الى عالم البعث الدکتاتوري اللأنساني.

زمن الخفوتْ… أین؟

عصر الخفوت هذا يمر علينا في العراق وکردستان فقط..!!
ففي 16 آذار 2008 زارت المستشارة الألمانية انجيلا ميرکل اسرائيل کي تکون زيارتها حلقة أُخرى من سلسلة الأعتذارات الرسمية الألمانية تجاه محرقة الهولوکوست.
لـِـتـُنبـأنا بـإنَّ العالم الآخر لم تصلها عدوى الخفوت ولاتعيش أيامه، والشعور بالمسؤولية وتأنيب الضمير في دماء الألمان مازالت تقاوم برودة أوروپا القارسة وتدفعهم للأعتذار على مدى عقود متواصلة لجرائم النظام النازي.
ولکن عزوف رئيس الوزراء العراقي وکل رجالات حکومتهِ الموّقرة عن حضور مراسيم أحياء الذکرى العشرين لـِقصف مدينة هه‌لبجه لهو أشارة ٌ واضحة بإننا نعیشُ عصر خفوتْ الوعود والضمائر والمسؤوليات.
إنَّ غرور هذهِ الدولة الجبارة تمنعها من تحمل مسؤولياتها في الأعتذار عن أقبح جرائم العصر، فمن هي الدولة التي ضربت أبناء شعبها بأسلحة مُحرمة دوليا…. سِواهم.

زمن خفوتْ.. المواقف

وکأن آذار 2008 هي أولى أشهُر السنة الخفوتية، حیثُ فيها عادت الآلة العسکرية الشوفينية لـِتحصُدْ دِماءْ الأبریاءْ في جبال ووديان کردستان لـِتُضیف لـِمُسلسل مآسي هذه الأمُة فصلٌ آخر وهه‌لبجه أخُرى، والفکر الشوفيني هذا يتسبب دائما لـِسوء
حظـّهِ في توحيد المشاعر القومية في کل أرجاء کوردستان.
ولکن في آذار نفسها جائت زيارة السيد رئيس جمهورية العراق لـِجمهورية أتاتورك!!
لـِتـُحبـِط َّ وتـَخْفـِتَّ مشاعر الوحدة هذهِ.
لم تکن مشکلة الزيارة في الأستقبال الفاتر والخافت مِنْ قـِبلْ ” أخواننا الـُترك” کما يصفهم السيد رئيس الجمهورية فقط. ولکن المشکلة أنها کانت سبباً في خفوت آمالنا وأيماننا في أهلية مسؤولينا في أدارة سياستنا الخارجية.
وجعلتنا نتسائل لماذا خفت صرخات السیدة ليلى زانا في آذاننا وأهملنا طلبها؟..لاأدري.
انا لاأعتقد إنَّ ذلك کانت إدارة حـِرّفية للأزمات السياسية کما يُبررها ويُرددها الأخوة الحزبيين.
بل أراها خفوتاً في أولوية وأهمية المصالح الأستراتيجية للشعوب لصالح مصالح القوى الأقليمية والدولية لدى ساستنا.


زمن خفوتْ.. الآمال في الخروج من متاهة المادة 140

خفوت الأولوية لحقوق الشعوب لدى الساسة طالت متاهة المادة 140 من الدستور العراقي أیضاً، فنحنُ الآن في منتصفْ آذار ولم يتکرمْ السيد المشهداني لـِحدْ الآن في إرسال المادة الى المحکمة الفيدرالية.
ولـِما تـُرسل الى المحکمة الفيدرالية ؟
أ لإننا کتحالف کردستاني قد خفَّ أيماننا بشرعية المادة کغيرنا لذلك وافقنا على أرسالهِ الى المحکمة الفيدرالية؟

لاأ ُخفیکـُمْ سراً بإني بـِتُ مِنْ مُناصري نظرية الخفوت والتي تقول:

