الرئيسية » مقالات » رؤيــا الـيـقــيــن لـســـلام ابـراهـيـم* 2-3

رؤيــا الـيـقــيــن لـســـلام ابـراهـيـم* 2-3

في ـ رؤيا اليقين ـ
وهي القصة الثانية ، التي جعلها عنوانا ً للمجموعة ، يواصل القاص متابعة ذات الحدث، من حيث إنتهت قصته الأولى، في ذلك الليل ،الذي غلف به نهاية الحدث الدرامي ،الذي كانت ذروته ، تفكك وتبعثر قوى الأنصار، وتحولهم إلى مجاميع صغيرة ، تنقسم وتتجزأ ُهي الأخرى إلى حالات فردية، تبحث عن الآمان وسط خراب شامل، ومخاطر جدية تحدق بهم في كل لحظة يخطونها من جراء ِ سيطرة العسكر وأجهزة القمع التي تتربص بالبشر في كل مكان ..
يسير بك مع مغامرة عودة البعض منهم وتسللهم إلى الداخل من جديد ، إلى حيث تلك المدن التي هربوا منها قبل عشرة أعوام مضت، ليلتحقوا بالأنصار في الجبال …
هاهو في رؤيا اليقين ، يعيدك من خلال شخصية الغائب وتتبع خطوات عودته ، من ذلك المكان المحاصر..
( تضيء رأسه حرائق الجبل ويسكن صمته رعد آلاف القذائف والصرخات متجرعا ً طعم مرارة لم يغادر فمه منذ ذلك النهارالذي أظلمَّ بدخان الحرائق .. ففي واد ٍ ضيق فقد أربعة رفاق حاصرهم الجند المنتشرون بالمئات على السفح . تفرقوا بين الصخور وأشجار البلوط الكثيفة . ضاق الوادي والدنيا لحظة اشتباك النيران ) ، ( تسلل إلى أطراف الموصل متسترا ً بالظلام ) لينطلق منها نحو مدن في الجنوب ذات …
( جدارية عريضة يشغل نصفها العلوي الرئيس بوجهه الجاف وبدلته العسكرية المطرزة بالأوسمة وهو يلوح بذراعه مبتسما ًبهزء من آلاف البشر.)
تلك العودة التي تخطى فيها الكاتب حدود الذات وطبيعة الحدث الفردية، وحولها في دلالات رمزية عميقة المحتوى إلى عودة شاملة تمثلت في جانبها المهم ليس في خلاص الفرد ووصوله إلى حيث يبحث عن مكان آمن لتفادي خطر الموت المحدق به، بل إلى مراجعة فكرية ناقدة لماضيه وسلوكه السياسي و أدواته التي كافح بها وطبيعة علاقته بهؤلاء البشر المتميزين، من الأنصار، ممن كانوا يكافحون تحت راية شعارات عاطفية أثبتت الأحداث زيفها هي الأخرى، وعدم جدواها، وساهمت في تحويل بعضهم إلى “قتله”، في مسار عملية الصراع المعقدة التي تحوِّل العلاقات الإنسانية بين البشر إلى ساحة فناء ودمار، تتحكم بها قوانين الحرب، تعيد صياغة المفاهيم والتصورات، لتنتج ما يلائمُ إفرازاتها الدموية والفكرية التي تبرر اللجوء للقسوة، تحبذ العنف، وتبيح ممارسته، بين من كان، يكافح ضد الدكتاتورية وممارساتها…
( عجنني الجبل بصخوره…فقسا قلبي … قتلت الكثير . اقتحمت ربايا ومعسكرات ومدنا ً.. حرزت بأنحاء جسدي عشرات الشظايا ، تبقع جلدي بحروق الخردل وفقدت أصبعا ً من أصابع قدمي بعد أن رمته عاصفة ثلجية بالغنغرينا، توسدت الأشجار أكلت عشب الأرض، والتحفت النجوم والبرد مصبِّرا ًنفسي وحالما ً بعودة ليس مثل هذه العودة ..) .
