الرئيسية » مقالات » امارة حماس

امارة حماس

مقالات لنفس الكاتب

الحوار المتمدن – العدد: 2219 – 2008 / 3 / 13

مقدمة

تمثل هذه المادة “إمارة حماس” امتداداً وتكملة للمادة التي سبقتها، ونشرت قبل عام تقريباً، تحت عنوان “حماس من الرفض الى السلطة”، وذلك في ضوء المستجدات منذئذٍ في الساحة الفلسطينية على وجه الخصوص. فخلال العام الفاصل بين المادتين، وقعت أحداث أكدت، في مدلولاتها، بعض ما جاء في المادة الأولى. فعدا “اتفاق مكة” و “حكومة الوحدة الوطنية” ، التي لم تكن في مسيرة حماس نحو هدفها في اقامة “الامارة الحمساوية” سوى مناورة تكتيكية، جاء الانقلاب الدموي، الذي نفذته هذه الحركة ، أواسط حزيران 2007، لتفصل القطاع العزيز عن الجسم الفلسطيني جغرافياً وسياسياً، ولو الى حين، وكل ذلك في أوج المعركة مع الاحتلال الاسرائيلي.
واذا قُدر لسلطة حماس أن تطول، فستكتسب كل سمات الحكم الشمولي وأوصافه، الأصولي، والفاشي، والمعادي لكل ما هو ديمقراطي، وينكر الآخر، بدعوى أن نظامه هو تجسيد للاسلام وصورته، وبالتالي، للإرادة الآلهية ، التي لا تحتمل تحدياً او خروجاً من أحد، باعتبار ذلك كفراً وارتداداً، جزاؤه اقامة الحد! وباختصار، ستكون المرأة في مقدمة ضحايا النظام الشمولي الأصولي واكثر من يعاني من عسفه. والمفارقة، التي لا مثيل لها، أن يقع كل ذلك في ظل الاحتلال، بدل توحيد كل الجهود وتوجيهها للخلاص منه.
لكن ما يمنح العزاء، هو الثقة بهذا الشعب الذي تمرّس بالتجارب واكتسب خبرات بالغة الغنى، خلال العقود الماضية، في صراع لم ينقطع لحظة مع الاحتلال. هذا الشعب العظيم ، الذي وإن أساء الاختيار في لحظة نزق وضيق من جرائم الاحتلال في الأساس، ومن سلوك بعض الفاسدين، فإنه – كما تشير الوقائع – في طريق العودة الى الحقيقة، والسعي للتكفير عن خطأ اختياره.
فالإضراب في ايلول 2007 الذي شهده قطاع غزة الواقع تحت قبضة حماس وارهابها، شكل تحدياً استعراضياً لسلطة الانقلابيين وكان بمنزلة استفتاء لا يحتمل الشك، في أن شعبنا في القطاع راح ينفض يده من الانقلابيين، بل ويتحدى سلطتهم، وارهابهم. ولا تقل أهمية عن ذلك معطيات استطلاع الرأي الذي أجراه مركز استطلاعات الرأي، والدراسات المسحية، بجامعة النجاح – نابلس والذي جرى نشر نتائجه يوم 18/9/2007. فهو يشير الى أن اكثر من 84% من الذين استطلعت اراؤهم، عارضوا توظيف الدين من اجل تحقيق اهداف سياسية (1). وهذا يعني، دون لبس، أن هذا الشعب المؤمن يعي ويميز بين الاسلام كقضية ضمير وإيمان، وبين الاسلام السياسي ذي الاغراض الأنانية، لفئة من اصحاب الغَرَض. وكل ذلك يشكل تباشير مشرقة بأن شعبنا لا يمكن خداعه طويلاً.
واذا كان شعبنا، بحكم معاناته الطويلة والمعقدة بنوع خاص، من اوائل ضحايا خداع الاسلام السياسي، فلعله يكون رائداً في الخلاص منه. ليقدم بذلك البرهان القاطع على أن الاسلام السياسي ، الذي يبلغ هذه الأيام، أوج تمدده وانتشاره، كإفراز رئيس لحالة الانحطاط المريع التي بلغتها بلدان العالمين العربي والاسلامي، هو آخر التجارب الفاشلة لخروج شعوب هذين العالمين من ازماتهما الخانقة، التي تدور في دوامتها منذ عقود. وحين تدرك هذه الشعوب بتجربتها المّرة أن الاسلام السياسي، ليس فقط لن يحل مشاكلها المزمنة، بل يزيدها تعقيداً، حينها، سيبدأ فجر هذه الشعوب، بالعودة الى طريق النضال السوي والثوري ضد الاحتلالات الاسرائيلية والاميركية، والهيمنة الامبريالية، وضد عسف حكامها المدعومين من قوى خارجية، وضد فسادهم.
وشأن المادة الاولى “حماس من الرفض الى السلطة”، فهذه المادة بدورها لا تعدو أن تكون اجتهاداً شخصياً ، لا يتجاوز وجهة نظر خاصة.
المؤلف
الانقلاب العسكري في القطاع
على طريق الامارة “الحمساوية”

اعاد انقلاب حماس، في قطاع غزة، اواسط حزيران 2007، الى الأذهان ، تصريح الدكتور محمود الزهار، أبرز صقور حماس، غداة انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، أوائل العام 2006، حين قال: “كنا أمام أحد خيارين: ألقيام بانقلاب أو دخول الانتخابات”. وعقب وقوع الانقلاب السالف الذكر مباشرة قدر سامي ابو زهري، الناطق الرئيس باسم حماس، الوضع باعتباره “التحرير الثاني للقطاع”، (على اعتبار ان التحرير الأول تم بعد الانسحاب الاسرائيلي من القطاع عام 2005) . أما اسلام شهوان، المتحدث بلسان القوة التنفيذية التابعة لحماس، فقد قال :”جاءت مرحلة الحق وسلطة الاسلام”.
ومن الواضح أن مغزى هذه التصريحات ومعناها هو، اولاً: ان اللجوء للانقلاب قائم وموجود في أجندة حماس، وليس بالأمر الطاريء وابن ساعته، وهو مبرّر وشرعي في شريعة قادتها. وبالتالي، ليس في الأمر افتعال او غرابة. وثانياً، ان كل ما تظاهرت به حماس من التلاقي مع القوى الوطنية، بعد فوزها في انتخابات 2006، حول البرنامج السياسي، في مرحلة الصراع للخلاص من الاحتلال، هو مجرد تمويه، فرضه احساسها بالعزلة والمقاطعة، بأمل التغلب عليهما، وبالتالي: فإن اصرارها على اقامة الإمارة الإسلامية – كما تفهمها – لم يطرأ عليه اي تغيير. وقد أكد هذه الحقيقة عقب الانقلاب الدكتور محمود الزهار في المقابلة التي اجرتها معه” شبيغل اون لاين” الألمانية (1) في رده على سؤال فيما اذا كانت حماس تريد تأسيس دولة اسلامية في قطاع غزة، حيث أجاب:”في هذه الآونة لا يمكننا تأسيس دولة اسلامية لأنه لا توجد للفلسطينيين دولة. وطالما أننا لا نملك دولة سنحاول تأسيس مجتمع اسلامي”(2). وثالثاً، أن حماس تضع السلطة الفلسطينية، مهما كان الخلاف مع القائمين عليها، على قدم المساواة مع الإحتلال الإسرائيلي، وذلك حين يعتبر ممثلها سامي ابو زهري استيلاء حماس على قطاع غزة، عبر انقلاب عسكري، بـ “التحرير الثاني”. وهذا المعنى ليس مجرد استنتاج بالحدس والمنطق، بل يؤكده الدكتور الزهار، في نفس المقابلة مع الصحيفة الألكترونية الألمانية، وذلك في رده على السؤال التالي لمراسل الصحيفة المذكورة :”لا يوجد في الوقت الحالي هجمات من الجناح العسكري لحماس على اسرائيل، فهل هذا توجه جديد؟”. جواب الزهار :”نعم، علينا الآن أن نتعامل مع عدوين في وقتٍ واحد”! بل وهدد الزهار، في نفس المقابلة، بنقل العنف الى الضفة الغربية واستهداف قادة فتح. كما أوضح الزهار هذه النقطة في اجابته على سؤال آخر لنفس المراسل. سأل المراسل: “في الأسبوع الماضي كان هناك قتال شوارع في الضفة الغربية بين ميليشيات فتح وحماس. وقد احتفظت فتح باليد العليا، فكيف سيدافع انصار حماس عن انفسهم في حال أي قتال جديد؟”. فأجاب الزهار:”دعني اسألك، كيف دافعنا عن أنفسنا حتى الآن ضد الاحتلال الاسرائيلي؟”. رد مراسل الصحيفة متسائلاً: “بالقنابل والهجمات؟” وكان رد الزهار: “بالضبط، لكن أنت الذي قلتَ ذلك، وليس أنا”.