” إنَّ القوى الأقليمية والدولية لاتقبل بـِظمْ کرکوك لأقليم کردستان والسياسية الکردية ليست لديها أي أستراتيجية لـِمواجهة هذا. وبالتالي هي تبنت نظرية الخفوت.
فهي تؤمن إنَّ زرع فکرة کردستانية کرکوك طوال 40 سنة في عقول الکورد قد أنبتت قناعة مُتجذرة لدى الأنسان الکردي لايمکن أقتلاعهُ بسهولة، وإنما أدخال المُطالبات الجماهيرية في سلسلة من الوعود والمواعيد والتمديدات والتبريرات سيجعل من هذه القناعة تخف يوم بعد يوم ….
وعندما يصل الخفوت لـِدرجة مُعينة تخرج هيَّ للناس بــِبُدعة جديدة أسمُها أقليم کرکوك الغير مِنضوي تحت إدارة کـُردستان ومدينة التآخي الغير مـُنتمي لجغرافية کـُردستان وعندها سيُبرر لنا المنظرون من الأخوة الحزبيين الأخفاق السياسي هذا ویحولوهُ لــِمرونةٍ ومنطقٍ سياسيين لايُمکن أن يرقى عـُقولــُنا نحنْ …”الغبية والقاصرة” لمستوى فهمِها وعِندها نخرس صامتين…. کما أننا خافتين وصامتين اليوم في ذکرى تحرير المدينة في 1991.


زمن خفوتْ.. أحلام الديمقراطية والفيدرالية

إنَّ سرقات النفط العراقي في الجنوب وأستيلاء أیران على آبار نفطية وإختفاء واردات فرق السعر لمبيعات النفط وصرخات وزارة الکهرباء في مسؤولية وزير النفط في أزمة الکهرباء کـُـلها مسائل یـُـتداول بـِصوت ٍ خافتْ وخافتْ جداً.

فحتى الإثارة والتشويق في القصص الحقيقية قد خفَّ عـِندنا وهذهِ ..واحدة:
ففي طلب ٍ مُريب أصرَّت وزارة النفط العراقية على نقل أبراج لحفر أبار النفط من شرکة نفط الشمال في کرکوك الى الجنوب العراقي لکي تـَـنْظم الى أخواتها من الأبراج التي خرجت من کرکوك ولم تعدْ…!!
بلْ خـَفَّ أيُ أملٍ بـِعودتها أو حتى معرفة مصيرها!!
وعندما عارضت أدارة کرکوك ذلك، بـَعَث َّعالم الذرة المحترم بـِطلب الى وزارة الدفاع لأرسال قوة عسکرية لـِحل مشاکلهِ الآدارية…بالقوة!!
انَّ الجُزئية الخبرية هذهِ لرُّبما لاتثيرُ الکثيرين في ظل الفوضى السياسية والأمنية بالعراق ولکنها تـُـثيرني لأني أومنْ بنظرية الخفوتْ… وخاصة فصل خفوت الآمال في تحقيق ديمقراطية وفيدرالية حقيقية في العراق. فـَـرِجالات الحُکم في الدولة العراقية لايستبعدو‌ن أستخدام القوة في حل مشاکلهم الآدارية لـِحد الآن.

زمن الخفوتِ… أخیراً

إنَّ زمن الخفوتِ عصرٌ باردْ وقارسْ تــَمرُ آیامهُ علينا الآن تفقد فيها الأشياء معانيها ومکنوناتِها وتصبح بدون طعم ٍ أو لون أو رائحة.
ويبدو إنَّ هذا العصرْ یـَمرُ على الشعوبِ بعد حوالي خمسة سنين من سقوط الدکتاتورية عــِندهم.
لاأدري إنْ کانت الأشیاءُ في هذا العصر تريُد انْ تکتسي بطعم ولون جديدين وهو بالتالي عصر تغير الجلود والانتقال الى طور آخر.
أمْ هو خريف الامال الوردية والساسة ” التأريخيون”.
أنْ کانَّ للعمرِ بقية.. فسيکونُ لتدوين کـُـراس مذکراتي بقية…ونشهد مايلي عصر الخفوتِ هذا.