ها هي المعادلة تتفككُ أمام قسوة الحدث …
( ضاق بنا الجبل .. فالجيش الراجع لتوه من حرب السنين الثمان دبّ علينا دبيب النمل بعد أن رش القرى والأودية والسفوح والقمم بالخردل والسيانيد …. بعيني هاتين رأيت الجند يدفنون أسرى الأنصار أحياء .. ) .
تتبدل وتنمحي لتتلاشى القيم .أصبحت المجموعة المتبقية من أربعة أنصار فقط ، تفقد مبررات وجودها…
( نهشتنا الأحقاد فانشغلنا يتسقط الواحد منا أخطاء الآخر تنابزنا بالألقاب وأوغلنا بدماء بعضنا البعض! وبالتالي.. وجدنا أنفسنا ساعة الحومة منهكين). يشك احدهم بنوايا الآخر، إن فكر في البحث عن حل للخروج من المأزق الذي هم فيه، وقد ُيخّوَن منْ قبل أصحابه، ويغدرون به، كي لا يسبب لهم أية مخاطر في حالة إبتعاده عنهم ..
ان الموقف مبني على مجرد ظنون، وتأويلات لمسار الحدث، لكن، منطق الموت يطغي عليه …
في الوقت الذي لم يبقَ أمامه إلا ّ العودة إلى حيث إنطلق من رحم أمه في ذلك الدار البائس، الذي لا يتواجد فيه غير تلك الأم المسكينة، التي فقدت أعزائها الواحد تلو الآخر…
( إنهم يا ولدي أخوتك الثلاثة ، وأبوك … أخذوهم الواحد بعد الآخر قبل خمس سنين … وتركوني وحيدة ً.. أتعبني التجوال بين السجون والمعتقلات، شبعتُ شتما ً بذيئا ً من رجال غلاظ القلوب .. أضنتني الوحدة … كدت أموت كمدا ً .. لكنهم نبعوا كل في غرفته .. وجدتهم ذات ليلة يغطون في سبات عميق … عميق . بح صوتي لكثرة ما دعوتهم للاستيقاظ .. يئست فبنيت لهم مسكنا ً يسترهم من الأنظار .. إنهم ينامون الآن يا ولدي .. يحلمون .. ينهضون بين الحين أثناء الاسحار بملابسهم الملطخة بالدماء، يحيقون بي … يسرونني بما رأوه من أهوال في أقبية التعذيب ) ، وبقي ابنها الوحيد ، النصير الغائب،المحاصر من حيث لا تدري، تصلي من اجله…
(اللهم برني بالوحيد الغائب .. الحاضر .. لا تذله .. وادرأ عنه الشرور . واعم عنه بصر الحاكم الفاجر .
اللهم.. اصرف عن نفسه السوء .. واجعله شجرة طيب ثمرها.
اللهم.. أذلّ الحاكم الفاجر .. و أأمن الناس من شره وضره .. فقد أغرقنا بالدم والحزن…
اجعل غضبك يمحقه محقا ً لينجو البشر من مصائده وكيده .)…
ُيخطط من جديد للعودة إليها ، كي تحميه كما حمته في طفولته إنه يبحث عن ملاذ لن يجده إلا بالعودة إليها ، إلى ذلك الحضن الدافيء..
وهو في ذات الوقت خط التراجع الفكري في العودة لأعادة حسابات الذات المريرة أيضا ً …
أين دور الحركة ومستلزمات حمايتها لأعضائها ؟
لماذا عجزت من توفير بقعة آمنة لهم في هذا الكون الشاسع؟ ..
من يتحمل مسؤولية هذا التداعي للأحداث؟ وفي عدم وجود خط آمن لحركة الغائب ؟؟
تلك أسئلة يطرحها النص ليحاكم فيها أبعاد تأزم الموقف بنظرة جادة من خلال رؤية فنية جميلة تمثلت في إنتقالات الحوار الداخلية…
تمكن فيها القاص الأبحار عميقا ً والغوص في ثنايا النفس البشرية، ليكشف أعماق الجرح في الروح المعذبة، وعن حالة العطب التي أصيب بها المجتمع الذي افرز تغييرات بنيوية في حالة السكان ومشاعر الناس إزاء بعضهم ..
