الرئيسية » مقالات » رؤيا اليقين لسلام ابراهيم*1-3

رؤيا اليقين لسلام ابراهيم*1-3

يقول (محمد عيسى)*في ديوان البراري :
مقام اليقين
ليتَ لي يقينا ً..
لأضعَ ظنوني قيد الاستعمال
واحلُمَ ما استطعتُ..
حينها..
لن يقول لي العرافُ اضغاثَ احلام
ولن ُتفسد الدماءُ مناماتي ..
ولا يقظتي .
عن دار الكنوز الأدبية في بيروت ،في العام 1994صدرت للقاص (سلام إبراهيم) ، مجموعته القصصية المعنونة رؤيا اليقين ، التي أهداها إلى ناهده، احتوت المجموعة ،على القصص التالية:
( المتاهة، رؤيا اليقين، أنها الحرب، وداع، لقد أسكته، الفأس والشجرة ، الصراط المستقيم ).
زمن كتابته وإنجازه لنصوصها ، ينحصر بين أعوام 1987 و1989 . أي الفترة التي تؤرخ لما قبل نهاية الحرب وما بعدها بقليل..
عن أية حرب ٍ نتحدثُ ؟ حرب صدام مع إيران ؟ أم حربه الداخلية مع أبناء شعبه من الكرد والأنصار الشيوعيين في كردستان..
حرب!! يا لها من كلمة قاصرة ،غير دقيقة، لا تفي بالوصف ، إلا إذا إستخدمت في حالة الجمع بصيغة ِ حروب صدام ونظامه الدكتاتوري ..
هذا ما ينقلك إليه سلام إبراهيم، في مجموعته القصصية ( رؤيا اليقين) ،التي تغور عميقا ً في الذات الأنسانية، ليحكي لك شيئا ً عن إرهاصات النماذج البشرية المنخرطة في صفوف حركة الأنصار، وطبيعة هواجسها ،وتشعب تأثيرات الحرب المدمرة ،التي تعيد صياغة الأنسان، من جديد، فتبدل ُ قناعاته الفكرية والأجتماعية وتغيّرُ من سلوك البشر، وطبيعة الصراعات البشرية وتحولاتها، وتحولها إلى صراع مع الذات ،عبرَ تساؤلات ٍ عن جدوى البقاء في المكان؟
أو عند حدود القناعات ، التي تجرفها وتتخطاها الأيام مع عواصف المعارك الدامية المشبعة بالدم و رائحة البارود ، التي تنشرالرعب والخوف وتشيع الذل والخنوع بين الناس والبشر، وتحولهم إلى حيوانات يفترس بعضها البعض، هذا ما صنعته الحرب وهذا ما كان يريده المخططون لها ..

وهذا ما وجده المعارضون لها ، حينما أيقنوا في لحظات تأملهم العصيبة ، وسط غبار ودخان المعارك الحربية المتواصلة ، إنهم وسط غابة من الوحوش تتحكم بمصيرهم، قيم وغرائز الحيوان ، وأصوات الموت المنبعثة ، من هد ير الطائرات ،وقذائف المدافع، المختلفة الأحجام والمدى ،وأزيز الرصاص، التي تجتمعُ لتنشر الدمار والموت والعفونة.
فتزيد من وهن الروح ِ ، و تتماهى مع حالة الخراب في النفس المحطمة ، التي تتخلى عن طموحاتها و أهدافها ومشاريعها ، لتحصرها وتحددها ، بحكم الغريزة ، بمطلب إستبعاد شبح الموت، والبقاء في عداد الأحياء …
هؤلاء الذين يرصدُ ـ سلام إبراهيم ـ تشوهاتهم الداخلية العميقة، قسوتهم ويعريها ، يكشف خوائهم وعجزهم، في لحظات الحصار والموت، في محاولة منه لإدانة الحرب والقمع ، ومصادرة حرية البشر، برؤية حيادية، من خلال ملامسة عذاباتها الإنسانية الدفينة .
