الرئيسية » مقالات » حواتمة والرؤيا الثورية لليمين الديني المذهبي الاصولي

حواتمة والرؤيا الثورية لليمين الديني المذهبي الاصولي

كاتب فلسطيني – اردني
في مقالته القيمة تحت عنوان “الانقسام الفلسطيني وغياب المشروع الوطني الموحد والقفز نحو الحل الاقليمي”، يصل نايف حواتمة، الامين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، الى استخلاص جوهري مفاده ان “اليمين التقليدي الاصولي على جانبي الصراع، يغذي كل منهما الآخر في ادعاءاته وطروحاته”.
واستخلاص نايف حواتمة هذا ليس تعسفياً بل هو نتاج قراءة ومعرفة وخبرة متكئاً على وقائع حسية دفعته للوصول الى هذه النتيجة، فالرجل متأن صبور وتراكمي، اضافة الى انه صاحب مبادرات ورؤى شجاعة تحطم السائد لتصل الى برنامج تصادمي مع عدوه عبر جدلية واضحة تتوسل حشد اوسع قطاع ممكن من القوى الحية الفاعلة وسط الناس، والمتصادمة في مصالحها ومشاعرها وتطلعاتها مع الاحتلال بهدف التصدي له بالوسائل المتاحة امامها ومقاومته.
ولذلك حينما يتحدث حواتمة عن اليمين الاسرائيلي الاصولي الفظ في ادعاءاته التوراتية وأطماعه الاستعمارية في فلسطين، فهو ايضاً يتناول اليمين الفلسطيني الذي لا يقل فظاظة عن اليمين الاسرائيلي في التعامل مع الآخر عنواناً او سلوكا او ثقافة بهدف تدميره واقتلاعه ورميه في البحر او الى الجحيم، وكلاهما يقف عاجزاً في التعامل مع الحدث ومع وقائع الصراع على ارضية انسانية، ولا يقدم حلولاً واقعية تضمن مصالح الطرفين والشعبين ضمن صيغ للتعايش تقوم على قرارات الامم المتحدة بدءاً من قرار التقسيم 181 ومروراً بقرار عودة اللاجئين 194 وقرار الانسحاب 242 وقرار الدولتين 1397، وانتهاء بقرار خارطة الطريق1515، ليس بصفة هذه القرارات نموذجاً للعدالة بل حلولا واقعية، يمكن الاستناد عليها والارتكاز على احكامها وصولاً للتعايش والشراكة على الارض الواحدة فلسطين.
ففلسطين لم تكن في اي يوم من الايام للمسلمين او للمسيحيين او لليهود، بل كانت وطناً للديانات الثلاث، تعايشوا وانصهروا واندمجوا عبر التاريخ ليشكلوا شعباً متجانساً متعدد الديانات والثقافات والقيم. صحيح أن الصهيونية ومشروعها الاستعماري بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين هما اللذان دمرا أساس هذا التعايش، مثلما حاولت من قبل الحروب الصليبية العمل على استعمار المنطقة العربية ومحاولة فرض المسيحية عليها، فاندحرت مهزومة من دون أن يؤثر ذلك على الوجود العربي المسيحي في بلادنا، لأنّ هذه الارض هي أصل المسيحية وهي موطن ولادتها، وهكذا ايضاً يجب التفريق بين اليهودية والصهيونية، رغم كل المحاولات للدمج بينهما، لأنّ هذا الدمج هو هدف صهيوني ولا مصلحة لنا، عرباً ومسلمين ومسيحيين، في المساعدة على إشاعته والقبول به بين الصهيونية واليهودية، بل لنا مصلحة في التفريق بينهما، والواقع يؤكد ذلك فمنذ ولادة الحركة الصهيونية حتى يومنا هذا، وعلى الرغم من نجاحات الصهيونية في اقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين، إلاّ أنّ أكثرية اليهود لم يتجاوبوا مع الحركة الصهيونية، ولم يرحلوا الى فلسطين، واختارت الأكثرية منهم البقاء والعيش والاندماج مع الشعوب الذين يعيشون معها سواء في الولايات المتحدة الاميركية او اوروبا، وهذا عامل يجب ان ننظر اليه بعين الرضا والتقدير، فهؤلاء اليهود لم يأتوا الى فلسطين، وان كان هناك تعاطف كبير من قطاعات واسعة منهم مع اسرائيل، ولكن ذلك يجب ألا يقطع الصلة بهم والحوار معهم من اجل توضيح حقيقة المشروع الاستعماري الاسرائيلي التوسعي القائم في منطقتنا على حساب أمننا واستقرار شعوبنا.
اذا لم تمتلك الحركات الاصولية، من اسلامية وغيرها، تقديم حلول ديمقراطية عصرية انسانية لقضايا وعناوين الصراع العربي- الاسرائيلي والفلسطيني- الاسرائيلي ستبقى تغذية الحقد والعنف المتبادل والصراع الدموي مستمرة. فالحركات الاسلامية الثلاث، وهي حركة الاخوان المسلمين وولاية الفقيه وتنظيم القاعدة، وهي حركات سياسية فاعلة في العالمين العربي والاسلامي، لم تقدم لهذا الوقت بديلاً نقيضاً للادعاء الصهيوني في “ارض اسرائيل التوارتية”، فالبديل بالنسبة لهذه الحركات الثلاث هو تدمير اسرائيل ورميها الى الجحيم او الى البحر، وهو نقيض غير عملي، يفتقد للمقومات، ويعتمد على الاستئصال دون الاقتراب من قيم التسامح والتعايش والشراكة، وهذا ما قصده نايف حواتمة بقوله “ان اليمين التقليدي والاصولي على جانبي خط الصراع.. يغذي كل منهما الآخر في ادعاءاته وطروحاته”، سواء في امتلاك الحقيقة او في امتلاك الحل او في تسهيل اقصاء الآخر وتدميره وقتله والحكم عليه اما بالرحيل او بالموت.
وعلى ارضية هذه الفلسفة الاصولية تتم عمليات القصف الاسرائيلي المنهجي للأحياء السكنية ولأهداف مدنية من اجل تصفية قيادات جهادية، من الجهاد الاسلامي او حماس او فتح او غيرها من فصائل المقاومة، حتى ولو ادى ذلك الى قتل وتصفية مدنيين، كما حصل في مخيم البريج يوم 15 شباط 2008، حينما تم قصف منزل ايمن فايد، وادى الى استشهاده مع زوجته وابنه وطفلة، وأصيب 40 مواطناً بجراح، منهم اثنان جراحهم خطيرة، من دون أدنى احساس بالمسؤولية، سواء من القيادة السياسية الاسرائيلية او من احتجاجات شعبية اسرائيلية مناهضة لهذا الفعل الاجرامي.
في المقابل؛ نجد ان العمليات الاستشهادية الفلسطينية ضد المدنيين الاسرائيليين، تجد القبول والرضا لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين على خلفية الاحساس بالعداء للاسرائيليين والمطالبة بالثأر وعلى قاعدة “البادي أظلم”، كما حصل في عملية ديمونا يوم 14 شباط 2008، التي ادت الى قتل امرأة اسرائيلية وجرح آخرين.
وهكذا تدور عجلة العنف والثأر والقتل للمدنيين من دون اي رادع اخلاقي او وازع ديني يحول دون قتل المدنيين او تحاشي ايذائهم في عمليات الصراع والمواجهة المستديمة!