انه تحول خطير للغاية يجري في كل مكان، يجرف البشر، يستبدل الجيران ويغيير من هويتهم …
( عن أي جيران تسأل لقد تغيروا مرارا ً.. شأنهم شأن الكثير من الأشياء التي اختلفت استبدل البعض أبناءهم الذين قتلوا في الحرب بالدنانير وبيوت حديثة وسيارات. ورحل البعض إلى أماكن مجهولة، وما بقي في ركننا سوى عوائل الفارين من الجبهات، والمعدومين والمعتقلين، والمتخلفين… ثم تقاطر إلى زاويتنا المهجورة الكثير من الأغراب. عرب … اكراد .. صابئة .. شيعة .. آثوريون .. عجائز … شيوخ … ذوو عاهات .. يتامى أرامل .. عاهرات .. مرضى … زوجات هاربات…..قطعوا عنا الماء والكهرباء .. أتدري يا ولدي.. رغم كل البؤس .. فإنهم يقتحمون ركننا بين الفينة والأخرى بحثا ً عن الهاربين من الجبهات … يفجرون البيوت الخربة .. يعتقلون ساكنيها مع الفار المقبوض عليه )…
ومكوث البطل وعودته لذات الموقع مع أمه … وفي تلك الزاوية التي ولد فيها من الدار، ما هي إلا عودة رمزية للمكان، الذي مازال نقيا ً وخال ٍمن ملوثات الصراع الدامية ، ذات الطبيعة الحيوانية بين بالبشر ، مكان هوالبيئة التي ستوفر له الفرصة لإعادة تركيب نفسه وتصليح قطعها المعطوبة وترميم روحه وذاته المتناثرة ..
ها هي أمه تنفخُ فيه الروح من جديد ، تنبهه إن الزمن يسير، بلا توقف إلى الأمام، تطلب منه أنْ لا يكون أسيرا ً لليأس والأحزان، تنهره أن لا يستسلم للموت وتدعوه للتشبث بالحياة والأمل …
( قمْ… لا تقل ضاقت بي السبل )..
تفتح عينيه الغائرتين، تزيح الريب من قلبه كي يخزن أحزانه و يبصر بوضوح الطرق والسُبل المفتوحة أمامه ،السالكة إلى أعماق البشر المهجورين :
( ما الذي أخركم في الجبل كل تلك السنين ؟
….تاركين الأشياء تحترق في إنتظاركم…. البذور .. جذور الأعشاب.. المدن …. المحطات .. الأجنة…. العمال …. الجنود….).
تلك هي المفردات البليغة التي ضمنها سلام ابراهيم في قصته ،رؤيا اليقين، لتكون جزء ً من أدواة العمل التي تنتظر الغائب المقهور والمهزوم ، لحل المعضلة التي تواجهه، في مسعاه لتغيير الأشياء ، لقد أبدع الكاتب في نسج الخيوط المتداخلة ،بين الحلم والواقع ، في سياق النص المعقد ، المشبع بالألم والدم ، في لغة لا تخلوا من التفاؤل ، طالما كان هناك ثمة ضياء ، ينبعث من خلف الجدران، يخترق شعاعه الكون، وينفذ في أعماق الروح، ليوقظها ويشحنها بالأمل والأصرار على عدم الخضوع للذل ومطاوعته أو الأنحناء والأقرار بالهزيمة …. أو الإستسلام لحالة الأنكسار المؤقته … والأستعداد لمواجهة تحديات اليوم الجديد ..
هذا هو الرأي الذي توصل إليه، برؤية يقينية، داود الشخصية الرئيسية في قصة سلام إبراهيم التي حملت عنوان مجموعته ..