ليصورها عبر مجموعته التي أهداها إلى ناهده ( زوجته) التي رافقت مسيرته ،وعاشت معه، تلك الأحداث ، فتحولت إلى جزء لا ينفصم من أقاصيصه وهواجسه..
في قصة ـ المتاهة ـ التي يفتتح ُ بها مجموعته.. ُيدخلك الكاتب إلى ( هذه المدينة الجوفاء)..ويجري معك في شوارعها الخالية (في ليل مظلم اخرس) مذعور القلب بحثا ً عن ملجأ..وسط ( أشياء تتلا مع في الظلمة أمامي ، خلفي ، فوقي…إلى جانبي…أبواب تضيء للحظة وتغيب..) يهتز القلب.. يكاد ينقلع من بين أضلعه، فيناجي أمه والجبل حيث كان بين وجوه الأنصار الأليفة في قرى الجبل هاديء البال.. قبل أن يحشر في مدينة الفزع تلاحقه آلاف الخيول الجامحة المجنونة بقوائمها الهوجاء والشرر يقدح من عيونها ، يكوي ظهره ..
أهلكه الجري لكن الضوء يفضحه من خلال عدم حياد يته ، ما ينبعث ُ منه من القذائف المتفجرة ، فيكشفه للخيول والشرطة المسرعة نحوه ، تحرق قفاه أنفاسهم القريبة فتنحل مفاصله ويسقط وسط دائرة من خيول وشرطة وعسكر وبقعة ضوء غير محايدة ..
كادت تداعيات النصير داود ، في حلمه تحت شجرة ، في ذلك النهار الثقيل، من أيلول، تشج رأسه ،حينما انتفض ،من نومه فزعا ً ، لير ُطمَ رأسه بغصن شجرة البلوط..
لكنه يخرج من الحلم … ليدخل في كابوس أفظع ، حينما يكتشف إنه بالفعل محصور في بقعة ضيقة لا يستطيع مُبارحتها ومغادرتها لحين مجيء الليل وحلول الظلام ..
(فالجنود اجتاحوا الجبال بأعداد هائلة بعد أن مهدوا لزحفهم بقصف القرى المحررة بغازات الكيمياء… ودفعة واحدة انهار كل شيء)…
ينقلك الكاتب إلى أجواء الأنفال ، ُيصور لك المآساة بتفاصيلها المؤلمة والمريرة…
( عشرات الآلاف من النسوة والأطفال والعجائز مروا بقوافلهم الراجلة نازحين صوب الحدود التركية .. قوافل من البكاء والصراخ والعيون المنكسرة ..قوافل مذعورة تركت خلفها أبناءها أقرباءها المختنقين بالخردل والسيانيد وغازات الأعصاب على عتبات البيوت وفي الحقول وأزقة القرى وأسرة النوم …دون دفن .. كان يشرد بعينيه المتجمرتين من تلك العيون المترعة بالحزن والرعب تعصر قلبه ألما ً وهو يرى بالناظور من قمة كارة .. القرى التي احبها .. ميزة .. كاني ماسي .. كهربه .. كفركي .. سواري .. سبنداري … و..و تطأها أحذية الجند الذين تقذف بهم عشرات الطائرات المروحية.. ينهبون اسلاب الناس المتروكة، ويضمرون النار في بيوت الطين الأليفة… قبل أن تأتي البلدوزرات لتسويها بالأرض.. في تلك القرى ذاق الخبز الحار.. وفي غرفها شم رائحة البيت.. وبعيون نسائها أبصر حنو أمه ) ..
يا لمرارة الحياة في لحظات إنتصار الشر، المصاحب بالعجز التام والكلي أمام جبروت التفوق الشامل للعدو الذي حوّل بنادق الأنصار إلى قطع من حديد ميت يثقل الأكتاف، يتخلصون منها في حلكة الليل لينسوها و يضيعوها في لحظة ضعف تتسرب إلى النفس، وسط قناعة بعدم جدوى المقاومة، بفعل الخلل في المعادلة بين طرفين، كلاهما بشر، لكن احدهم، خال ٍ ومجرد من القيم والمثل الإنسانية ، يعود إلى مرحلة الصراع في الغابة، مستخدما ً الطائرات والمدفعية المعبأة بصواريخ سامة وفتاكة..
