الرئيسية » مقالات » على ذقن مَنْ تضحك خواجة أردوغان

على ذقن مَنْ تضحك خواجة أردوغان

تناولت بعض وسائل الإعلام خبراً عن مقابلة للسيد رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا مع صحيفة ” نيويورك تايمز ” الأمريكية، وصرح بأن تركيا تعتزم إستثمار ما يصل إلى 12 مليار دولار في المناطق الكوردية ” جنوب شرق تركيا ” الفقيرة في أطار مساع للحد من تأييد السكان المحليين لحزب العمال الكوردستاني، وقد أضاف أيضاً بأن حكومته ستخصص قناة تلفزيونية حكومية للبث باللغة الكوردية، وفي نفس القناة ستبث برامج باللغة الفارسية والعربية، وأن الحكومة التركية تنوي صرف هذه المبالغ خلال فترة خمس سنوات لبناء سدين كبيرين ورصف الطرق، وإزالة الألغام من حقول بإمتداد الحدود التركية السورية . وقد ذيل الخبر بأنه حتى القادة العسكريون الأتراك أصبحوا يقولون الآن ومقتنعين بأن الإجراءات العسكرية وحدها لا يمكنها وقف خطر حزب العمال الكوردستاني وأنه لا بد أن يكون إلى جانبها تحسين الحياة الإجتماعية والإقتصادية والثقافية في المجتمع ـ أنتهى الخبر .
مرة أخرى يقع الأتراك في شرور أفعالهم وأقوالهم وأكاذيبهم، حيث ما أنفك الإستعمار التركي لشمال كوردستان يعلن مرة تلو الأخرى للعالم بأن لا فرق بين الشعوب التركية والجميع سواسية في الحقوق والواجبات والخدمات … فها هم يدلون اليوم بتصريحات تدل على مدى الغبن الذي لحق الشعب الكوردي في شمال وطنه على أيديهم، وهو اعتراف صريح وواضح يبّين البون الشاسع بين كوردستان والمدن التركية الباقية في جميع النواحي، وأن المنطقة ترضخ تحت ثقل التخلف الحضاري المفروض عليها من قبلهم خلال تسعة عقود مضت ولليوم، كما أن هذا التصريح الأردوغاني والقناعة العسكرية المتأخرة جداً، هو بحد ذاته يحمل معاني ودلالات أخرى، وأهمها هو الجواب الشافي على السؤال الذي يطرحه الصيادي في المياه الآسنة، إلا وهو … لماذا حمل ويحمل الكورد السلاح بوجه الحكومات التركية ؟
وتعليقاً على هذا الكرم الحاتمي من قبل الحكومة التركية، نقول : بأن الشعب الكوردي في شمال وطنه وقبل كل شئ يتوق للخلاص من هذا الإستعمار الثقيل الجاثم على صدره، وهو يناضل من أجل حصوله على حق تقرير مصيره بنفسه دون وصاية من أحد، لكن … وأن كان لا بد من كلام آخر حول ما أسموه بالإستثمار في منطقة جنوب شرقي تركيا للخلاص من الكابوس الكوردي، هو أولاً الأتصال بصاحب الشأن والجلوس معه على مائدة المفاوضات، إلا وهو حزب العمال الكوردستاني الممثل الشرعي والكبير للشعب الكوردي فخلايا هذا الحزب وتننظيماته وأنصاره تمتد في عروق الدولة التركية من أخمص قدميها إلى قمة الرأس، وتركيا مدركة لهذا بشكل محسوس، لكنها تتعامل معها بغباء وسياسية النعامة … كما أود أن أشير إلى أن الإحتياجات الأساسية للشعب الكوردي في كوردستان هي فتح المدارس والمعاهد والجامعات وتدريسها باللغة الكوردية، كما أن المنطقة تفتقر للحد الأدنى من الخدمات الصحية ، فالأولى أولاً المباشرة ببناء المستوصفات والمستشفيات وتزويدها بالكادر الصحي، ثم وبدلاً من بناء سدين كبيرين المبادرة بإنشاء المصانع والمعامل الإنتاجية التي من شأنها تشغيل أكبر عدد ممكن من العاطلين عن العمل، وتغطية أحتياجات المنطقة بالمواد الحياتية الضرورية، لا أن تبقى المنطقة تحت رحمة سماسرة وتجار المدن التركية الكبيرة . وبدلاً من التفاخر بفتح قناة فضائية حكومية واحدة باللغة الكوردية والعربية والفارسية، والتي ستكون مهمتها الأولى ضخ الأخبار والبرامج المدروسة كأداة وعملية لغسل الأدمغة والعقول، يجب حذف القوانين