واذا كان الدكتور الزهار يضع الطرف الفلسطيني المنافس على قدم المساواة مع العدو الإسرائيلي، الا أن حالة التهدئة الطويلة التي تلتزم بها حماس مع الاحتلال من جانب، والانقلاب في القطاع من جانب آخر، يؤكدان أن حماس تقدم “العدو”الفلسطيني على العدو المحتل. ولا يتعلق الأمر هنا، بزمرة “المتأسرلين” أو اتباع الجنرال الاميركي دايتون، كما يردد قادة حماس لتبرير انقلابهم، وإلا، لماذا بادرت تلك الحركة حال سيطرتها على القطاع الى انزال العلم الوطني الفلسطيني ، ورفع علم حماس الأخضر مكانه. ولم يقع ذلك في موقع او آخر، ليقال انها نزوة فرد غير مسؤول، بل عمت القطاع بكامله. وتدارك هذا السلوك، في وقتٍٍ لاحق، امام غضبة الجمهور الفلسطيني، الذي ما يزال يذكر جيداً كيف كان ابناؤه يضحون بحياتهم، احياناً، ليرفعوا هذا العلم تحدياً للاحتلال … أن مثل هذا التدارك لا يزيل او يمسح من الذاكرة ما كشفته النوايا المبيتة ساعة “النصر” ! هذا، عدا حرق بعض اماكن العبادة والتعليم لمواطنين فلسطينيين مسيحيين.
اما الذريعة التي اوردها قادة حماس لتبرير انقلابهم، بدعوى انه – أي الانقلاب – كان خطوة استباقية لإحباط انقلاب كان يعد له “المتأسرلون” وأتباع الجنرال الاميركي دايتون، فهي ذريعة واهية تفتقر الى المنطق السوي. فلو كان هناك من أعد لانقلاب بالقوة – عدا قادة حماس – لبدا ذلك في مواجهة انقلاب حماس الذي تحقق دون مقاومة تذكر وفي زمن قياسي.
ومن المفارقات، أن هذا الانقلاب جاء على شرعية كانت حماس ركناً أساساً منها، كما كان رئيس الوزراء “الحمساوي”، اسماعيل هنية، يتولى في الوقت ذاته صلاحيات وزير الداخلية. وعلى كل حال، لو كان لدى حماس معلومات حقيقية عن انقلاب يجري الاعداد له، ضد هذه الشرعية، فقد كان حرياً بها – أي حماس – أن تبادر الى فضح المؤامرة والمتآمرين امام الشعب الفلسطيني، لعزلهم وادانتهم، وكشف أمرهم، في الوقت ذاته، امام البعثة الأمنية المصرية، وامام السلطات السعودية ، راعية اتفاق مكة.
لكن من المعروف أن الضربات الاستباقية شكلت، على مدى التاريخ، غطاء للكثير من اعمال العدوان والتخطيط له. وتكفي الاشارة، في ايامنا هذه، الى الغزو الاميركي للعراق، بدعوى امتلاك نظام صدام حسين لأسلحة دمار شامل تهدد الآخرين، وتحت نفس الذريعة، يريد بوش اقامة قواعد للصواريخ والرادار الحربي في كل من تشيكيا وبولونيا، بدعوى الحماية من الصواريخ الايرانية! وتحت نفس الذريعة كذلك تهدد ادارة بوش بضرب ايران.
عدا تأمين غطاء للانقلاب، فذريعة الخطوة الاستباقية، حررت حماس من كل ما ادعت الالتزام به، سواء في برنامجها الانتخابي أم في البيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية، كقضايا الديمقراطية، والتبادل السلمي للسلطة، وغيرها من الالتزامات المماثلة. وللتذكير، فقد جاء في البرنامج الانتخابي لحماس، (الصفحة السادسة، بند السياسة الداخلية) ما يلي: “تعميق اواصر الوحدة الوطنية، واعتماد لغة الحوار والاحتكام الى العقل لحل الخلافات الداخلية، وتحريم الاقتتال، وكل اشكال استخدام القوة، أو التهديد باستخدامها في الاطار الداخلي”.
لقد أدانت جميع الفصائل والتنظيمات الفلسطينية انقلاب حماس، وتحفظت عليه بما فيها الاسلامية، كحزب التحرير، والجهاد الاسلامي،. وقد جاء على لسان خالد البطش، احد قياديي الجهاد الاسلامي، يوم الخامس من آب 2007، بأن “الحسم العسكري الذي نفذته حماس في قطاع غزة، أضرّ بالقضية الفلسطينية” (1)
واذا كانت حماس قد قامت بانقلابها ضد السلطة الوطنية الفلسطينية، اواسط حزيران 2007، فإنها قد توقفت من طرف واحد، ومنذ ايلول 2005 عن مهاجمة اسرائيل، أي قبل انتخابات المجلس التشريعي التي فازت فيها، بعدة اشهر. فهل كان هذا استعداداً لمرحلة ما بعد الانتخابات؟ حينها، اكد الدكتور محمود الزهار، أواخر ايلول 2005 أن “حركته لا تريد اعطاء ذرائع لرئيس الوزراء الاسرائيلي، ارييل شارون، لإراقة المزيد من الدم الفلسطيني”. بينما رأى غازي حمد ، احد مسؤولي حماس، أن وقف العمليات جاء خشية” حماس من أن تشن اسرائيل هجمات كبيرة واسعة على القطاع”.(2)
الصراع على الأجهزة الأمنية

جاء في البرنامج الانتخابي لكتلة حماس (قائمة التغيير والاصلاح) حول الأجهزة الأمنية (تحت الباب الثاني “في السياسة الداخلية” الصفحة السابعة) ما يلي: “تصويب دور الأجهزة الأمنية في حماية أمن المواطن، ووقف الممارسات الخاطئة والتعسفية وضمان حريات المواطنين والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، واخضاع ممارسات هذه الأجهزة لرقابة المجلس التشريعي”.
ولكن حين شكل اسماعيل هنية حكومة الوحدة الوطنية، في آذار 2007 ، على أساس اتفاق مكة، تغيرت هذه الصيغة واختلفت اللهجة. وقد جاء في البيان الوزاري الذي تقدم به الى المجلس التشريعي لنيل الثقة على اساسه، بخصوص أجهزة الأمن الفلسطينية، ما يلي: “هيكلة الأجهزة الأمنية وبناؤها على أسس مهنية، والعمل على توفير احتياجاتها، وتنفيذ اصلاح شامل ينزع عنها الصفة الحزبية والفصائلية، وابعادها عن التجاذبات والصراعات السياسية، وترسيخ ولائها للوطن أولاً واخيراً، والتزامها بتنفيذ قرارات قيادتها السياسية، والحرص على التزام العاملين في المؤسسة الأمنية بالمهام المنوطة بها”.
