الرئيسية » مقالات » كرملش البلدة العتيقة التي احبت الشهيد فرج رحّو

كرملش البلدة العتيقة التي احبت الشهيد فرج رحّو

عزيزي القارئ العراقي نتحدث عن بلدة عراقية موغلة في القدم يحفل تاريخها بصفحات حافلة بالأحداث والنوائب والنكبات وبمحطات تاريخية بارزة على مدى امتداد التاريخ العراقي فكانت في قلب الحدث في محطات تاريخية مهمة عبر التاريخ .
على امتداد سهول مستوية منبسطة ترتفع نهود من الأرض على شكل تلال وهي مواقع اصطناعية اثرية وفوق واحد من هذه التلال التاريخية تجثم هادئة كرمليس ( كرملش ) ، ويقول حبيب حنونا ان التلال الأثرية تحيط بهذه البلدة ، تل غنم في شمالها . تل بربارة الذي تشاهده العين ، مع مرتفعات جناري في غربها ، ربان يوخانا ، بسيدي وبرشير في جنوبها مرتفعات خاتون خمرة وخربة عيسى في شرقها .. وما يغني هذه البلدة الهادئة هو جدولها الذي ينعم على أراضها فيروي مزروعاتها ، فهي غنية ببساتينها وأشجارها الوارفة .
البلدة التي كانت شاخصة في كل الدهور ورد ذكرها في التواريخ وكتب عنها الرحالة فكانت صفحات لتاريخ متواصل منذ سحيق الأزمنة الى اليوم .