يتفرقُ شمل المهزومين، ينقسم، يتجزأ، إلى مجاميع صغيرة ، تبحث عن الخلاص وحلول يكون أحلاهما مرٌ ….
يختار الكاتب ، مجموعة منهم قررت البحث عن حل ٍ لها ..
(تسرب مع تسعة رفاق قاصدين الجبل الأبيض. ارتدوا الليل ستارا ً وتسللوا بين مواضع الجنود السَفرية المنتشرة في كل مكان … ضاقت أنفاسهم برائحة الليل المكتظة بروائح الحقول المحروثة والبارود وبقايا غازات الكيمياء . وزاد وحشتهم وحشة المرور بأكوام الحجارة التي كانت بيوتا ً… وروائح شرسة تضرب انفه بين آونة وأخرى فيردد بذات نفسه.
ـ يا للرائحة.. يا للعفن .. يا للمصير ..أأكون جثة منسية في وحشة ليل الجبل ؟؟ لا…لا
يلعلع الرصاص قريبا ً ويكتظ الليل بروائح الموت .. للموت طعم العفن . لا يريد الموت ، ومع صراخ الجند الهستيري المقترب يتأزم الموقف ،ويدخل داود في مأزق ، يسعى جاهدا ً للخروج منه، حاول النهوض خذلته ساقاه سقط وفقد بندقيته وحذاؤه .. جذبته ذراعان قويتان من كتفه عكس تيار الماء .. هاهو وحده مع زميله صلاح أمّا الباقون فقد تلاشوا في الظلام دون دلالة تطاردهم الخيول يبحثون عن مكان آمن..
يجردُ ـ سلام إبراهيم ـ بطل المتاهة المهزوم داود، من صلته بالعالم شيئا ً فشيئا ً، رفاقه بعد أن تفرقوا، لم يبقَ منهم إلا اربعة فقط ، هو و صلاح وهشيار ويعقوب، بأختصار، قدمهُ عاريا ً، في رمزية عميقة المحتوى، لطبيعة الناس الذين كانت تلاحقهم جيوش الظلام البعثية. كانوا بشر أبرياء مجردين من كل شيء إلا من إنسانيتهم، التي قرر الدكتاتور أن ينتصر ويقضي عليهم هو الآخر …..أيُّ انتصار هذا ؟؟
( ما أنا.. ما أنا الآن سوى نملة .. نملة … نملة ..) بين ثنايا جبل اجرد من البشر وفي ارض جدبه وذليلة إنه الخواء الذي نشأ بين ليلة وضحاها بعد أن فرغت القرى من سكانها …
موقف يضعك فيه الكاتب، في مكانين متباعدين تربط بينهم خيوط الموت. الأول.
في مدن عانت من آثار الحرب مع إيران، ضاقت السبل بأبنائها حينما قرر داود التوجه للجبل، حيث حركة الأنصار والمناطق التي كانت آمنة قياسا ً لما يجري في المدن يومئذٍ ..
– ( ابق يا بني .. لا ترم ِنفسك في التهلكة .
– يا تهلكة.. أتريدين موتي في الحرب .
– ليس كل الجنود تموت.
– وإذا متُ .
ودعها باكيا ً و إلتحقَ بالأنصار حالما ً بيوم الخلاص) …
هاهي أحلامه تتبدد كهشيم في ريح .. فالحرب انطوت مخلفة أحزانها والقي بثقل الجيش الهائل على كردستان فانتشر يخرب القرى، يسرق يقتل بالخردل والسيانيد الأطفال والنساء، الأبقار والأشجار وعيون الأنصار منكسرة ترى الفظائع وتطبق أجفانها لوعة .. غير قادرين على صد تلك الجموع ..
والثاني.
