الرئيسية » شخصيات كوردية » البارزاني الخالد.. والبناء الاستراتيجي للنضال التحرري الكوردي في كل المراحل

البارزاني الخالد.. والبناء الاستراتيجي للنضال التحرري الكوردي في كل المراحل

منذ ظهور البارزاني الخالد بين الكورد فان سيرته هي سيرة الشعب الكوردي. ولد ملا مصطفى البارزاني مطلع القرن العشرين وفتح عينيه لاول مرة في غياهب السجن، كانت نظراته للعالم هي قدر الشعب الكوردي فكان السجن رمزا لضياع كوردستان كما هو ضياع للتاريخ والجغرافيا.
ومع تقادم السنين اصبح ذلك الطفل رمزا لكفاح الشعب الكوردي وغدت تصوراته منطلقا نظريا وتأطيرا سياسيا قاد الكورد من خلالهما الى افاق مستقبلية رحبة من خلال الفهم الواقعي لاتجاه حركة التاريخ.
ترعرع البارزاني في اجواء الرفض والمقاومة للواقع المأساوي المرير الذي عاشه الكورد عقب الغبن التاريخي والسياسي الذي لحق بهم ونكث الحلفاء لوعودهم واتفاقياتهم التي غدت سراباً بعد عين. فبلادهم قد قسمت بين اربع دول متجاورة وفقا لقرارات الدول الاستعمارية المنتصرة في الحرب الكونية الاولى تلك القرارات المبنية على مصالحها وما تقتضيه من مؤامرات ولتجعل من الجغرافية الاخطبوطية عقدة المنشار في طريق حركة التحرر الكوردية عبر سياج مطوق بقوى اقليمية لئن اختلفت في توجهاتها السياسية وطبيعة نظمها الا انها تلتقي في مسألة الوقوف ضد الحقوق المشروعة للشعب الكوردي وقد قادها ذلك الى تحالفات عسكرية ولوجستية وامنية كحلف سعد اباد وحلف بغداد وغيرهما من الاحلاف المقيتهم، وفي ظل التقسيم الذي فرض كراهة على الشعب الكوردي طمست حقوقه بالكامل واصبح مطاردا في ارضه التي تعرضت لابشع صور التطهير العرقي والتغيير الديموغرافي ومسرحا لتعديات شكلت سابقة خطيرة في التاريخ الحديث، وفي الوقت الذي لعبت الايادي الغريبة المتطفلة على خيراته ونعمت بها فان الشعب الكوردي بقي خالي الوفاض من خيرات كوردستان مثلما وجهت هذه الثروات بالضد من ارادته بهدف تقتيل ابنائه وتشريدهم..
اقحم الواقع الكوردستاني المتعدد المآسي والالام البارزاني واجبره على الدخول في ساحة النضال السياسي والعسكري وهو في ربيع الشباب وانطلق من الميراث القيادي الثوري الذي خلفه له اجداده، فهو خريج مدرسة غنية ذات مسيرة قيادية معطاء فجاء هو ليكملها ويوصلها الى الذروة ليحقق لها النضج والتوسع عبر اخراجها من دائرتها المتشكلة وفق مراحل سابقة وتحويلها بعملية ديناميكية من كم متراكم الى كيف واقعي وعملي حسب الظروف والمستجدات وجعلها على شكل مؤسسة قيادية متمثلة بالحزب والتشكيلات العسكرية والاقتصادية وجعلها ملكا لامة على امتداد جغرافية كوردستان.