يلاحظ المرء الفارق بين الطرحين والصيغتين. ومردّ هذا الفارق هو فشل حماس، خلال وزارتها الأولى، في اخضاع الأجهزة الأمنية الفلسطينية لسيطرتها، رغم المحاولات المختلفة التي بذلتها في هذا المضمار. وطالما فشلت في تحويلها الى جهاز تابع لها، فالخطوة الأولى في سبيل التغلب على هذا الفشل، هي في تحييد هذه الأجهزة، مأخوذ في الحسبان أن حماس لم تكن، حينها، في وضع مريح يسمح لها بانتزاع هذه السيطرة بالقوة، حتى ولا على نطاق قطاع غزة، كما فعلت لاحقاً، بالانقلاب في ظل حكومة الوحدة الوطنية.
لكن، كيف تعاطت حماس مع ما جاء في البيان الوزاري، الذي قدمه اسماعيل هنية للمجلس التشريعي، نيابة عن حكومة الوحدة الوطنية، في آذار 2007، والداعي الى “هيكلة الأجهزة الأمنية وبنائها على أسس مهنية … وتنفيذ اصلاح شامل ينزع عنها الصفة الحزبية والفصائلية، وابعادها عن التجاذبات والصراعات السياسية، وترسيخ ولائها للوطن اولاً واخيراً …”؟
في الواقع ، عملت حماس عكس نص هذا المبدأ الصحيح ومضمونه تماماً. فخلال حكومتها الأولى، وحين أعيتها الحيلة في بسط سيطرتها على الاجهزة الأمنية، قامت بتشكيل “القوة التنفيذية” التابعة لها، لتضعها في مواجهة قوى الأمن التي تسيطر عليها “فتح”. وكان هذا إيذاناً بتوقع الاحتكاكات والاصطدام المسلح. ولو كانت حماس ملتزمة ومخلصة لما جاء في البيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية حول مبدأ استبدال الأجهزة الأمنية القائمة بأخرى مهنية، غير حزبية او فصائلية، لكان حرياً بها ليس فقط المناداة والتبشير المتصاعد لخلق مثل هذه الأجهزة، بل ولباشرت خطوات عملية على طريق تأسيسها، بدل التحوّل لتشكيل القوة التنفيذية “الحمساوية”، مما كان سيكسبها مصداقية كاسحة في اوساط الشعب الفلسطيني، ويفتح أمامها الطريق لاستكمال هذا التغيير الديمقراطي الصحيح. لكن لجوءها، بدل ذلك، الى تشكيل القوة التنفيذية ، ثم الانقلاب العسكري في قطاع غزة، أكد أن هذا الطرح الصحيح لم يكن الاّ للتمويه وتغطية استعداداتها للانقلاب المبيّت.
لقد أدركت حماس، ومنذ البدء، انه لا مجال لفرض اجندتها وبرنامجها المختلفين الى حد التعارض، مع أجندة القوى الوطنية الفلسطينية المنضوية في اطار منظمة التحرير الفلسطينية الا اذا سيطرت على الأجهزة الأمنية، ولو بالقوة . وكان هذا هو بيت القصيد.
***
الأجهزة الأمنية وكيف تشكلت

معلوم أنه لدى تشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، وفق اتفاقات اوسلو ، قام ياسر عرفات بتشكيل الأجهزة الأمنية على مقاسه – إن صح التعبير – واذا كانت عناصر هذه الأجهزة بغالبيتها الساحقة من فتح، فإن قادتها هم حصراً من فتح، دون أن يكون المعيار المهني هو المقرر، هذا اولاً. وثانياً، تعدد هذه الأجهزة التي بلغت لدى تشكيلها ثلاثة عشر جهازاً، لا يمكن تفسير كثرتها على هذا النحو الا كإجراء احتياطي من احتمالات تمرد أي منها على سلطته، بخاصة في ظروف ما قبل قيام دولة فلسطينية مستقلة، وأخذاً في الحسبان التمرد والإنشقاق السياسي الذي وقع داخل فتح ومؤسساتها العسكرية عام 1983 في دمشق. وثالثاً، ارتباط قادة هذه الأجهزة المتعددة به شخصياً لضمان حصر ولائها له دون غيره. واذا كان قد جرى نقل صلاحيات أجزاء متواضعة من أجهزة الأمن، في وقت لاحق، الى مسؤولية وزارة الداخلية، فقد جرى هذا عقب استحداث مركز رئيس الوزراء، نتيجة ضغوط داخلية وخارجية على عرفات، وإشغال محمود عباس لهذا المنصب لأول مرة.
وحين حاولت حماس، عقب تشكيلها لحكومتها الأولى، مدّ سيطرتها على هذه الأجهزة الأمنية، فقد واجهت محاولتها الصد الكامل. وهنا، تداخلت ثلاثة عوامل وراء هذا الرفض، الأول ناجم عن اصرار حماس على التمسك بمشروعها الخاص والمختلف عن مشروع القوى الوطنية المنضوية في اطار منظمة التحرير الفلسطينية، وخشية هذه القوى من أن سيطرة حماس، على الأجهزة الأمنية، قد تدفع بها الى محاولة فرض مشروعها على الساحة الفلسطينية بالقوة، بشقيه السياسي العدمي الذي يمكن أن يدمر المشروع الوطني الفلسطيني، او الاجتماعي الذي يمكن أن يعيد الشعب الفلسطيني قروناً الى الوراء.
بمعنى آخر: هذا الرفض لم يكن موقف فتح وحدها ، بل لقي الدعم والعطف والتفهم من جميع الفصائل التي تتمسك ببرنامج م.ت.ف، وباعلان الاستقلال اللذين اقرهما المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشرة عام 1988. أما العامل الثاني، فيعود الى تعصب فئوي من تنظيم فتح، الذي قاد النضال الوطني الفلسطيني منذ العام 1968، ويعتبر أن تسليم قيادة الأجهزة الأمنية، ذات التركيبة الفتحاوية، الى تنظيم فلسطيني آخر، انما يمثل اقراراً وتسليماً بأفول دوره التاريخي. هذا ولم تكن نتائج انتخابات المجلس التشريعي، اوائل 2006 كافية لاقناعه بهذه الحقيقة. وأما العامل الثالث، فهو خاص بتلك الشريحة البيروقراطية العسكرية، والتي يمكن تسميتها بأمراء الحرب، الذين تربعوا على قمة هذه الأجهزة، وتشكلت لهم امتيازات ومصالح خاصة، غدت متعارضة مع طبيعة المهام المنوطة بهم.
ومن الواضح أن العامل الأخير كان بمنزلة “كعب أخيل” الذي ضمن لحماس نجاح انقلابها. فقد سئُل أحد الكوادر العسكرية الفتحاوية عقب نجاح الانقلابيين عن سبب تقاعسهم في مقاتلة الانقلابيين ، فأجاب: عن ماذا نقاتل، لقد هرب قادتنا، وراحوا يصدرون الأوامر من الغرف المكيفة من فنادق القاهرة ورام الله!
ويبدو أن مأساة فتح أنها لا تتعلم من تجاربها. فهرب قادة الأجهزة الأمنية الفتحاوية من أرض المعركة حين باشرت حماس انقلابها العسكري في القطاع .. انما هو تكرار لما وقع في جنوب لبنان عام 1982، حين وقع الغزو الإسرائيلي. حينها ايضاً هرب معظم القادة الميدانيين من مواقعهم دون قتال، مما فتح الطريق امام الجيش الاسرائيلي الغازي ليتقدم دون مقاومة تذكر حتى وصل بيروت. وقد توارى تخاذل هؤلاء القادة وفرارهم من أرض المعركة، وراء اضواء المقاومة البطولية لبيروت المحاصرة، التي قادها عرفات بنفسه والمقاومة البطولية لبعض المواقع المتباعدة مثل قلعة شقيف، ومثل خلدة. لكن عرفات، من جانب آخر، يتحمل مسؤولية المرور دون حساب على تخاذل هؤلاء القادة العسكريين.