التي لا تسمح بتداول اللغات غير التركية، وتشريع قوانين جديدة تسمح ببث الاذاعات والفضائيات الحرة والمستقلة بغير اللغة التركية حتى تثبت تركيا بأنها حقاً دولة ديمقراطية تستحق بجدارة الدخول للعالم الأوربي من أوسع أبوابه . أما عن التطبيل لهذا المشروع ” سدين كبيرين ” الذي ينوي الأتراك بناءه، ولعمري أنها نكتة الموسم فالجميع يعلم بمشروع ” الغاب الكبير ” وهو عبارة عن بناء مجموعة سدود ضخمة على منابع نهري دجلة والفرات بكلفة ثلاثين مليار دولار، وقد بُنيت للآن عدة سدود على أراضي القرى الكوردية وتم تهجير سكانها الكورد دون أي تعويض، وقد غمرت المياه أراضي زراعية شاسعة للفلاحين الكورد، ناهيك عن طمر مواقع أثرية مهمة تحت الطمى والمياه ، وأضخم سد فيه هو ” سد أتاتورك ” وقد أنجز قبل فترة، والعمل لا يزال جارياً في تكملة المشروع، والسديّن المزمع بناءهما هو من جملة سدود مشروع الغاب الكبير، ولطالما صرح الأتراك بأن مستقبل تركيا زاهر وغني عند إنجاز هذا المشروع، وقالوها بالحرف الواحد: إن كان العرب يملكون النفط فنحن نمتلك المياه الذي سيكون سعره أغلى من سعر النفط في المستقبل . ولهذا لا تجلس تركيا لليوم بشكل جاد مع العراق وسوريا للتباحث والتفاوض حول تقسيم المياه، أي أن النية المبيتة لتركيا هو أحتكار المياه لنفسها وحدها وجعل العراق وسوريا تحت رحمتها، وهي بهذا تراهن على الزمن لوضع الجميع أمام الأمر الواقع … وفي منتصف وأواخر التسعينات من القرن المنصرم زارت وفود إسرائيلية عديدة تركيا للتعاقد لشراء المياه وضخها عبر أنابيب من البحر إلى إسرائيل ولا تزال المفاوضات جارية و ” متقطعة ” حول سعر متر المكعب الواحد من المياه ، وعناد تركيا وتمسكها بأسعار خيالية ناتج عن التقارير الدولية حول المستقبل المظلم للمنطقة في ظل التقلبات المناخية والتصحر وشحة المياه. فالحديث عن إستثمارات وغيرها في كوردستان لا يعدو كونه غير ضحك على الذقون.
أما بالنسبة لرصف الطرقات على الرغم من حيويته فهو يخدم بالدرجة الأولى الجيش التركي لمرور العربات العسكرية والوصول إلى آخر نقطة في كوردستان لمحاربة الكورد أينما وجدوا ، وهذا ما فعله نظام أحمد حسن البكر ونائبه صدام في العراق ما بين عامي 1970 ـ 1974 على اثر أتفاقية 11 آذار للحكم الذاتي . فبادرت الحكومة العراقية آنذاك كإظهار” حسن نية !! ” وبدلاً من التوجه للنهوض بواقع المنطقة المزري والمتخلف وبناء المصانع والمدارس والمستشفيات وغيرها من البنى التحتية للمجتمع، أنهمك بتعبيد الطرقات والجسور خلال سنوات الهدنة الأربع، لنية خبيثة مبيتة، وحين أعلن حكماً ذاتياً كارتونياً من جانب واحد عام 1974، تزامناً بشن العمليات العسكرية مستعيناً بالطرق والجسور التي بناها، ولم تنتهي تلك الحرب الطاحنة إلا بإتفاقية الجزائر المخزية عام 1975، والذي لا يزال العراق يئن تحت وطئتها .. والسؤال البديهي والبسيط الذي يقفز دائماً وأبداً أمام ناظري الحكماء والعقلاء والمثقفين وأصحاب العقول الراجحة والضمائر الحية، والذي لا جواب له أبداً في عقول هذه الحكومات، هو . ألم يتعض أحدهم ويتعلم شيئاً ولو بسيطاً من دروس التاريخ الكثيرة ؟؟؟
نحن مع الحل السلمي للقضية الكوردية في أي جزء من أجزاء كوردستان المقسمة والنهوض بواقع المنطقة والعيش في أجواء السلام والتآخي، واللحاق بركب الحضارة الإنسانية المتقدمة … لكن على أسس سليمة وصادقة ومبدئية ، لا بذر الرماد في العيون والضحك على الذقون، أما أرباع وأنصاف الحلول لا تخدم ولا تفيد كائن من كان، والعبرة بمن أتعض بتجارب الشعوب والأمم القريبة والبعيدة .