الرئيسية » مقالات » لماذا كسّرنا الأقلام وقطعنا الألسنة؟

لماذا كسّرنا الأقلام وقطعنا الألسنة؟

-1-

رغم ما شاب ماضينا وتاريخنا العربي من عسف وظلم وطغيان وجبروت، إلا أننا كنا في الماضي أمة الحوار والجدل. وكانت كلمتنا في كثير من الأحيان تطغى على سيوفنا، وحُلمنا يطغى على عقابنا. وفي العصور الذهبية للحضارة العربية أصبح الحوار والجدل والنقاش والرأي والرأي الآخر عِلماً قائماً بذاته. فـ “علم الكلام” الذي اشتُهر به “المعتزلة” خاصة، هو علم الجدل والنقاش والرأي والرأي الآخر الذي نضيق به، ونرفضه هذه الأيام، ونستبدله بالسيف وكاتم الصوت، وسوط الجلاد، وقضبان السجون. والحضارة العربية لم تزدهر ولم تنل احترام التاريخ وتقديره وتحتل أوسع صفحاته إلا من خلال هذا الجدل ومن خلال “علم الكلام” الذي أصبح علماً وليس ثرثرة، أو صراع ديكة على شاشات الفضائيات، لتفريغ الكثير من شحنات الاحتقان السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

-2-

لقد بلغ “علم الكلام” أهمية كبرى في العصر الذهبي للحضارة العربية وعصر الخليفة المأمون خاصة (813- 819 م) وكان قبل ذلك وبعد ذلك، إلى درجة أن بعض الخلفاء وأمراء المناطق كانوا يحضرون ويشرفون على المناظرات والجدل القائم بين الرأي والرأي الآخر، وهو ما فقدناه منذ مدة طويلة، وتمسك به الغربيون وخاصة في أمريكا. فنشهد هذه الأيام في الحملة الانتخابية الرئاسية الجدل السياسي والاجتماعي والاقتصادي الراقي بين المتنافسين على كرسي الرئاسة الأمريكية الأولى. وخارج هذه الحملات الانتخابية نشهد كل يوم الرأي والرأي الآخر من خلال المعاهد الفكرية والسياسية Think Tanks التي يعجُّ بها الغرب، وتعجُّ بها أمريكا على وجه الخصوص. بينما العالم العربي يعجُّ ببرامج الفضائيات التي يتصايحون ويتصارعون فيها كالديكة، لكي يكون هناك غالب ومغلوب، لا ليكون هناك رأي ورأي آخر.

فما أكثر الكلام الذي ينداح، وما أقلّ الفكر الذي يرتاح.

وتلك هي أولى مظاهر وعلامات الانحطاط الحضاري.

-3-

فعل مرِّ التاريخ كانت الحضارة الإنسانية في أدنى درجاتها وأحطِّ مستوياتها، عندما لا ينتج الفكر الإنساني جديداً، ويكتفي بالثرثرة والتلقين واجترار فقرات النصوص.

وفي الماضي القريب استعاد العرب قسطاً ليس صغيراً من “حضارة الجدل”، وسجلوا نقاطاً لصالح حرية الفكر و”علم الكلام”.

ففي القرن التاسع عشر جادل جمال الدين الأفغاني الفيلسوف الفرنسي أرنست رينان (1823-1892) في محاضرته (الإسلام والعلم) التي ألقاها في جامعة السوربون عام 1883، حين جحد رينان أن يكون للعرب وللمسلمين ثراث علمي من إبداعهم الخاص. وحين أنكر رينان قدرة العرب والمسلمين على النهضة من جديد.

وكانت نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين العصر الذهبي الجديد للجدل العربي والإسلامي. فدخل الشيخ محمد عبده (1849-1905) عام 1903 وفرح أنطون (1874-1922) في جدل فكري راقٍ ورفيع حول ضرورة فصل الدين عن الدولة. فلم يُكفّر الشيخ محمد عبده علمانية أنطون كما كفّر الشيخ يوسف القرضاوي في هذا الزمان العلمانيين وعلى رأسهم فؤاد زكريا، في كتابه (الإسلام والعلمانية.. وجهاً لوجه، 1987). وعندما أصدر أستاذ الرياضيات البحتة في جامعة سان بطرسبرغ، المفكر المصري من أصل تركي، الشاب إسماعيل أدهم (1911-1940) كتابه العاصفة (لماذا أنا ملحد، 1937) لم تُعلق له المشانق، ولم يتهم بالردة، ولم يطرد من مصر، ورد عليه أحد شيوخ الأزهر بكتاب “لماذا أنا مسلم”.