لقد تشكلت لهذه الشريحة من البيروقراطية العسكرية مصالحها الخاصة، منذ أن كانت في جنوب لبنان، تتصرف في الدوائر الجغرافية المسؤولة عنها عسكرياً، كاقطاعيات خاصة بها، مأخوذ في الحسبان أنه لم يكن يجري تغيير مواقعها بشكلٍ دوري، كما هو متبع في التقاليد العسكرية. وقد حملت معها نفس السلوك الى ارض الوطن وعممته كتقليد.
واذا كانت قيادة السلطة الفتحاوية قد قامت ، اخيراً، وبعد خراب البصرة – كما يقال – باقتلاع بعض رموز هذه الشريحة البيروقراطية العسكرية، التي نخرها الفساد، ممن كانوا على رأس الأجهزة الأمنية في قطاع غزة، وفشلوا في أداء واجبهم العسكري، مما اتاح لحماس السيطرة على القطاع دون مقاومة تذكر .. فإن غيرهم من رموز هذه الشريحة وممن هربوا من الجبهة في جنوب لبنان لدى الغزو الاسرائيلي عام 1982، ما زالوا يحتلون مراكز رفيعة ، حتى اليوم، في الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية . ولو شمل انقلاب حماس الضفة الغربية ايضاً ، فمن المشكوك فيه أن يكون سلوك هؤلاء مغايراً لسلوك زملائهم في القطاع. وما يقال عن فساد هذه الشريحة من البيروقراطية العسكرية يمكن أن يقال عن البيروقراطية المدنية ايضاً، وهي بدورها من فتح في الأساس، وكان المجلس التشريعي الأول ، الذي كانت تسيطر عليه فتح، قد أوصى وطالب بمحاكمة بعض رموزها ، ولكن دون مجيب.
لقد تفاقم صراع هذه الأجهزة مع حماس الطامحة للسيطرة عليها، وبخاصة عقب فوز الأخيرة في انتخابات المجلس التشريعي. وقد نجم عن ذلك تفاقم الفوضى والفلتان الأمني، الذي عانى منه المواطن العادي. فإذا كان هدف حماس من وراء الفلتان الأمني إثبات عجز أجهزة الأمن الفلسطينية بقيادتها الفتحاوية وفشلها في تأمين الأمن والأمان للمواطنين، فإن قادة أجهزة الأمن المذكورة، كانوا بدورهم يحاولون تحميل حماس مسؤولية الفلتان الأمني وتفاقمه. وخلال ذلك، لجأ كل من الطرفين لتوظيف تشكيلات جانبية من مليشيات متنوعة، وحتى عصابات مرتزقة لهذا الغرض، وقد اكدت حادثة اختطاف مراسل الاذاعة البريطانية (بي.بي.سي) ضلوع حماس في هذا النشاط، حيث اصبح معروفاً، بعد اطلاق سراحه، أن الجهة التي اختطفته لها روابط بحماس، وقد تعمدت الأخيرة تأمين اطلاق سراحه بعد استيلائها على القطاع ، بغرض تحقيق مكاسب سياسية دولية.
***
توقيت انقلاب حماس

تقاطع انقلاب حماس في قطاع غزة، من حيث التوقيت، مع موجتين أساسيتين من النشاط السياسي، المستهدف القضية الفلسطينية: الأولى – اسرائيلية – فقد قام حكام اسرائيل بموجة جديدة من النشاط المحموم، غرضها سد الطريق على أي مسعى حقيقي لتحريك القضية الفلسطينية. ومن المعروف، في هذا السياق، انه منذ تبنت منظمة التحرير الفلسطينية، عام 1988، قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالنزاع الاسرائيلي – الفلسطيني، فقدت اسرائيل زمام المبادرة السياسية في هذا الميدان، حيث راح الطرف الفلسطيني، مسلحاً ولأول مرة بهذه القرارات، يطالب اسرائيل بالالتزام بها وتطبيقها، ويدعو المجتمع الدولي والأمم المتحدة لإلزام اسرائيل بتلك القرارات. ومنذئذٍ، واسرائيل تتهرب وتناور، مستفيدة في كثير من الأحيان من أخطاء القيادة الفلسطينية، وتخلق، في الوقت ذاته، المزيد من الوقائع على الأرض، بالاستناد الى الحماية الأميركية، بغرض عرقلة قيام دولة فلسطينية مستقلة في حدود الرابع من حزيران 1967.
لكن في ضوء نكسات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، كما يبدو في الحالة العراقية، ناهيك عن الحالة الأفغانية، حيث تفشل الخطط الأميركية الواحدة بعد الأخرى، ويجري مع الفشل تغيير الخطط والطواقم العسكرية والمدنية الأميركية في العراق، مرة تلو الأخرى، وانفضاض حلفاء واشنطن في هذا العدوان، الواحد تلو الآخر، وانعكاس كل ذلك على الداخل الأميركي، حتى وصل الأمر حد انضمام بعض النواب والشيوخ من حزب بوش الجمهوري الى المعارضة، احياناً، ضد بعض الاجراءات المتعلقة بهذه الحرب العدوانية، مما جعل هذه الإدارة تتخبط في تصرفاتها، وتفقد أعصابها، الى حد توجيه الاتهام العلني لأحد أقدم حلفائها وأخلصهم في المنطقة، حكام السعودية، بتمويل المعارضة السنية في العراق، كما جاء على لسان السفير الأميركي في الأمم المتحدة، زلماي خليل زاده، أوائل آب 2007، يرافق ذلك تدهور سمعة هذه الادارة وهيبتها الى حد أن بعض صنائعها في المنطقة راحوا يتحدون سياستها في المنطقة علناً. فقد جاء على لسان الرئيس الأفغاني، حامد كرزاي (الذي نصبه الاحتلال الأميركي) قوله، خلال زيارته الأخيرة لواشنطن، اوائل آب 2007: ” أن ايران شريكة في القتال ضد الارهاب والمخدرات”، واضاف: “حتى الآن تبدو ايران تساعد”. (1)وطبعاً، فهذا لم يعجب المضيف بوش، الذي رد على اقوال ضيفه بمهاجمة ايران ودورها في المنطقة بشدة. وقد تكرر هذا الخروج العلني على الخط الأميركي، خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي لطهران، مباشرة بعد زيارة كرزاي لواشنطن، في تقييمه للدور الايراني في العراق. كما تكرر ذلك خلال زيارته لدمشق في ايلول 2007.
الى جانب هذا كله، كانت النكسة الخطيرة التي منيت بها الاستراتيجية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، الصيف الماضي، حين تواطأت واشنطن مع اسرائيل في شن العدوان على لبنان. كان هذا الهجوم جزءاً من استراتيجية واسعة تستهدف تصفية محور ايران – سوريا – المقاومة اللبنانية، تمهيداً لفرض مشروع الشرق الأوسط الجديد المتعثر. ومعلوم أن كونداليسا رايس أعلنت، من بيروت، والغارات الوحشية الاسرائيلية تقتل وتدمر دون تمييز، أن هذه هي آلام المخاض للمولود الجديد! كان المخطط يبدأ بضرب أضعف الحلقات في المحور السالف الذكر. وبعد تصفية المقاومة اللبنانية – كما كان يطمح ويؤمن الاميركيون والاسرائيليون وبعض اصدقاء واشنطن في المنطقة – يتحول الضغط على الجبهة السورية، مع احتمال افتعال اشتباك عسكري معها، لمعالجة هذه الحلقة، ليأتي اخيراً دور الحلقة الايرانية، بعد استكمال عزلها اقليمياً.