عندما اندلعت ثورة الشيخ محمود الحفيد في مايس 1919 ضد الاستعمار البريطاني تضامن معه الشيخ احمد البارزاني وبعث برسائل عديدة الى رؤساء وشيوخ العشائر الكوردية في منطقة بادينان حثهم فيها على التضامن مع الشيخ محمود الحفيد والمساهمة في ثورته وارسل الشيخ احمد شقيقه البارزاني الخالد على رأس قوة من المقاتلين عن طريق (دولي بياو) وعدد اخر عن طريق (بالك) واصطدمت القوتان بالعديد من الكمائن التي وضعها عملاء الانكليز في الطريق واستشهد عدد منهم قبل وصولهم الى السليمانية وعندما وصلت طلائع القوة البارزانية كانت الثورة قد قضي عليها وقام البارزاني بمهمة قومية كبرى قبل بلوغه سن العشرين اذ انه تقديرا للدور الذي لعبه الشيخ عبد السلام فقد ارسل الشيخ عبد القادر النهري رسالة حملها الشيخ عبد الرحمن الشرنخي الى الشيخ احمد اقترح فيها عليه قيادة الحركة الكوردية الا ان الشيخ احمد رفض قبول ذلك وارسل شقيقه البارزاني مصطفى الى كوردستان تركيا صحبة الشيخ عبد الرحمن الشرنخي والتقى البارزاني مع الشيخ عبد القادر والشيخ سعيد بيران في منطقة موش وكان ذلك في الفترة (1917-1919) ولاجل تناول شخصية البارزاني الثرة بالتحليل لابد من القاء الضوء على دائرة نشأته باعتبارها نقطة تماسك الوعي وانطلاقته وعوامل التأثير المباشرة والتي اليها ينتمي ومنها اكتسب لقبه حيث اسرته وقرية بارزان مشعل الثورات الكوردية فللاسرة البارزانية دور تاريخي تميزت به اذ عرف عن الاسرة البارزانية منذ اجيال مواجهة الظلم ورفض الاستبداد والذود عن حياض كوردستان وكرامة الكورد والتصدي بكل الوسائل لعنف السلطات واجراءاتها اللاانسانية والتضحية في سبيل ذلك بكل غال ونفيس وكان هدف (بارزان) القومي اخراج القضية الكوردية من اطارها المحلي المحدود الى الاطار الاشمل على الصعيدين الاقليمي والدولي وكان هذا سببا للنيل من رجالاتها ولم تتوقف بارزان عن العطاء فكانت المنبع الدائم للثورة على الظلم والاضطهاد من اجل حرية الكورد.
واصل الشيخ احمد اداء الكفاح الوطني الذي اراد اعداء الكورد ان يتوقف فشاركت بارزان في انتفاضة مدينة عقرة عام 1919 ودعمت ثورة قبيلة الكويان خلال شهر نيسان 1919 في زاخو، وفي ايلول 1922 شارك ثوار بارزان في الهجوم على مدينة العمادية تضامنا مع الانتفاضة التي انطلقت بوجه الاحتلال وواصلت العطاء على الرغم من فترة السلام القلقة التي مرت عليها خلال الاعوام 1920-1931 والتي تميزت باستياء وظلم متراكم على بارزان، وفي ربيع عام 1920 كان الشيخ احمد البارزاني والاسرة البارزانية يعيشون حالة الم وحزن بسبب استشهاد سعيد اولي بك من رؤساء عشيرة شيروان البارزانية ووالد اولي بك الثاني الذي استشهد بدوره في معركة (ميركة سور) عام 1945 ومن خلال استطلاع صفحات التاريخ المشرقة يتبين ان القادة والشخصيات والابطال الذين يخرجون من رحم معاناة شعوبهم لا يظهرون من تلقاء انفسهم ولا تولدهم العفوية العابرة وانما كحاجة وضرورة موضوعية تاريخية تأتي كرد وفق قانون حركي طبيعي فيوجهون المسار التاريخي باتجاه الظفر عبر قراءة واقعية لا ساليب المجابهة.
ان الظلم والقهر والاضطهاد والاستغلال وسلب الحريات وتقييدها ومصادرة حقوق المكونات الاجتماعية او الشعوب ودفعها باتجاه البؤس والفاقة ومواجهة خط المجابهة بكل ذلك القمع يولد احترام المعارضة ويوسعها بعد ان تظهر بشكل محدود بداية بشكل اشخاص محدودين تتميز مقاومتهم الشخصية عن الاخرين في المجتمع، من رحم تلك المجابهات تبرز الخصائص والمهارات لتتحول من اطار الفرد الى مؤسسة واسعة تتفاعل بدورها مع كل ما موجود على الساحة بابعاد تتكفل بابداع ما هو ضروري لحركة الصيرورة التاريخية والانسجام مع كل الظروف.. اخترق البارزاني الخالد خلال الاعوام (1931-1975) حواجز التاريخ ومجاهله وليس بوسع اي باحث او مؤرخ ان يسجل لتاريخ الشعب الكوردي المعاصر او حركته السياسية المعاصرة بمعزل عن دوره لان قصة الحركة الكوردية المعاصرة هي حركة البارزاني دون منازع.. يقول الميجر ادغار اوبلانيس المحلل العسكري الانكليزي (ان قصة الثورة الكوردية انما هي قصة الزعيم المحارب مصطفى البارزاني) عرف عنه ايمانه العميق بالشعب الكوردي باعتباره المصدر الاساس للنضال وان على القوى السياسية الكوردية كلها ان تضع في مقدمة اهدافها المصلحة القومية.