-4-

وبداية القرن العشرين كان انتعاشاً جديداً لـ “علم الكلام”. وكان الرأي والرأي الآخر على أشده. وشهد الفكر العربي جدلاً فكرياً راقياً بين الشيخ علي عبد الرازق ومحمد بخيت المطيعي ومحمد الخضر حسين والطاهر عاشور التونسي الذين اشتركوا في نقاش علمي وتاريخي وديني بديع حول “الإسلام وأصول الحكم”، وهو عنوان الكتاب الذي وضعه الشيخ علي عبد الرازق عام 1925، وأثار به ضجة كبيرة، حالت بين الملك فؤاد وبين الخلافة الإسلامية.

وكان طه حسين ومصطفى صادق الرافعي ومحمد فريد وجدي ومحمد أحمد الغمراوي ومحمد الخضري يتجادلون الجدل حول الشعر الجاهلي. وتجادل الشيخ خالد محمد خالد من خلال كتابه (من هنا نبدأ، 1950) مع الشيخ محمد الغزالي، من خلال كتابه (من هنا نعلم، 1950) وقال الدكتور جابر قميحة بهذا الصدد إن الشيخ محمد الغزالي ” بعلمه الموسوعي الغزير، وقوة عارضته، استطاع أن ينقض كتاب خالد محمد خالد عروة عروة، وخيطاً خيطاً دون أن يخدش الرجل في خلقه وعقيدته، وبذلك استطاع الغزالي بهذا الكتاب، وبما تلاه من كتب، أن يثري أدب الإسلام في الجدل والمناظرة، والحوار، والتحدي، والتصدي”.

-5-

وقد كان لجدل الفكر أن يستمر هكذا، وبهذا الشكل الجميل، طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، ومطلع القرن الحادي والعشرين لولا اشتداد لغة القوة والعنف، واستبدال الجدل بالقتل، واستبدال النقاش بالرشاش، واستبدال الحوار بالنار، وكان ذلك لأسباب مختلفة أهمها:

1- سيطرة الأنظمة الديكتاتورية وخاصة العسكرية منها على مقاليد الحكم في العالم العربي، والتي اتبعت سياسة “نفّذ ثم تكلم”. وما جدوى الكلام وأهميته بعد أن يكون العبيد قد لبّوا ونفّذوا كل ما أمرهم به السيد الديكتاتور.

2- انتشار الأنظمة العربية المؤدلجة سياسياً ودينياً، وعملها بكل الوسائل السياسية والمالية والثقافية في فرض أيديولوجيتها بقوة السياسة والمال على شعبها وعلى بقية الشعوب العربية الأخرى المستهدفة. وقد نفت تلك الأيديولوجيات الدينية والسياسية الرأي والرأي الآخر. واعتبرت خطابها السياسي والديني هو الأول والأخير. ولم يعد لعلم الكلام أو الجدل مكان أو منبر غير منبر الدولة الرسمي الذي يحول بين المعارضة وبين الإعلام ووسائله. وهذا ما كان قائماً في دول غربية وشرقية كإيطاليا في العهد الفاشي، وألمانيا في العهد النازي، والصين في العهد الشيوعي الماوي.

3- ظهور الاتجاهات الأصولية المتشددة من جرّاء سيطرة الديكتاتوريات العسكرية والحزبية والعشائرية. وهذه الاتجاهات لجأت إلى العنف والقوة وسطوة السلاح لعدم تمكنها إيصال رأيها وخطابها الديني والسياسي بحرية. وهذا الظهور أدى إلى تقليص هامش الحرية الفكرية التي كان يتحرك فيه الليبراليون والحداثيون إلى الحد الذي أجبرهم على السكوت تماماً في معظم الأحيان في ظل الهجمة الأصولية التي كانت تقطع الرقاب، إلا من حمل روحه على كفه، وغامر بحياته. وبذا انهزم الفكر العربي أمام تكسير الأقلام، وتقطيع الألسنة والرقاب.