في ضوء هذه النكسات وحالات الفشل التي تعاني منها السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، تزايدت الضغوط الدولية على ادارة بوش لبذل جهدٍ جدي لحل النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني المزمن، الذي اكدت عليه حتى لجنة بيكر – هاملتون، التي تشكلت من الحزبين الاميركيين: الجمهوري والديمقراطي ، في توصياتها العام الماضي، بالقول: “لن تكون الولايات المتحدة قادرة على تحقيق اهدافها في الشرق الأوسط ما لم تنغمس مباشرة في النزاع العربي – الاسرائيلي”.
وعشية سفر اولمرت، رئيس الوزراء الاسرائيلي الى الولايات المتحدة ، باستدعاء من ادارة بوش، اواسط حزيران 2007، تحدثت الصحافة الاسرائيلية عن أن بوش سيطرح امام اولمرت بعض الخطوات لتحريك المسار الفلسطيني – الاسرائيلي ، كإحدى الخطوات لمساعدة السياسة الأميركية المأزومة في الشرق الأوسط. لكن انقلاب حماس، في قطاع غزة، والذي جاء في هذه الظروف بالذات، شكل موضوعياً نجدة حقيقية لأولمرت، وأعفاه من طرح أية مبادرة سياسية لحل النزاع على أساس رؤية بوش للدولتين، التي اطلقها عام 2002، لتخدير النظام العربي، عشية غزو العراق، ووعد، حينها، بتحقيقها خلال خمس سنوات، انقضت دون نتائج. وقد كشفت صحيفة “هآرتس” الاسرائيلية الصادرة في 27/6/2007، أي بعد قرابة الاسبوعين على انقلاب حماس، أن اولمرت رفض ، خلال زيارته تلك لواشنطن، اقتراحاً تقدمت به وزيرة الخارجية الأميركية، كونداليسا رايس، يقضي بالتوصل الى اتفاقية “اطار” للحل الدائم مع الفلسطينيين، دون أن توضع هذه الاتفاقية موضع التنفيذ. وكما اشارت الصحيفة، فقد بررت رايس مقترحها هذا بالقول، إن مجرد تحقيق اتفاق مبدئي كهذا سيراه ابو مازن ورجاله “أفقاً سياسياً” وأملاً، فيتشجعون لمكافحة حركات المقاومة. أما اولمرت، من جانبه، فقد تذرع – كما ذكرت الصحيفة اياها – بأنه يرفض هذا المقترح لأن “ابو مازن” ضعيف.
ويقرأ المرء في مقترح رايس السالف الذكر أمرين اساسيين، الأول: أن اتفاقية الاطار التي تقترحها رايس ليست بالضرورة للتنفيذ. وهذا يعني أن مصيرها لن يكون افضل من غيرها من المبادرات الأميركية، التي توالت في السنوات الأخيرة الواحدة بعد الأخرى، وأن الغرض الحقيقي من ورائها هو مساعدة السياسة الأميركية المأزومة في الشرق الأوسط وكسب الوقت لصالح اسرائيل. مأخوذ في الحسبان أن ادارة بوش ستذهب بعد عام او اكثر قليلاً، وتذهب معها وعودها العرقوبية، التي يعلق عليها البعض في الساحة الفلسطينية الآمال العريضة.
والأمر الثاني، هو – وكما تريد وتتمنى رايس – تشجيع عباس ورجاله على مكافحة حركات المقاومة الفلسطينية، أي الدفع نحو الاقتتال الفلسطيني – الفلسطيني ، وصولاً، إن امكن، الى الحرب الأهلية الفلسطينية. وحينها يغدو من نافلة القول الحديث عن تنفيذ هكذا “اطار”.
اما اولمرت، فإنه يتحصن، الآن، بعد استيلاء حماس على قطاع غزة، ليس فقط وراء وصف عباس بالضعيف، بل وبأن سلطته انحصرت في الضفة اولاً ، وثانيا – أن الأرض الفلسطينية اصبحت مقسمة بأيد فلسطينية، بين ضفة وقطاع. علماً بأن هذا التقسيم فرضه الاحتلال الاسرائيلي، وبشكلٍ قاطع، منذ بدء الانتفاضة الثانية. وفي هذا السياق نقلت صحيفة “الحياة” الدولية، الصادرة في لندن، يوم 17/6/2007 أن اوساطاً قريبة من رئيس الحكومة الاسرائيلية، ايهود أولمرت، أكدت أنه سيحاول، خلال زيارته لواشنطن (التي تمّت في حينها) اقناع الادارة الأميركية بتبني فكرة “الفصل السياسي والجغرافي” بين قطاع غزة والضفة.
ويشير في هذا الصدد ، المعلق السياسي الاسرائيلي، عوزي بنزيمان، في صحيفة هآرتس يوم 30/7/2007، الى الاجراءات التي اتخذها الرئيس عباس، ورئيس حكومته فياض ضد حماس، بالقول: “للوهلة الأولى يبدو أن الحماسة الحكومية مسألة بديهية: ابو مازن وفياض غيّرا نهجهما، ولذلك تقوم اسرائيل باثابتهما كما يجب. قاما بإبعاد المسلحين عن الشوارع، وسحب الشرعية عن حكومة اسماعيل هنية، ويتحدثان عن السلام، ويتنازلان عن استخدام مصطلح “المقاومة” في وثائقهما الرسمية، وهما يبديان الاستعداد العملي لضمان قوتهما في الضفة الغربية، ويسعيان لإبعاد “حماس” عن غزة. بكلمة واحدة، الريش نبت للصيصان (اشارة الى وصف شارون لعباس عقب اول لقاء بينهما، بأنه صوص بلا ريش!)، ولذلك استحقت حبات قمح. الا أن هذا التغيير يرتكز على الافتراض الحتمي بأن الواقع القائم في قطاع غزة والضفة في تموز 2007 قد فُرض من قبل قوة عليا، وان اسرائيل لم تكن قادرة على التاثير في مجرياته ..” . انتهى الاقتطاف. وهل يمكن أن تكون هذه القوة العليا الا الولايات المتحدة ؟!
وعقب انتخابه رئيساً لدولة اسرائيل ، في حزيران المنصرم، وعقب انقلاب حماس، صرح شمعون بيرس في مقابلة مع صحيفة “يديعوت احرونوت” قائلاً: “ليس واضحاً متى نخرج نهائياً من “المناطق” . حتى اذا كنا جاهزين للخروج، فليس لدينا عنوان فلسطيني نسلمه المناطق التي نتخلى عنها في هذه المرحلة ، بسبب عدم قدرة الفلسطينيين على بناء جيش واحد ودولة واحدة، تفرض سلطتها عليها. والى أن يتم ذلك فإن اسرائيل لا تستطيع تجاهل مسؤوليتها عن “المناطق” بغض النظر عما اذا كانت معنية أن تقوم بذلك بارادتها او تمارس احتلالها بشكل قسري”..
وهكذا يتطور منطق الاحتلال، في عملية تهربه من الحل : فعرفات كان “غير ذي صلة” (Irrelevant) وعباس من بعده ضعيف. والآن، بعد انقلاب حماس وفصلها القطاع عن الضفة، فالمشكلة غدت عدم وجود عنوان فلسطيني “نسلمه المناطق التي نتخلى عنها في هذه المرحلة”، أي ما لا يريده المحتلون من مواقع مأهولة، كما جرى في قطاع غزة، حيث جاء انقلاب حماس وفصلها القطاع عن الضفة كتكملة لمشروع شارون في الفصل الأحادي للقطاع عن الضفة.
