الرئيسية » مقالات » تركيا) ….. الى أين؟ (11) الأمن القومي التركي

تركيا) ….. الى أين؟ (11) الأمن القومي التركي

2. مكامن ضعف الدولة (التركية)

د. عوامل داخلية

1. الإقتصاد و البحث العلمي

يُعتبر الإقتصاد التركي الضعيف و الإستنزاف الذي يتعرض له أحد أهم مكامن الضعف التركي الذي يهدد أمنه القومي. للحصول على فهم جيد و رؤية واضحة للإقتصاد و البحث العلمي التركي ، يمكن إلقاء نظرة عامة على أهم مصادر الدخل القومي التركي المتأتي من صادرات منتجاتها و من مصادر أخرى و من ثم أهم المنتوجات المستوردة التي تُنفَق الأموال التركية على إستيرادها و توفيرها، بالإضافة الى المصادر التي تستنزف إقتصاد البلاد و حالة البحث العلمي، علماً بأنّ كل الأرقام المذكورة في هذه المقالة مأخوذة من المصادر التركية الرسمية.

من أهم الصناعات في (تركيا) هي المنسوجات (أهمها السجّاد) و المواد الغذائية و المشروبات و الكهربائيات و السيارات و الكيمياويات. أما أهم الثروات المعدنية التي تمتلكها (تركيا) فهي الفحم الحجري و الفحم النباتي و الحديد و الرصاص و الخارصين و النحاس و الفضة. كما أنّ تركيا هي من أكبر منتجي معدن الكروم في العالم. يُشكّل القطن و الشاي و التبغ و الزيتون و العنب و الحمضيات و الخضروات و الحبوب أهم المحاصيل الزراعية في البلاد. (تركيا) هي من أكبر منتجي البندق في العالم. هناك إحتياطيات نفط قليلة تقع في إقليم شمال كوردستان المحتل من قِبل (تركيا). تبلغ نسبة صادرات (تركيا) إلى الإتحاد الأوروبي حوالي 51،6% من مجمل صادراتها.

يتجاوز تعداد سكان (تركيا) 70 مليون نسمة و متوسط الفئة العمرية فيها 28 عاماً، مما يجعل الشعب (التركي) شعباً فتياً، حيث أن ثلثي الشعب (التركي) تقل أعمارهم عن 35 عاماً. لذلك تمتلك تركيا عناصراً إيجابية كثيرة من شأنها أن تُمكّن (تركيا) من تحقيق النجاح بتعداد سكان فتي، في ظل حكومة مستقرة وإصلاحات حقيقية بناءه من شأنها رفع الإنتاج و الإنتاجية، إلا أنّ السياسة التركية الراهنة تُضيّع على الشعب (التركي) فرصة التقدم و الرفاهية التي تتوفر في البلاد.

توفّر السياحة ل(تركيا) مورداً مهماً، حيث تدرّ عليها هذه الصناعة حوالي ثمانية مليارات دولار سنوياً. كان هذا المبلغ أكبر في السابق، إلا أنه إنخفض في السنين الأخيرة بسبب الحرب المستمرة التي أعلنتها الحكومة التركية ضد الشعب الكوردستاني في كل من إقليمه الشمالي و الجنوبي و بسبب تحرير العراق من العصابة البعثية و الركود الإقتصادي العالمي. هذا الإنخفاض في واردات (تركيا) من السياحة، يُسبب صعوبات كبيرة لحكومة حزب العدالة والتنمية، للتمكن من سد عجز ميزان المدفوعات من واردات السياحة كما كانت تأمل. كما أنّ تراجع حجم إنتاج القطن في (تركيا) بنسبة 12%، و الذي يعني إنخفاضاً في مواردها من هذا المنتوج، يؤثر سلباً على إقتصادها. من جهة أخرى فأنّ تدفق الأحذية الصينية على (تركيا) بات يهدد الإنتاج المحلي، حيث أن الصين زادت من صادراتها الى الأسواق التركية من هذا المنتوج بنسبة 106% في الشهور الأولى من عام 2006، مما جعلها تفوز بنسبة 53.7% من حصة السوق و التي وصلت قيمة صادراتها إلى 222 مليون دولار. الأحذية الصينية تحتل 65% من واردات تركيا الإجمالية. كما أنّ قدرة الإنتاج المحلي للأحذية إنخفضت بشكل منتظم بنسبة 25% بسبب المنافسة الصينية، علماً بأنّ (تركيا) تحتل المركز السادس عالمياً في إنتاج الأحذية.