هذه الأشجار في جبال كردستان ، التي يلتصق بها داود، ليحتمي من الموت في محاولة للتشبث بالحياة ، ومن ثم العودة ثانية إلى تلك المدن التي انطلق منها العسكر لنشر الخراب والموت والدمار بكثافة مقصودة بين هذه الأشجار…
يصعق بالبشر من خلال أصابعه الفولاذية .. فيحدد خياره بحركة معاكسة للأولى التي احتاج أثناءها للشجاعة والصبر لحين وصوله مناطق رفاقه الأنصار..
اليوم يفكر بالعودة ، حيث سيلجأ ُ للمدن البعيدة ، التي فرّ منها قبل سنوات .. يستبدل قيم الشجاعة، بأردأ مواصفات النذالة كي يخطو خطوته الأولى في طريق العودة من جديد ، حيث سيتخلى عن رفاقه، ليحزم أمره في الإستسلام مستفيدا ً من ما تبقى من أيام العفو الموعود .
متذكرا ً ما قالته والدته، في لحظة ندم وحسرة على الذي جرى مقارنا ً بين الموقف في كلا الحالتين …
( لو انصعت لمشورة أمك … لما وجدت نفسك في هذا المآزق .. احزم أمرك .. احزم .. فخلف فتحة الوادي معسكر مؤقت … قل لهم- كنت هاربا ً.. وعدتُ نادما ً ملبيا ً نداء عفوكم .. هيا تزحزح من مكانك … ) .
وفي لحظة تأمل مشوبة باحتدام الصراع مع الذات يتمنى أن يتحول إلى صخرة بلا مشاعر ،كي يتخلص من إرهاصات العذاب الذي ينخر ضميره ووجدانه..
( ما اسعد قلبك يا صخرة ؟ .. ما أبرد رأسك ؟ ما …) ويتساءل إن كان بأمكانه أن يُعلم رفاقه المتبقين عن نيته في مغادرتهم ، لكنه يستنبط موقفهم ويحصره، في محاولة التخلص منه ،كي لا يستسلم، فيزداد عذابا ً، آتيا ً من إحتمالات الموت الذي ينتظره، من أكثر من جهة، بمن فيهم رفاقه الذين أنقذوه ذات يوم من طلق أصابه، حملوه على أكتافهم لمسافات طويلة، قبل أن يصلوا المناطق الآمنة ..
هاهم رفاقه ذاتهم قد يقتلونه، من اجل أن لا يسبب لهم المزيد من المخاطر في مشروع تسليمه، الذي يحمل في ثناياه احتمال خيانته، وكشفهم للعدو المتربص بهم، عن مكان وأسماء من كان معه في حالة وصوله سالما ً إليهم ..
إذن هو الموت الذي بات القاسم المشترك للأشياء، في عراق الحروب والدمار والدكتاتورية والقمع، عراق الموت الزاحف على الحياة من كل الجهات.. ها هي أيادي رفاقه التي حملته ذات يوم حينما أصيب بجرح تحيط به، تضغط على لحم رقبته وفقرات عنقه، محاولة خنقه، إنه يفر من الموت إلى الموت … يا لها من محنة .
( سأخبرهم … قلت … سأخبرهم .. سأخبرهم …
.. سيلينون لك الكلام حتى يستقرَ قلبك المضطرب ثم يأخذونك غرة خنقا ً دون صوت )…
وينهي الكاتب القصة بتيه داود في الظلام ..
هذه النهاية الغامضة ، التي تشبه ليل العراق وحياة البشر فيه بعد أن تحولَ وحوِّل إلى غابة يتحكم فيها اللصوص والقتلة، من خلال مروحياتهم التي تجوب السماء بحثا ً عن البشر… إنه غابة لصيد الناس، من أمثال داود الذي حاول الأحتماء بالظلام لكنه فشل …
والقصة حسب معرفتي بطبيعة بطلها وشخصيته الحقيقية ، النصير أبو لينا ـ سعد خليل ـ ، و مصيره الذي ما زلنا نبحث عنه ، بلا جدوى ، حاله حال الملايين من البشر، ممن زهقت أرواحهم ، بيد الجيش الزاحف.