برز دوره القيادي والبطولي التاريخيان في معركة (دولافازي) التي يمكن اعتبارها نقطة تحول ذات مكانة بارزة في حياته العملية فقد وقعت هذه المعركة ليلة 4- نيسان 1932 وهي احدى المعارك الكبرى والاساسية لثورة الشيخ احمد البارزاني والتي يمكن تحديد مكانتها التاريخية انطلاقا من نتائجها في جوانبها المختلفة.. فانطلاقا من رؤية الانكليز تجاه الكورد انذاك وكذلك رؤيتهم لبارزان كبؤرة ثورية وبالتالي قيامهم باشد واعنف حملة عسكرية حيث تم توجيه جيش ضخم وعهدت قيادته الى اكبر الجنرالات في الجيش الانكليزي وكانت المواجهة مع اناس قرويين لا يملكون سوى اسلحة بدائية وقديمة اذ كيف يواجهون الطائرات وانواعاً مختلفة من الرشاشات بسلاح البرنو القديم فضلا عن قلة عدد الثوار ومع هذا نجح الثوار في الحاق الهزيمة بالغزاة وتلقينهم درسا عسكريا وسياسيا واخلاقيا رفيعا.. بادر البارزاني الخالد بعد قراءته الدقيقة المفصلة لواقع المنظمات والاحزاب الكوردية التي كان يدب فيها الضعف وتخترقها السلطات باساليب مختلفة فضلا عن تعددها الامر الذي يفت في عضد النضال السياسي ويوزعه على عدد من الخنادق التي يمكن ان تتقابل نتيجة جهود السلطات الشوفينية في هذا المجال فبادر الى تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي برز كمنظمة وحدوية ذات اهداف وبرامج واضحة اخذت على عاتقها قيادة حركة التحرر الكوردية وعلى الرغم من انتخابه رئيسا للحزب في مؤتمراته المتوالية فان البارزاني الخالد لم يرشح نفسه لهذا المركز طوال عمله في الحزب فكانت الرئاسة تسند اليه بالاجماع داخل كوردستان وخارجها.
عاصر في كفاحه المتواصل مراحل عديدة من تاريخ المنطقة ومرت في حياته احداث جسام وتحولات كبيرة على الصعيدين الاقليمي والعالمي حول الجزء الجنوبي من كوردستان الى قاعدة للانطلاق والعمل وكان لخطه القومي الدور الرئيس في مكانته التاريخية ليصبح رمزا يلتف حوله الكورد وليدشن نهجا فكريا وسياسيا وعسكريا واضحا وثابتا.
في عام 1961 فجر ثورة ايلول متصديا لهجمات القوات الحكومية وبرغم ذلك فقد كان ميالا للتسامح والسلام يؤيد ذلك تلبيته السريعة لكل يد تمتد اليه بالسلم من كل خصم اثر الجنوح للسلام.. فعل ذلك عام 1966،1963،1970 وكان حريصا على عدم اراقة الدماء حتى ضد الذين اشهروا السلاح بوجهه، وتعتبر اتفاقية اذار عام 1970 اول وثيقة رسمية تم انتزاعها بقوة الكفاح والنضال ومن اشرس الانظمة واعتاها، ادى نضاله السياسي العسكري المتزامن على اكثر من خط وجبهة الى تقدمه لزعامة حركة تحررية واضحة الاهداف والمرامي واستطاع بنظرته الواقعية وبعد نظره الى وضع برامج عملية مستمدة من ضمير الشعب ومحنته مما ادى الى الالتفاف الجماهيري الساحق ومن مختلف مشارب الشعب الكوردي وتركيباته من عشائر وقبائل واديان ومذاهب وكل الكادحين والمثقفين الذين حمل همومهم الى الحدود القصوى برغم الظروف والاحداث العاصفة التي لم تسمح بذلك كان له الدور المؤثر في اثارة الحركة الكوردية عامة.
وفي عهده اصبحت كوردستان العراق مركزا مباركا للحركة الوطنية الثورية واصبح البارزاني مصدرا موثوقا للوطنيين الاحرار من الكورد وغيرهم وصفه ادمز شمدت في كتابه (رحلة الى رجال شجعان) قائلا: (لم يشهد تاريخ الشرق الاوسط قائدا مثله لا يتنازل عن كرامته ورصانته في كل الظروف العصيبة التي كانت تمر بها كوردستان وكانت ذهنيته السياسية المتطورة تعينه على التعمق حتى يصل الى النتيجة النهائية او الى قلب المسألة التي يبحث فيها).
ولئن غادرنا الرمز التحرري للشعب الكوردي بجسمه فانه حي في الذاكرة الجمعية للشعب الكوردي وحي في ضمير ووجدان الكورد.

التآخي