في عام 2007، أنفقت تركيا 34 مليار دولار على إستيراد النفط والغاز الطبيعي. قامت (تركيا) بإستيرد 5.8 مليون طن من النفط الخام الإيراني خلال العام المذكور و التي بلغت قيمتها 1.7 مليار دولار. تشير إحصائيات شركة مصافي النفط التركية المساهمة (توبراش) الى أنّ (تركيا) قامت بإستيراد 22 مليون و 200 طن من النفط الخام في عام 2006. نمو الصادرات الروسية الى (تركيا) و زيادة إستيراد (تركيا) للنفط الخام الليبي زادتا من التنافس لتلبية إحتياجات (تركيا) المتزايدة من الطاقة.

خلال السنوات الخمس الأخيرة، نما إجمالي الناتج المحلي لتركيا بمعدل 4. 7%، و يعد هذا النمو جيداً. رغم هذا النمو فأنّ عجز الحساب الجاري لا يزال كبيراً، حيث أنه يصل الى 38 مليار دولار. بلغ إجمالي الناتج المحلي لرأس المال في (تركيا) 7300 دولار في عام 2007. الصادرات التركية سجلت 107 مليارات دولار في سنة 2007. كان الناتج القومي بالنسبة للفرد 4172 دولار. كما بلغت القوة الشرائية، موزعة على الفرد 7400 دولار. كان الناتج القومي حوالي 200 مليار دولار في 2004، و الديون الخارجية التركية بلغت 134,4 مليار دولار في عام 2002 أي ما نسبته 67.2% حسب الناتج القومي. هذا يعني أن عبء الفرد الواحد في (تركيا) من الديون حوالي 2000 دولار و هذا الرقم تمّ إحتسابه إعتماداً على إجمالي الدخل القومي. مجموع الفوائد والديون المستحقة التي دفعتها (تركيا) خلال عام 2000 و مطلع عام 2001، بلغ حوالي 8.5 مليار دولار. كما بلغت مصروفات الفوائد خلال عام 2001 نحو 22.6% من إجمالي الدخل القومي التركي. تُعتبر (تركيا) أكبر مُدين لصندوق النقد الدولي، حيث أنها مُدينة للصندوق المذكور بحوالي 31 مليار دولار.

بالنسبة لمعدلات البطالة في هذا البلد، فأنها مرتفعة و قد سجلت إحصائياتها الأخيرة حوالي 8.9% من إجمالي القوّة العاملة و 16.7% بين فئة الشباب، غير أنّ مصادر أخرى تؤكد أن معدلات البطالة تزيد عن 20%. في عام 2004، بلغت نسبة التضخم في (تركيا) حوالي 10%. يبلغ متوسط دخل الفرد في (تركيا) أقل من 2400 دولار في السنة، أي أقل من 200 دولار في الشهر، حيث يصل متوسط دخل الفرد في (تركيا) الى ما يقارب 10% من دخل الفرد في بريطانيا. الدراسات التركية تُشير أيضاً الى حاجة أسرة صغيرة الى 192 دولار شهرياً لتدبير مأكلها، علماً بأن الحد الأدنى للأجور يصل إلى حوالي 160 دولاراً في الشهر و بعد خصم الضرائب منه يصبح الدخل الصافي حوالى 120 دولاراً فقط. إنّ عدد المواطنين الذين يقع مستوى معيشتهم تحت خط الفقر يبلغ حوالي 35 مليوناً، أي أنّ 50% من المجموع الكلي للسكان يعيشون في وضع إقتصادي مُزري. يستنتج المرء من هذه الأرقام بأنّ البطالة و التضخم المرتفعَين يسحقان الطبقات الفقيرة و أصحاب الدخل المنخفض و الذين يُشكّلون أكثرية الشعب.

مشكلة أخرى تواجه (تركيا) و التي هي الخلل البنيوي في الإقتصاد المتمثل في التفاوت بين القطاعات و نسبة مساهمتها في الدخل القومي. القطاع الزراعي هو أكبر قطاع من حيث تشغيل العمالة، حيث تبلغ النسبة حوالي 40% من مجمل قوى العمل في البلاد، و لكنه ينتج ما نسبته حوالي 12% فقط من الناتج القومي. نسبة العاملين في القطاع الصناعي تقارب 15.6%، في حين أنّ مساهمته في الناتج القومي تُقدّر بحوالي 26.5%. كما أنّ نسبة عدد الأيدي العاملة التركية في قطاع الخدمات تبلغ 33.7% من مجمل الأيدي العاملة التركية.

