الرئيسية » مقالات » أزمة المواطنة اليزيدية وتداعياتها في حوار حضاري

أزمة المواطنة اليزيدية وتداعياتها في حوار حضاري

مبادرة جديدة وجريئة أقدم عليها الكاتب المبدع ( هوشنك بروكا ) لتقييم واقع اليزيدية وحقوقهم الغائبة أو المغيبة في عراق المركز وعراق إقليم كردستان عن طريق فتح بابا للحوار والمناقشة الحضارية لتشخيص أزمة المواطنة عبر تحشيد جماعي لمختلف الفئات تحمل أنواع الآراء والإيديولوجيات التقليدية في سابقة تنم عن ذكاء صاحبه المتمكن من أدواته اللغوية والحرفية في طرح معضلة المواطنة والحقوق اليزيدية , وجمع الآراء والمناقشات على جميع المستويات واختلافها على موقع بحزاني الالكتروني .
أهمية هذا الحوار ليس في موضوع التغييب فقط كما يمكن أن يبدو للوهلة الأولى , لان السؤال الأساسي الذي يطرحه الكاتب تتجاوز الإشكاليات المباشرة المطروحة في أزمة المواطنة والتي يشكل الغياب اليزيدي فيها كنتيجة لعملية تراكم كبيرة بسبب نمط السياسة المتبعة التي أدت غيابها إلى أيجاد نوع من الحداثة السياسية تسعى إلى إضعاف الهوية الوطنية , كما إن الكاتب لا يكتفي باستبيان الآراء ولا الكشف التحليلي فقط , لكنه يحاول أن يقدم بعض الحلول عن طريق تامين قدر كبير من تعبئة الطبقة الفكرية في تحديد الأسباب في سيطرة العشائرية والقبلية على النظم الحكومية وبالتالي تداعي مفهوم المواطنة كنتيجة لغياب العدل والمساواة , وفي معرض محاولة الإجابة المطروحة تأتي الردود مختلفة وشاملة تسمح بمواجهة المستقبل بقدر اكبر من الثبات لأننا فعلا نعيش اليوم فترة تداعي المواطنة وانهيارها في ظل إحساس عميق بغياب أية إمكانيات للسيطرة على ما يجري وغياب اكبر حيال ما يمكن أن يجري مستقبلا , سيما إن الأزمة لاتطال السياسة فقط لكنها تغلغلت وتجذرت على صعيد مختلف المناحي الاجتماعية والثقافية , وفي محصلة هذا الوضع المتأزم كله يبدو أن ليس هناك ما يمكن عمله في ظل هذه الرؤية السوداء ..
إن الانتماء لأي بلد لايتحدد بمجرد كون المواطن مولود فيه أو حصل على جنسيته بطريقة من الطرق القانونية والتي هي من المساءل المسلم بها لأنه لايمثل الجوهر الحقيقي للانتماء الفعلي ما لم يؤخذ بنظر الاعتبار أهمية الجوانب العملية التي تتجسد في الحقوق والواجبات التي يجب أن يتمتع بها المواطن كحرية العقيدة والفكر والتعبير والتملك إضافة إلى الحقوق القومية والثقافية وان عدم التمتع بهذه الحقوق يؤدي إلى اتجاه المجتمع اتجاها عنصريا و بالتالي إلى تراجع الشعور بالمواطنة .
