الرئيسية » مقالات » سلسلة مقالات: هل يقرأون ما نكتب؟ وهل يفهمون ماذا نُريد؟

سلسلة مقالات: هل يقرأون ما نكتب؟ وهل يفهمون ماذا نُريد؟

بكل المقاييس وعلى كل المستويات نأمل أن نكون على أبواب مرحلة جديدة، وأمام وزارة جديدة، ولاشك وأن كل يائس يحمل في داخله أملاً مهما أحلكت بوجهه الأيام… نحن نحمل أحلاماً جديدة من خلال تجربة مريرة مررنا بها لمدة أكثر من أربع سنوات، والتي عشناها منتظرين أن نرى في نهاية النفق بصيصاً من الضوء. ولابد أن تكون هناك دروس مستفادة. إن إعادة تشكيل الوزارة قد تُمثّل مواجهة – إن أُريد لها أن تسير بالاتجاه الصحيح – ولابد أن تتسم الفترة التي تسبقها بالمصارحة الشديدة بين السلطة والشعب، وقد تُدرك السلطة مدى تجاوب الشارع معها، أو صدوده عنها. ويكتشف الشعب مدى إحساس السلطة بمسئوليتها الحقيقية تجاهه من عدمه. إن الفترة الصعبة التي مرّت على الشعب وضعت حقائقاً لابد بل من الضروري أن تعرفها السلطة، وقد اتضحت أمور كثيرة للشعب كان من الضروري أن يُدرك حقيقتها. والخلاصة أن السنة الأخيرة وضعت حقائق جديدة في المجتمع العراقي، على الحكومة أن تُدركها، وعلى الشعب أن يؤكدها في المرحلة القادمة بالرغم من تصور البعض وهماً بان عليه أن يُعارض ويضع العراقيل أمام هذه السلطة التي وُلدت بعملية قيصرية مُبسترة، في محاولة منه لتبديلها ومجيء سلطة يُعتقد بأنها ستُمثّل توجهاته الخاصة، والتي تتوافق مع تياره الذي يتبناه… وهذا ما يتصوره غيره أيضاً، برغم الخلافات والتناقضات بين كل المعارضين، والساعين إلى وضع العراقيل. أجزم بأن هذا سيوصلنا إلى مُعادلة من الدرجة التي تسمى (سابع المُستحيلات)، وتؤدي إلى بلورة كل التناقضات القامة، والتي لم نُجرّب لحد الآن حجمها، ومدى تحملنا لها، وتوصلنا إلى دائرة مغلقة من المتاهات التي تُفضي دائماً إلى متاهات جديدة لا حصر ولا عدّ لها. وقد نتجرع السيء منها ونقبله دفعاً لملاقاة ما هو أسوأ منها.. والذي قد يستحيل إلى وبالٍ غير منظور، وبعيد عن التصور .
من هذا المنطلق فإنني أرى بأن الواقع الموجود والملموس بالرغم من سلبياته العميقة، إلا أننا نستطيع أن نتعرف ونتبين على طبيعته، وننتقدها ونوضح مخاطره، ونقترح الحلول والبدائل له.
إننا لا نتوقع إجراء تغييرات مُفاجئة ومُثيرة، ولا نستطيع الوثوق بعد اليوم باليد الخفية السحرية. إلا أننا يجب آن نتعامل مع الواقع بكل مثالبه وإيجابياته.