وتبلغ الجرأة على الحق بشيخ سياسيي ودبلوماسيي اسرائيل، بيرس، حد تصوير ممارسة اسرائيل لاحتلال المناطق الفلسطينية، وعلى مدى اربعين عاماً، بأنه رغماً عنها ! “بشكل قسري”، وان عدم تمكن الفلسطينيين من بناء جيش ودولة يعود لقصور ذاتي فلسطيني، ليس للاحتلال وجرائمه، وبخاصة منذ الاجتياح العسكري للمناطق الفلسطينية العام 2002، أية يد أو مسؤولية عنه!
الخيار الأردني

أما الوجه الآخر، أو الثاني، من النشاط السياسي المتصل بالقضية الفلسطينية وجاء انقلاب حماس في القطاع ليتقاطع معه، فهو الخيار الأردني، الذي عاد للبروز من جديد. وقد لوحظ انه عقب تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، على أساس اتفاق مكة، تحركت دوائر اردنية معينة، ذات نفوذ، في اتجاه تحريك الخيار الاردني، والسعي لإلغاء قرار فك الارتباط الذي اتخذه الملك حسين عام 1988، في خضم الانتفاضة الأولى. وفي الحقيقة، كانت أول إثارة لهذا الموضوع جرت قبل بعض الوقت، حين بدأ الحديث، في الأردن، عن اعادة النظر في فك الارتباط، بدعوى انه تسبب في حدوث اخطاء أضرت بالبعض في الضفة الغربية. هذا ، بينما كان الدكتور عبد السلام المجالي قد تطرق لهذه القضية في محاضرة له، في ايلول 2005، أتى فيها على تفاصيل دولة الوحدة ومؤسساتها التنفيذية والتمثيلية وحتى على جوازات السفر التي ستصدر عنها للفلسطينيين وللأردنيين!(1) وقد تنوعت مظاهر تحرك هذه الدوائر عشية انقلاب حماس وعقبه. فمن الجانب الواحد، عقدت لقاءات متعددة، في اماكن مختلفة من الاردن، مع عناصر فلسطينية من الضفة حصراً، بمن فيهم رجال اعمال وذوو مكانة اجتماعية ، لا حزبيين.
من جانب آخر، كشفت الصحافة الاسرائيلية أن الدكتور عبد السلام المجالي، مهندس معاهدة السلام الاردنية – الاسرائيلية، زار اسرائيل، اكثر من مرة، والتقى بالمسؤولين فيها، وبحث معهم موضوع الخيار الأردني. هذا، وتشير الصحافة الى أن قضية الكونفدرالية الاردنية الفلسطينية، غدت مادة صراع بين مؤيد ومعارض في الحملة الانتخابية الاردنية .(2) ويلاحظ المراقبون التعارض بين موقف السلطة الفلسطينية وهذه الدوائر الأردنية في أمرين أساسيين، الأول: أن الطرف الأردني يريد الاعلان عن الكونفدرالية الأردنية – الفلسطينية من الآن، بينما الجانب الفلسطيني يرى أن يكون ذلك بعد قيام الدولة الفلسطينية المستقلة . اما الأمر الثاني فينحصر في أن الطرف الأردني يريد لهذه الكونفدرالية أن تكون من الدولة الأردنية والضفة الغربية ، دون قطاع غزة، بينما الطرف الفلسطيني يرى أن تكون بين الدولة الأردنية والدولة الفلسطينية المتكاملة: الضفة والقطاع.
واذا كان انقلاب حماس قد أفاد ، موضوعياً، اولمرت وحكومته للإفلات من مطالبتهم بطرح مشروع سياسي لمعالجة النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني، فهل كان هذا الانقلاب، الذي فصل الضفة عن القطاع، موقوتاً مع التحرك لصالح الخيار الأردني؟ مأخوذ في الحسبان، في هذا الصدد، أن حركة الأخوان المسلمين، التي تنتمي اليها حركة حماس، اعترضت ، في حينه ، ولم توافق على قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية عام 1988. وقد جدّد المراقب العام للإخوان المسلمين في الأردن، سالم الفلاحات، هذا الموقف في نيسان 2006، بالقول: “المشاعر الوجدانية التاريخية تقول أن الأمة، أمة واعدة . نحن لانعترف بفك الارتباط بين العرب جميعاً، بل نزيد، بين المسلمين في الأرض جميعاً. وهذا الخيار ليس خيارنا. التفريق بين الاردن وفلسطين عملية شاقة جداً ويصعب حصولها، ولا يستطيع احد الوصول اليها، التمازج والتداخل كبيران، لا ينبغي القول أن هناك واقعاً على الأرض يتمثل في استقلال فلسطين او الضفة الغربية أو الاردن، وليس هناك ارتباط يذكر، ولكن بقي شيء وجداني اكيد”.(1)
ولعل محنة معارضي الدولة الفلسطينية المستقلة، في المرحلة الجارية، والمطالبين بإلغاء قرار فك الارتباط، انهم ينظرون الى المعادلة من زاوية واحدة ومغلوطة، حين يرون في قيام الدولة الفلسطينية المستقلة انفصالاً عن الشعب الأردني الشقيق، علماً بأن اكثر من نصف هذا الشعب هم من الفلسطينيين! ويتغاضون، بالمقابل، عن ادراك كون مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة هو في الأساس ضد الاحتلال الاسرائيلي، ولإلزامه بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية، بما في ذلك القرار 194، الخاص بحقوق اللاجئين الفلسطينيين . ذلك انه في حال التخلي عن هدف الدولة المستقلة، ستتذرع اسرائيل بأن الأراضي الفلسطينية المتبقية تشكل جزءاً من دولة مترامية الأطراف كالأردن، فيها متسع لتوطين اللاجئين، وبالتالي: تحويل قضيتهم من قضية سياسية الى قضية انسانية، تتعلق باعادة توطينهم.
***
بعض اصداء انقلاب حماس
كتبت صحيفة “القدس العربي”، الصادرة في لندن ، يوم 16/6/2007، أي ثالث يوم وقوع الانقلاب، مقالاً تحت العنوان التالي :”الصحافة الأردنية: صفقة مشعل للأردن.. حماس فقط المؤهلة لدور استراتيجي للمملكة.. واستنكار دعاة الحقوق المنقوصة ..”، فقد اشار المقال الى مقابلة الصحافي الأردني ناهض حتر، الذي تصفه الصحيفة بـ “اليساري النشط”، الذي يقول بأنه التقى مشعل بناء على دعوة الثاني له في دمشق .. فقد جاء في الخبر :”.. والانطباع الذي نقله حتر عن مشعل وعلى لسانه هو عرض سياسي واضح من الأول للحكومة الأردنية، معتبراً أن حماس هي القاعدة المؤهلة الآن لنقل استراتيجية الأردن والدور الأردني في عمق المعادلة الفلسطينية، ملمحاً – أي مشعل – الى أن “الأردن يستطيع لعب دوره في فلسطين عبر حماس المتجذرة في الواقع الفلسطيني”.
أما شمعون بيرس، فقد قال في مكالمة هاتفية مع بوش، الذي اتصل به مهنئاً على انتخابه رئيساً لدولة اسرائيل، كما نقلت صحيفة هآرتس في عددها يوم 15/6/2007، في اشارة الى ما جرى قبل يوم واحد في قطاع غزة .. قال:”في الوضع الحالي لا ينبغي رؤية مصاعب فقط، بل وكذلك امكانيات جديدة” ، وأضاف، في اشارة الى زيارة اولمرت لواشنطن آنذاك :”هناك فرص ينبغي عدم اضاعتها”. وليس لهذا الكلام من معنى سوى أن انقلاب حماس في قطاع غزة قد اعطى لاسرائيل فرص التهرب من حل “الدولتين”، الذي تبنته الرباعية الدولية، ثم تبناه مجلس الأمن الدولي، ليغدو وثيقة دولية، واغتنام فرصة الانقسام في الساحة الفلسطينية، سياسياً وجغرافياً، لفرض التصور الاسرائيلي في تسوية النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني المزمن.