إن واقع حقوق الإنسان في العراق مختلف ومعقد لأسباب قد يكون أبرزها ظروف المرحلة الانتقالية وتدهور الأوضاع العامة , أما واقع شعبنا اليزيدي المتميز بسبب خصوصيته , فلعقود مضت تعاملت الدولة ـ عبر أنظمتها المختلفة ـ بشكل اللامبالاة معه , مما سهل السقوط في فخ الأحزاب السياسية ـ لأنها أسهل الطرق في تحقيق الأهداف والمصالح ـ بسبب سياسة الإقصاء والتهميش التي حولتنا إلى مواطنين ورعايا من الدرجة الدنيا واستمرار هذه السياسة في الوقت الوقت الذي يتهيأ فيه العراقيون للانتقال إلى مرحلة يفترض به انه الأفضل , لكن لم يتغير أي شي إلى الأفضل إن لم يكن العكس , وما شهده عام 2007 من انتهاكات من قبل المتطرفين الإسلاميين بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث وتهرب القيادات في حكومتي المركز والإقليم من مسؤولياتهما القيادية في احتواء هذا الشعب ـ رغم التجاء اليزيدية للاحتماء تحت خيمة كردستان الإقليم سياسيا وقوميا وجغرافيا وتقديم ما عليهم من التزامات وواجبات المواطنة ـ لكن دون أن يتحقق لهم أيا من المكاسب والحقوق ولم يتساوى مع غيره مقابل فروض الطاعة والالتزامات كمواطنين , وبقيت حقوق اليزيدي منقوصة رغم النص بالمساواة في الدستور إلا إن التشريعات لوحدها غير كافية لمنح الحقوق ما لم يسندها دعم حكومي , مما يدفعنا لان نرسم أكثر من علامة تعجب !! الذي بدل أن يتمتع المواطن اليزيدي بحقوقه الدستورية أسوة بغيره , أصبح يستجدي اقل ما يمكن من هذه الحقوق عن طريق الالتجاء إلى الأحزاب والمنظمات السياسية والذي أدى بالتالي إلى انقسامهم وتشتتهم وفق أجندات تلك الجهات المختلفة في سياساتها , حتى أصبح إشغال أي سلم وظيفي أو منصب إداري أو سياسي مرموق يستحيل أن يتحقق دون تزكية الجهة الحزبية أو الدعم القبلي والعشائري على حساب الكفاءة والخبرة ورغم الوعود المستمرة أمام تلك الاستحقاقات , هذا الإشكال يدفع المواطن إلى أن يفقد إيمانه بانتمائه الوطني ويجعله في سعي مستمر للبحث عن هوية انتمائه للوطن عبثا , وإلا كيف نفسر وتحت أي خانة نضعه عندما تغيب المشاركة اليزيدية سواء في حكومة المركز أو حكومة الإقليم في السلطة وعدم تمتعهم بالمساواة الدستورية إضافة إلى تردي الخدمات الاجتماعية والعمرانية في المناطق اليزيدية والتغييب المتعمد مرورا بالانتهاكات الاجتماعية والدينية والتي أصبحت حقيقة واقعة في خريطة العراق السياسي ؟؟ .
فنحن مهمشين ولا نزال مهمشين بل إن تهميشنا يزداد في مقابل قلة تحتكر القرار السياسي وكأنه مقدر علينا أن لانكون شركاء اصلاء في الوطن إلا بتقديم التنازلات , وان أية مطالبة بالتمتع بالحقوق الدستورية والتعبير عن الرأي بشفافية قد يعني ( الخيانة ) التي يستحق مرتكبها العقاب الذي في أحسن الحالات يكون بالإقصاء .
إن مكمن المشكلة هو في الدستور , والحقوق المغيبة لاتمنح إلا إذا كان الدستور علمانيا , فكثير من مواد الدستور بحاجة إلى إعادة النظر فيها رغم الاستفتاء الذي تم التصويت عليه , وان فصل الدين عن الدولة ومؤسساتها أصبحت ضرورة ملحة في نشر مواضيع مصيرية كالديمقراطية وثقافة التسامح والتعايش ومعالجات تعزز من الوحدة الوطنية وتحقيق العدالة التي تعتبر الركن الأساس في تحقيق المساواة وقطع دابر الإرهاب وتنهي العنف والصراع الداخلي وتحقيق طموحاتنا المشروعة سواء ما يخص حق الشراكة في السلطة وفق المادة 125 من الدستور أو ما يلازم ذلك من تطبيق المادة 140 التي اتفقت الآراء على إن تطبيقها في المناطق اليزيدية سوف توفر الأجواء اللازمة في تفعيل المواطنة الحقيقية وبعث الثقة لدى المواطن اليزيدي بدلا من الازدواجية الإدارية , ولن نذهب بعيدا ولن نسبر أغوار التاريخ ولن نتحدث عن استرجاع التاريخ رغم اعتزازنا بمضامينه لأننا نعيش الواقع , فلا تزال هناك فسحة من الأمل في تصحيح المسار وإعادة مؤشر البوصلة لوضعها الطبيعي لأننا في نهاية المطاف نريد إقرارا بحقوقنا بما لنا وما علينا .