الرئيسية » مقالات » صراع الإرادات على هوية العراق

صراع الإرادات على هوية العراق

وقف على خشبة المسرح في عاصمة الخلافة العثمانية(أسطنبول)،وصرخ بأعلى صوته : (أيها العرب، اصحوا وانتبهوا، بغداد هارون الرشيد في خطر، بغداد المأمون في خطر)، صرخة عبرت بشكل واضح عن حقيقة صراع الهوية الذي ظهر في العراق بعد سقوط بغداد في مطلع القرن الحادي والعشرين.

أن اعتلاء غارنر وبريمر لخشبة مسرح الحكم في العراق في بادئ الامر لم تستفز الإرادات الخفية والمعلنة، لان وجودهم كان لا يعبّر بأي حال من الأحوال عن حقيقة هوية العراق، كان وجودهم واضح لدى الجميع انما هي سحابة صيف عابرة، وبعدها سيظهر وجه العراق الحقيقي.

ولكن ما أن اعتلى (فيما بعد)نخبة من فسيفساء العراق خشبة مجلس الحكم، حتى ثارت نزعات وهواجس العقل الباطني من كان يعتقد ان العراق، ملك صرف لهويته، وغيره لا يصلح الا للطم او النحيب او العيش في كهوف جباله او بين صرايف مستنقعاته.

حينها أعلنت حرب لا هوادة، ونشب صراع أرادات، مع كل مرحلة وخطوة ترسم ملامح هوية العراق، واشتبكت قوى القهر مع الأيدي التي حاولت ان تنفض التراب عن طامورة الطغاة، لتنتشل منها جسد الرافدين العائد من أعماق التاريخ، بعد ان تراكمت عليه سنين الظلم والطغاة العجاف، التي أرادت ان تسحق شخصيته المدنية السمراء، وتستنسخ عوضا عنها شخصية من رواسبها الفكرية ونوازعها الباطنية.

صراع الإرادات على هوية العراق بلغ ذروته حينما أراد ان يتوافق ابناء النهرين على كتابة عقدا اجتماعيا، يجسد مستقبل وهوية العراق،ملامح دستور العراق الجديد، لم تثر فقط رواسب الفكر الصحراوي ونوازعه الباطنية، بل هدد بحرق عقدهم الاجتماعي وتمزيق أوصال نسيجه الى قطع متناثرة.

أعلنت حرب طائفية شعواء ضد هوية العراق، اشتدت أتونها حين نسفت قوى الظلام الصحراوية، معلم من معالم طهرها البارز، تلك الحادثة قصمت ظهر العراق، و كانت ضربةً بالصميم لشخصية وهوية العراق المركزية، مما جعل من العراق أن ينتفض كالثور الهائج، دمر كل من يقف في وجهه، تدمير منارات القديسين، كانت الحلقة الأخيرة من صراع التراكمات التاريخية على هوية العراق.

سكون عاصفة سامراء، وظهور جراحها المؤلمة، من تهجير أسود وقتل أعمى، جراحات أوجعت الجميع، وأحرقت الأخضر واليابس مما جعلت من القريب والبعيد ان يعيد حسابات البندر، جعلت إطراف صراع الإرادات على هوية العراق أن يفكروا بطرق أخرى لصراعهم المدمر، جراح العاصفة أعادت رشد المتصارعين، وأخذوا يفكرون بطرق أكثر حضارية لحربهم على هوية العراق، فما كان منهم ألا العودة الى قبة البرلمان و الاستسلام لعقدهم الاجتماعي ليتفاوضوا عليه باحتراب سياسي بدل من احتراب طائفي أعمى، ملاكه قاعدة الربح والخسارة والثقل السياسي وما تمتلك و ما أمتلك من أوراق سياسية.

صراع الإرادات السياسية التي شهدها مسرح البرلمان العراقي أخيرا، كان انطلاق لمرحلة جديدة من حرب أفكار على هوية العراق بدل من حرب طائفية عمياء، فقانون مجلس المحافظات و الجدل على التعديلات الدستورية، نفض التراب على رؤى واستراتيجيات متعاكسة على هوية العراق رغم العقد الاجتماعي الذي مضاه الشعب العراقي، فحرب العقول والأفكار على قانون مجالس المحافظات أعطى جاذبية جديدة للمشهد العراقي بدل من مشهد القتل والدمار في الحرب الطائفية العمياء.

حرب الأفكار على هوية العراق التي أثارها قانون مجالس المحافظات، قسم العراق الى جبهتين، الأولى تؤيد لامركزية العراق وتحرير موارده من يد الدولة و جعلها ملك للشعب العراقي، وجبهة تعتقد بضرورة مركزية الدولة و جعلها صاحبة اليد الطولى على أرضه وثرواته بدل من توزيعها على فيدراليات تتصارع على السلطة والثروة.

نتائج حرب الأفكار على هوية العراق ستحسم حقيقة نظامه الفيدرالي وملكية شعبه لثرواته وعلاقته وارتباطه بالنظام العالمي الجديد، وستشكل هذه الأركان الثلاثة هوية العراق الجديد بعد مخاض وصراع من أرادات، اتخذت إشكال عدة.

صراع الإرادات الجديدة في حرب الأفكار والعقول على هوية العراق، سيكون العامل الحاسم فيها، هو إرادة الشعب العراقي، حين يقول كلمة الفصل على عقده الاجتماعي المعدل، الذي سيعطي الملامح النهائية والجميلة لهوية العراق العصرية في النظام الكوني الجديد. 

المرصد العراقي

www.marsadiraq.com