الفساد الإداري و المالي المنتشر في مفاصل الدولة (التركية) عائق آخر أمام تطور هذا البلد و الذي يؤدي بدوره الى تعرض أمنه القومي للخطر، خاصة في الظروف السياسية الحرجة لتي تعيشها (تركيا). هذا الفساد المستشري يؤثر على تنمية البلد و تطويرها، حيث تُشكل الجنرات و المسئولون، الذين يتبوأون المناصب العليا في البلاد، المافيا التي تنهب خيرات البلاد. بالإضافة الى نهب هؤلاء لثروات البلد، فأنهم يعملون أيضاً كتجار للمخدرات و الأسلحة.

(تركيا) تواجه أيضاً مشكلة تعدد مراكز إتخاذ القرارات و تعارض هذه المراكز مع بعضها و تطاحنها، مما يؤدي الى شلل العملية الإقتصادية و السياسية و غيرها. المؤسسة العسكرية تمتلك السلطة الحقيقية في البلد، حيث تفرض إرادتها و أجندتها من وراء الستار، بينما الحكومة المنتخبة ترى من حقها، كممثلة للشعب، أن تماس صلاحياتها التي يمنحها لها الدستور التركي. على سبيل المثال، بالنسبة الى مسألة الطاقة في منطقة بحر قزوين، فأنّ إتخاذ القرارات الصائبة حولها تتسم بالتعقيد والبيروقراطية بسبب تعددية مراكز القرار بهذا الشأن، حيث تشارك فيه مجموعات مختلفة من أفراد و سياسيين و عدد من الوزارات والهيئات الحكومية وشركات الإنشاءات وكذلك القوات المسلحة و التي تجعل من الصعب وضع سياسة محددة و شفافة في مجال الطاقة.

السياسة الإقتصادية الضبابية ل(تركيا) و المشكوك فيها وعملتها غير المستقرة، تساهم بدورها في تدهور إقتصادها و ضعفه. على سبيل المثال، إنتاجية القطاع العام في (تركيا) هو أقل من نصف إنتاجية القطاع العام في سنغافورة (سنغافورة بلد صغير جداً تبلغ مساحتها 622 كيلومتر مربع فقط و عدد سكانها حوالي ثلاث ملايين نسمة و تبلغ حصة الفرد من الناتج القومي حوالي 13000 دولار، بينما تبلغ مساحة “تركيا” 779452 كيلومتر مربع و نفوسها 70 مليون نسمة و حصة الفرد من الناتج القومي 4172 دولار فقط). يذكر تقرير “بدء الأعمال لعام 2007 ” الصادر عن البنك الدولي، الذي يقيّم 175 دولة، بأنّ سوق العمل في (تركيا) تحتل المرتبة 146 من حيث الصعوبات التي تواجهها الأعمال التجارية والشركات في توظيف العمال وتسريحهم، ومن حيث إرتفاع الضرائب على الأجور.

من جهة أخرى، تقوم المؤسسة العسكرية التركية بإستنزاف موارد البلد، حيث يبلغ تعداد الجيش التركي مليون عسكري، أي بنسبة عسكري واحد لكل 70 مواطن (تركي)، حيث أنّ الجيش التركي يُشكّل ثاني أكبر جيش في الحلف الأطلسي بعد الجيش الأمريكي. هذا العدد الضخم من العسكريين، الذين هم مستهلكين غير منتجين، يُشكّل عبئاً ثقيلاً على كاهل الشعب (التركي) و يستنزف موارد البلد. الإنفاق العسكري السنوي التركي بلغ 10.6 مليار دولار في سنة 2001 و هذا المبلغ يُشّكل 5.6% من إجمالي نفقات الدولة التركية. حرب (تركيا) على الشعب الكوردستاني تستنزف نسبة كبيرة من الميزانية التركية، حيث أنّ الحرب التركية ضد مقاتلي حزب العمال الكوردستاني لوحدها كلّفت الخزينة التركية أكثر من 300 مليار دولار منذ بدأ الثورة الكوردستانية في عام 1984 الى الآن، بالإضافة الى التكاليف الباهضة التي يتحملها المواطن (التركي) المغلوب على أمره، جراء الإعتداءات التركية المتكررة على إقليم جنوب كوردستان. كما أنّ (تركيا) تحتفظ بحوالى 35 ألف عسكري في شمال قبرص منذ إحتلالها له و هذا يُشكّل نفقات عسكرية إضافية تمتص موارد هذا البلد المنكوب، نتيجة إستهتار حكامه بمصير و مستقبل الشعب (التركي). النزعة العدوانية لحكام (تركيا) و جعلها لجميع جيرانها أن يصبحوا أعداءً يتربصون بها، جعلت (تركيا) أن تضطر الى إنفاق جانب كبير من مواردها على الجيش التركي و آلته الحربية على حساب تطور البلاد و رفاهية شعبها.