وتشير صحيفة هآرتس، في عددها الصادر في 3/7/2007، في مقال لمراسلها في واشنطن، شمويل روزنر، تحت العنوان التالي: “الخيار الأردني مرة أخرى على جدول الأعمال. دولتان لشعبين؟ في واشنطن بدأوا في التفكير على نحوٍ آخر”. وبعد أن يأتي الكاتب على تصورات بعض المعاهد الأميركية، الموالية لاسرائيل، من هذه القضية، يتعرض للموقف الاسرائيلي بعامة، وموقف بيرس، بخاصة ، من الخيار الاردني بالقول: “غير أن الخيار الأردني، في اسرائيل ايضاً ليس من نصيب اليمين وحده. فالرئيس المنتخب، شمعون بيرس قال :”علينا أن نبحث عن مبنى جديد مع الفلسطينيين . أنا في قلبي عدت الى الاستنتاج الذي كان دوماً في حياتي: نحن ملزمون بأن نستقدم الأردنيين ، لا يمكننا أن نصنع السلام فقط مع الفلسطينيين.”.
أما نتنياهو ، زعيم حزب الليكود، وزعيم المعارضة في الكنيست الاسرائيلي، فقد قال، في هذا الصدد، في مقابلة مع شبكة “سي.ان.ان” الأميركية، في ضوء انقلاب حماس في قطاع غزة. إنه في نهاية الأمر فإن حل القضية الفلسطينية سيشتمل على مركب اقليمي، وان اسرائيل ستحتاج تدخل مصر في قطاع غزة بعد تحطيم سلطة حماس، وتحتاج ايضاً الى مساعدة الأردن في الضفة الغربية (1)

وجدير بالتنويه أن موقف نتنياهو هذا ليس بجديد، لكن انقلاب حماس اعطاه فرصة للعودة اليه. ففي خطاب له، في ايلول 1996، حين كان رئيساً لوزراء اسرائيل، قال امام مركز حزب الليكود :”لا توجد ولن توجد دولة فلسطينية، كما انه لن يكون هناك كيان اجنبي بين البحر المتوسط ونهر الأردن”، واضاف أن حكومته ستتفاوض مع الجانب الفلسطيني على “حكم ذاتي” كحل دائم (2)
بينما كتبت صحيفة “انترناشيونال هيرالد تربيون” الدولية، يوم 15/6/2007، أي في اجواء الانقلاب الحمساوي، مقالاً تحت عنوان: “الخطة الصعبة التي جاء وقتها” ، ويبدأ المقال بالفقرة التالية :”بعد اربعين عاماً من انتقال السيطرة على الضفة الغربية من الاردن الى اسرائيل، يجري الآن، حديث حذر يعلو فوق الهمس، بالعودة الى وضعٍ قريب من حدود ما قبل الحرب. وقد بدأ نقاش في الصحف الفلسطينية والأردنية – وفي دوائر رسمية على جانبي نهر الأردن – حول خطة لضم فلسطينيي الضفة الغربية في كونفدرالية الى الاردن، لخلق نوع من دولة ثنائية – القومية بمجلسي حكم”.
ويلفت الانتباه في هذه الفقرة من المقال المذكور، ملاحظتان، الاولى: أن الحديث يجري عن الضفة وحدها دون القطاع، الذي يأتي المقال، لاحقاً، على ذكره في اطار “التقاسم الوظيفي” ، بحيث يعود محمية مصرية. اما الملاحظة الثانية الواردة في الفقرة المذكورة أعلاه فهي الاشارة الى امكانية العودة الى حدود ما قبل حرب حزيران 1967 تقريباً، وهو مجرد خداع لتسويق الفكرة، تنقضه جملة في نفس الفقرة تقول :”.. وقد بدأ نقاش في الصحف الفلسطينية والأردنية – وفي دوائر رسمية على جانبي نهر الأردن – حول خطة لضم فلسطينيي الضفة الغربية، في كونفدرالية الى الاردن ..”، فالحديث هو عن فلسطينيي الضفة، وليس عن ارض الضفة والقدس العربية.
هذا ، وجاء في فقرة أخرى من المقال المار ذكره في “الهيرالد تربيون” ما يلي:”ليس سراً أن الفكرة (الكونفدرالية الاردنية – الفلسطينية ) ستثير اهتمام الكثير من الاسرائيليين. واذا ما تحققت ، سيحظى البلد (اسرائيل) بضمانات امنية من النظام الملكي الأردني الموالي للغرب، والذي صنع السلام مع اسرائيل عام 1994، بدلاً من رئيس فلسطيني هزيل سياسياً”.
اما دينيس روس، الصهيوني الأميركي المعروف، فقد نشر في صحيفة “واشنطن بوست”، في مطلع حزيران 2007، مقالاً، أي قبل انقلاب حماس بأيام، تحت عنوان :”قبل أن يختطف الاسلاميون القضية الفلسطينية” ، وذلك كحصيلة زيارة ميدانية قام بها، آنذاك، للأراضي الفلسطينية.
ومع أن روح المقال مكرسة لتحريض الفلسطينيين ضد بعضهم بعضاً، فإنه يتنبأ بما حدث بعد ذلك بأيام قليلة، الى حد كبير، حتى ليتصور من يقرأه انه مكتوب بعد الانقلاب وليس قبله. فهو يروي، في المقال، على لسان عناصر من فتح، فيقول :”سمعت من البعض اقتراحاً آخر يدعو للاهتمام. هذا الاقتراح يقول : “دعونا نجعل من الضفة الغربية تنجح، وبعد أن تنجح دعونا نعرض نموذج نجاحها في مقابل فشل غزة (حيث تبلغ البطالة الوظيفية 70%).. دعوا “فتح” تنجح في الضفة الغربية، ودعوا “حماس” تسيطر على دولة تعاني من الخلل الوظيفي والفوضى الأمنية. ودعونا نحن نبني دولتنا”. أن هذا الاقتراح يعني انه اذا ما اصّرت “حماس” على التمسك بغزة، فإننا يمكن بذلك أن ننتهي ليس الى حل الدولتين، ولكن الى حل الثلاث دول”.
ثم يضيف روس في مقاله :”اذاً ما العمل؟ اذا كان قيام “دولة فاشلة” في غزة امراً غير مقبول، فإن هناك حاجة الى المزيد من الجهود من اجل عدم تبلور هذه الدولة . يجب على مصر، مثلاً، أن تتحرك لمنع تدفق السلاح والأموال على “حماس”. واذا ما كانت لدى “فتح” خطة لدعم وجودها في غزة، فإن تلك الخطة تستحق الدعم منا، على أن نقوم بتقديم ذلك الدعم بالتسنيق مع الاسرائيليين والمصريين”.
ويواصل روس في نهاية مقاله :”أن ما قامت به “حماس” في غزة (الاشارة الى الاشتباكات المسلحة بين فتح وحماس قبيل الانقلاب) ، كان بمنزلة جرس انذار لـ”فتح” وللمستقلين الفلسطينيين .. فهم يعرفون الآن أنه يجب أن يتنافسوا معها اجتماعياً، واقتصادياً، وسياسياً حتى يتمكنوا من مواجهتها.ولكنهم كي يقوموا بذلك، فإنهم يحتاجون الى المساعدة، وهو ما يعني أن الدول المانحة يجب أن تتنبه الى حقيقة اننا اذا لم نساعد على اعادة صياغة “فتح”، فإننا قد نواجه مستقبلاً يسيطر فيه الاسلاميون على القضية الفلسطينية. وعندما يحدث ذلك فإنه لا “حل الدولتين” ، ولا حتى “حل الثلاث دول” سيكون احتمالاً وارداً”.(1)
لا يكتفي روس ، في هذا المقال، بالتضليل المكشوف ، حين يصور أن قضايا التطور الاقتصادي الاجتماعي في الأراضي الفلسطينية هي شأن فلسطيني داخلي، لا دخل للاحتلال فيه، ولا يتحمل أية مسؤولية عن تخلفه وعرقلة تطوره، وحديثه عن مباراة اقتصادية – اجتماعية بين الضفة والقطاع، تتطلب سنين طويلة حتى تبدو نتائجها، وكل ذلك من وجهة نظر روس، يتم في ظل الاحتلال! .. انه لا يكتفي بكل ذلك ، بل انه يعبر، في الوقت ذاته، عن شهوته العارمة في تعميق الخلافات والصراع الفلسطيني – الفلسطيني ، بخاصة حين يشير الى “اعادة صياغة فتح” !