كيف يمكن لنا أن نُخمّن الأضرار السياسية والتخبط وعدم الوضوح للواقع الحالي على المجتمع.. ومن خلال الزعل والانسحاب من اجتماعات مجلس الوزراء وتعطيل أعمال بعض الوزارات. وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه المشاكل الشائكة التي مرّ بها الشعب العراقي ولا زال يُعاني من الكثير منها… كل ذلك كان يجري بدفعٍ من القوائم المُقفلة التي دخلت إلى السلطة، والتي تُمثّل أحزاباً وتنظيمات سياسية تسعى إلى تعزيز مكاسبها دون اكتراثٍ بأي شيءٍ آخر… إن ارتباط الوزراء بتوجيهات تنظيماتهم التي ينتمون إليها – وهذا أمرٌ طبيعي- هو الذي عطّل الحياة السياسية وأوقف الكثير من المسارات كان يجب أن تُتّخذ ليستفاد منها أبناء الدولة الغنية (التي وُصف شعبها مؤخراً بالترتيب، بثالث شعبٍ محرومٍ من أبسط أساسيات الحياة)، وطالما بقى هؤلاء الوزراء يأتمرون بأوامر أحزابهم وتنظيماتهم السياسية ويجعلوا من وزارتهم مُقفلة إلا إلى لونٍ واحد من أطياف الحركات والتنظيمات السياسية أو الطائفية والعرقية، فإن المسألة ستبقى مُتعثّرة إلى ما لا نهاية. وتتوقف عجلة التقدم، وتتهيأ أسباب عدم وجود مسار مُستقر لا يُعيقه زعل هذا الوزير أو ذاك (وبالشكل المُخزي الذي عشناه في الفترة الأخيرة). بالرغم من قناعتي وتأكدي من وجود كثير من الأشخاص الأكفاء والمُخلصين ضمن تشكيلات هذه الأحزاب والتنظيمات السياسية وهم قادرون فعلاً على القيام بواجبهم كوزراء على أحسن ما يُرام، لكنّ التوجيهات التي يأتمرون بها من أحزابهم سوف لا تنتهي، وستظل عائقاً يشل عمل الوزارة.
إلا أنني أتساءل، (ماذا لو أن البرلمان العراقي)، وبشيءٍ من الشهامة والشعور بالمسؤولية، وحسن النية، اقترح أن تكون كل المناصب الوزارية من المستقلين الغير مرتبطين بأي تنظيم سياسي، وممن يملكون الخبرة العالية في مجال تخصصهم – أنا وحدي لديّ أسماء أكثر من ألف عراقي يملكون هذه الصفة.
أتساءل أيضاً، كيف يمكن لنا أن نُخمّن الأضرار السياسية والاجتماعية التي تعرّض لها المجتمع من جراء مهاترات غير أخلاقية قامت بها التنظيمات السياسية طوال الفترة السابقة. وقد يمكن لنا أن نُحدّد كُلفة مرضٍ معين وهي (تساوي مثلاً كلفة العلاج في المستشفى مُضافاً إليها التعويضات). ولكن كيف يُمكن لنا أن نُحدّد كلفة الحياة المستقرة والسعيدة التي ننشدها، وقد فقدها الشعب بكافة مكوناته… من سيجلب للشعب المسرة؟
إن مصطلح (سؤال) بحد ذاته يبدو غريباً. ونحن نُفكّر بقيمة الحياة، ولكن هل يُمكن ترجمة هذه القيمة إلى كُلفة؟ إنه لأمرٌ ذميم أن نُقدّر قيمة الحياة بما قد يكسبه الشخص مالياً، حالياً أو في المستقبل، أو بأي معيارٍ آخر.
وهذا سؤالٌ أخير قد يكون لاذعاً، إلا أنّ به نوعٌ من الجدية: هل يُمكن لنا أن نسأل المجرم عن قيمة حياة ضحيته؟ بل هذا السؤال يجب أن يتوجه إلى الضحية نفسها… نعم وألف نعم لقد تم الإجرام بحق الشعب وخاصةً الفقراء من الفلاحين والعمال. لقد خسرت أكثر القوائم التي تجلس على سدة الحكم تعاطف قطاعات كثيرة من أبناء الشعب، ولم تنظر بنظرة فاحصة لأحوالهم.
ستواجه الوزارة الجديدة إن كانت نزيهة وحريصة على خدمة أبناء الشعب، مُشكلةً ذات شقين، فمن جهة ستجد بأنه لا يتوفر لها وقتٌ طويلٌ للتخلص من النكبات الكبرى التي يواجهها المجتمع ويتطلب منها إدخال إصلاحات جذرية سريعة بما يكفي لإنقاذ المجتمع من التفكك، ومن جهةٍ أخرى ألا يكون ذلك على حساب فرض قوانين تحد من الحريات أو تقلصها، وبالتالي ثمة بُعدان لهذه المهمة، توازي الحماس المتصاعد للديمقراطية والحرية وفي الوقت نفسه إنقاذ المجتمع من التفكك.
إن إعادة تجديد المجتمع وتطويره، وتنميته، وإعادة حيويته إليه، بعد أن أصابه التدهور… بالتأكيد ستكون ليست بالمهمة السهلة، ولا تزال لدينا الإرادة بأن نخلق لنا أوهاماً من التفاؤل … ومن الله التوفيق