الحرب التركية ضد الشعب الكوردستاني قادت الى كوارث إقتصادية و بيئية تهدد الأمن القومي التركي من الصميم. في عام 1997، كانت نسبة سكان المدن حوالي 60% من مجموع سكان (تركيا)، بينما كانت هذه النسبة 24% فقط في عام 1927. يعود السبب الى تهجير الكورد من قراهم و الى الخلل في التخطيط الإقتصادي. قيام الحكومة التركية بهدم أكثر من خمسة آلاف قرية كوردستانية و تهجير سكان هذه القرى الى المناطق التركية و المدن الكبيرة، عمل على إحداث خلل خطير في بُنية الإقتصاد التركي، حيث أدى الى إنخفاض الإنتاج الزراعي و خلق جيش ضخم من العاطلين عن العمل و أدى الى ظهور مشاكل توفير السكن و الخدمات الصحية و الإجتماعية و غيرها في المدن الكبيرة التي تم تهجير الملايين من البشر إليها. كما أنّ الحرب المدمرة التي أعلنتها الحكومة التركية على الشعب الكوردستاني، دمرت البيئة و خلقت خللاً خطيراً في توازنها و أضافت إليها عشرات الآلاف من الأطنان من بقايا عجلاتها و أسلحتها و المواد الكيمياوية المنبعثة من طائراتها و مدافعها و دباباتها و حرق غابات و جبال كوردستان و إبادة حياتها البرية. الآثار البيئية و الإجتماعية و الإقتصادية و النفسية و الصحية لتخريب كوردستان، ستستمر لعشرات السنين إنْ لم تكن لمئات السنين. هذه الجرائم بحق الإنسانية لا يقوم بها إلا أُناس مختلّي العقل و مرضى نفسيين و جهلة لا يُعيرون أهمية تُذكر لقيمة الحياة و للوجود الإنساني.

من العوامل المهمة الأخرى التي تهدد الكيان التركي هو التخلف العلمي و التكنولوجي ل(تركيا)، حيث أنها لا تزال دولة متأخرة في هذا المجال و تفصلها عن الدول الصناعية المتطورة مسافات طويلة. على سبيل المثال، هناك 70 عالماً لكل عشرة آلاف شخص في الدول الغربية، بينما يقابله سبعة علماء بالنسبة ل(تركيا). في الدول المتقدمة، يتم تخصيص نسبة تتراوح بين 1 و 3% من الدخل القومي للأبحاث، بينما تبلغ هذه النسبة في (تركيا) 2 في الألف (0.002). يُشكل البحث العلمي في مجال القطاع الصناعي في الدول الغربية 70% من البحوث، بينما لا تتجاوز هذه النسبة 10% في تركيا. لا شك أنّ تقدم البحث العلمي في أي بلد هو من أهم الشروط المحددة لتقدم ذلك البلد و تطوره و أنه من أهم مستلزمات و متطلبات تطور البلدان و رفاهية شعوبها، غير أنّ (تركيا) لا تزال تفتقد الى الإيفاء بهذا الشرط الأساس لتستطيع مواكبة الدول المتقدمة.

مما تقدم، نرى أنّ لدى (تركيا) إمكانات إقتصادية كبيرة لتطوير البلد و توفير الرفاهية لشعبها، إلا أنّ المشاكل التي تم التطرق إليها، و خاصة إحتلال (تركيا) للجزء الشمالي لكوردستان و إطلاق ماكنتها العسكرية لقتل الشعب الكوردستاني، متوهمةً بقدرتها على منع هذا الشعب العريق من تحرير وطنه و تحقيق حريته و رفاهيته، بالإضافة الى النزعة العدوانية ل(تركيا) تجاه جميع جيرانها و هيمنة العسكر على مقدرات البلاد و غيرها من النقاط المارة ذكرها، كلها يُعرّض الأمن القومي التركي للخطر، بل يقود (تركيا) نحو مستقبل مظلم، يُهدد وجودها ككيان سياسي في المنطقة.