ونبقى مع ابنها الكاتب حبيب حنونا يقول : كرمليس مدينة عريقة .. تمتد جذورها الى العصور الحجرية ، والى عصور ما قبل التاريخ ، فقد اعتبرها البعض من أوائل المستعمرات البشرية في العالم .. وورد ذكرها في اشهر المصادر وأقدمها واقترن اسمها بأعظم المعارك والغزوات قبل الميلاد وبعده ، كحملة داريوس دارا الأول ( 485 ق . م ) وداريوس دارا الثالث والأسكندر الكبير ( 331 ق . م ) ، وحملة الأمبراطور الروماني طرايانوس للشرق ( 114 م ) وغزوة نادر شاه ( 1743 م ) وغيرها ( حبيب حنونا ، كنيسة المشرق في سهل نينوى 80 ) .
وفي رحلة (اوليفييه الى العراق سنة 1794 ـ 1796 والتي ترجمها المرحوم الأب يوسف حبي 62 ) يقول :
نحن على بعد اقل من الفرسخ من اربيل المدينة التي اعطت اسمها للواقعة التي انتصر فيها الأسكندر على داريوس ، وبها انتهت الأمبراطورية الفارسية ويستدرك : بيد ان المعركة المذكورة لم تقع تماماً في سهل أربيل ، بل على مقربة من قرية اسمها كوكاميلا ربما تقع الى يمين الزاب ، ويشخص بعضهم قرية كوكاميلا بقرية كرمليس الحالية الواقعة قرب الحمدانية .
لقد كانت محط انظار المستشرقين والمستكشفين الذي باشروا في الحفر والتنقيب في هذه المنطقة التاريخية وقد ذكرها ياقوت الحموي في معجمه باسم كرمليس على انها من قرى الموصل وهي كثيرة الغلة والأهل وبها ســوق عامر وتجار وإنها خربت في ايام نادر شــاه . كما ورد ذكرها في رحلة المنشئ البغدادي إذ يقول :
انها تبتعد من الموصل باربعة فراسخ ونصف الفرسخ ( الفرسخ حوالي ثلاثة اميال ) ، وهي قرية فيها نحو أربعين بيتاً كلهم نصارى ، وكانت قديماً بلداً ، وفيها عدة كنائس ومنها الآن دير مار ( الركسين : الصحيح دير مار كوركيس ) وهو قديم جداً لا يزال قائماً ، وفي تلك الأنحاء قرى كثيرة كلها نصارى كلدانيـــون وسريانيون . وجميعها تزرع الحنطة وتتعاطى النسيج ( رحلة المنشئ البغدادي 78 ) .
لقد لصبحت كرمليس مقراً للبطريركية بعد ان ترك الجاثليق يابالاها ( ت 1317 م ) وسكن خلفاؤه في مراغة وأربل وكرملش وأخيراً في القوش ، لقد اصبحت كرملش مقر الكرسي البطريركي بعد ان قرر مار دنخا الثاني نقله اليها بعد مراغة ، فاصبحت مركز الأسقفية الى عهد شمعون الثاني حيث نقل مركز الأسقفية الى القوش وكان ذلك عام 1426 م .
ويكتب رفائيل بابو اسحق في ( تاريخ نصارى العراق 136 ) أن طهماسب ( نادر شاه ) هجم على الموصل سنة 1943 م في عهد حسين الجليلي الذي كان يحث على النضال اهالي الموصل ومن التجأ اليها من سكان القرى من تركمان وكلدانيين . بيد ان عساكر نادر شاه كسحت قرى كثيرة عامرة هدمت كل ما وجدت في كرمليس وبرطلي وتلسقف وألقوش وغيرها وأخذت تغتال شبابها وشيوخها وتسبي نساءها وأطفالها وتنهب دورها وكنائسها وتقتل رهبان معابدها وديورتها … الخ
ومن ذكر هذه البلدة في رحلته الرحالة نيبور في رحلته الى العراق فيقول عن كرمليس : كانت في سالف الأزمان مدينة كبيرة أما اليوم فيترواح عدد بيوتها بين الستين والسبعين بيتاً ، ويذكر المؤلف انها المدينة التي عرفت في رحلات سابقة تحت اسم كاور قوي لأن جميع سكانها من االمسيحيين ولا يقطنها مسلم واحد ( رحلة نيبور 96 ) .
الملاحظ ان كاور وهي الكافر بات هذا المصطلح تطلقه الشعوب التي اسلمت كالفرس والترك والأكراد على المسيحيين ، وقلعة كاور باغي في كركوك أي قلعة الكفار او بستان الكفار ، لأن التقسيم الديني الأسلامي لشعوب الأرض هو الأسلام وهم المؤمنون وغير الأسلام وهم كفار ، ومن هذا المنطلق ايضاَ ديار الأسلام هي ديار السلام وخلاف ذلك هي ديار الحرب .
نمضي لنسير لمشاهدة كرملش في القرن الثامن عشر مع نيبور الذي يقول : أن بيوت هذه المدينة تتراوح بين 60 ـ 70 بيتاً وهي مبنية بالحجر والكلس وأكثرها مقببة . وكان جميع السكان من النساطرة وبعد ذلك نبذوا النسطرة ليتحدوا مع الكنيسة الكاثوليكية .. وإن اللغة الشائعة بين سكان الواقعة في هذه المنطقة هي اللغة السريانية واللغة السريانية او الكلدانية التي يتكلم بها سكان هذه القرى تختلف عن اللغة الأصلية التي كتبت بها كتب الكنائس كما هي الحالة بين اللغة العربية الحديثة والقديمة .. ( رحلة نيبور 98 ) .
إذا كانت كرملش قد واكبت التاريخ العراقي منذ اقدم الأزمنة فإنها اليوم تواصل دورها كنقطة مضيئة على الخارطة الجغرافية والسياسية والدينية العراقية .
إن العاصفة الهوجاء التي تضرب الأرض العراقية برمتها تأبى كرملش التاريخية إلا ان تتحمل نصيبها من موجة الأرهاب والعنف التي تعصف بالعراق المنكوب وقدمت هذه البلدة العتيقة ، التي يلفها العبق التاريخي ، تقدم للعراق كوكبة من الشهداء على ارض الموصل ، وكان آخرهم ابنها البار الأسقف الكلـــداني الشهيد بولس فرج رحو ، الذي احب العراق وأحب الموصل وأحب حبيبته كرملش . وسيبقى مرقده اكليلاً يمجد كرملش العزيزة .
حبيب تومي / اوسلو