وعلى كل حال، حين يصبح حكام اسرائيل أمام اكثر من خيار: الكونفدرالية الأردنية – الفلسطينية التي تستثني القطاع، او الدولة الفلسطينية الممزقة بين ضفة تحت حكم السلطة الفلسطينية بزعامة عباس، وقطاع تحت سيطرة حماس، فمن المنطقي والطبيعي أن يتحرك هؤلاء الحكام بعقلية المناقصة. فمن يقدم لهم عرضاً اكثر سخاء واغراءً في تنازلاته ينحازون اليه. من جانب آخر، في حالة كهذه ، لا يستطيع أي من المتنافسين تقديم ضمانات باستعادة الأرض التي احتلتها اسرائيل في عدوان 1967، أي العودة الى حدود الرابع من حزيران 1967.
في ضوء كل ذلك، يعود السؤال مرة أخرى: هل كان تقاطع انقلاب حماس في القطاع مع هذه النشاطات التي تستهدف المشروع الوطني الفلسطيني من باب الصدف؟ واذا كان توقيت الانقلاب بالفعل صدفة، فهل تتراجع حماس عما اقدمت عليه؟ وهي ترى، كما يرى كل ذي عينين، أن الوضع الناشيء عن فصل القطاع قد اضعف القضية الفلسطينية اضعافاً خطيراً، وحرر الاسرائيليين والأميركيين من الضغوط الدولية المطالبة بتحقيق الحل على أساس دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل، في حدود الرابع من حزيران 1967، وبدل ذلك اعطاهما هامشاً رحباً للمناورة وخلق الاوهام الكاذبة، في وقت يواجهون فيه ازمات خانقة؟!
خلط الأوراق والتضليل في الاعلام
الإسرائيلي والأميركي

من استمع الى الاعلام الاسرائيلي، عقب انقلاب حماس الأسود في قطاع غزة، تصور أن هذا الانقلاب تسبب في انقلاب آخر في الفكر السياسي الاسرائيلي. فقد انتقل حكام اسرائيل من الصدود الكامل، على مدى سنوات، منذ اعتبروا عرفات “غير ذي صلة” ، وحاصروه في المقاطعة حتى وفاته مسموماً، ومن بعده عباس الذي اعتبروه ضعيفاً، ولم يقدموا له شيئاً على طريق الخلاص من الاحتلال، او حتى تخفيف وطأته، مما كان سبباً رئيساً في نجاح حماس في انتخابات 2006 .. هؤلاء الحكام، انتقلوا فجأة الى التباري في طرح مبادرات للسلام مع الفلسطينيين. فكانت مبادرات اولمرت، وبيرس، وحاييم رامون، وربما غيرهم. وكل ذلك عقب انقلاب حماس. فهل افزعهم انقلاب حماس ومشروعها، الى هذا الحد، علماً بأن حماس ملتزمة بالتهدئة مع اسرائيل من طرف واحد.
من جانب آخر، صور هذا الاعلام، وبخاصة في الايام الأولى بعد انقلاب حماس، أن حكام اسرائيل سيجعلون من المستحيل على حكم حماس في القطاع أن يستمر، حتى أن الاعلام الاسرائيلي تحدث، في حينه، عن أن براك، وزير الدفاع الاسرائيلي، الذي تسلم مهامه آنذاك، قد اعد الخطة والقوات اللازمة لاجتياح القطاع وتصفية سلطة حماس!

***
لكن ما هي حقيقة هذا التضليل الاعلامي؟ وبالتالي: ما هي آفاق السلام الحقيقي، اليوم؟ وفيما اذا كان انقلاب حماس قد عزز احتمالاته، أم انه اضاف عقبات نوعية جديدة؟ او بمعنى آخر، فيما اذا كان هذا الانقلاب قد شكل قوة ضاغطة على اسرائيل ام العكس؟ تاركين دوافع واشنطن من وراء حث حكام اسرائيل للوصول الى اتفاقية “اطار” مع السلطة الفلسطينية، الى معالجة خاصة.
للاجابة على هذا السؤال نعيد، في البدء، ما قاله شمعون بيرس، في مكالمته الهاتفية مع بوش عقب انتخابه رئيساً لدولة اسرائيل، حيث قال: “في الوضع الحالي ينبغي رؤية ليس فقط مصاعب، بل وكذلك امكانيات جديدة”، و “.. فرص ينبغي عدم اضاعتها”! وقد جاء هذا الكلام في ضوء انقلاب حماس.
أما ما قاله بيرس فقد بدا جلياً على تصرفات حكام اسرائيل الذين تفاقمت عنجهيتهم بشكل صارخ. فحين انعقدت قمة شرم الشيخ، بعد ايام من انقلاب حماس، بدت الغطرسة الاسرائيلية والاستخفاف بالرؤساء الذين التقوا مع اولمرت من جهة، ومن الجهة الأخرى بدا الضعف الشديد في الموقف الفلسطيني، والهوان الذي بلغه وضع النظام العربي، حيث لم يتجاوز كل ما عرضه اولمرت على ثلاثة رؤساء عرب، الوعد باطلاق سراح 250 سجيناً فلسطينياً، ما تزال سلطات الاحتلال حتى اليوم تعتقل كل اسبوع مثل عددهم، وذلك من اصل اكثر من عشرة الاف سجين فلسطيني، وبشرط أن لا تكون على اياديهم دماء يهودية! وكان غالبية من اطلق سراحهم من هذا العدد، قد امضى معظم محكوميته.
من جانب آخر ، فالوعود الوردية “بدعم” سلطة عباس، وتخفيف القيود عن سكان الضفة الغربية، لم تختلف عما درج حكام اسرائيل على ترداده من تصريحات ليس لها رصيد. ذلك أن شيئاً لم يتغير في نهج المحتلين، فالقتل والاعتقال، والاجتياح، والحواجز، وتوسيع الاستيطان، وبناء الجدار تتواصل كما كانت. و “دعم سلطة عباس” ليست الا لمجرد تعميق الخلافات في الساحة الفلسطينية، وحرق عباس سياسياً.
وعلى كل حال، يكفي للدلالة على الوضع المريح الذي تجد اسرائيل نفسها فيه، عقب انقلاب حماس وتمزيق الساحة الفلسطينية، أن يستمع المرء الى بعض اقوال اولمرت ووزرائه في جلسة الحكومة الاسرائيلية عقب انقلاب حماس، وقبل قمة شرم الشيخ بين اولمرت وثلاثة رؤساء عرب، والتصعيد الخطير في شروط حكام اسرائيل للتعامل مع الطرف الفلسطيني. فقد حدد اولمرت ، خلال حديثه، امام وزرائه ، هدفين استراتيجيين لإسرائيل يتوجب عليها السعي لتحقيقهما بكل قوة واصرار، وهما: قيام “ابي مازن” واجهزته الأمنية بلعب دور مركزي في مواجهة حركات المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، بشكل يقلص الحاجة الى تدخل الجيش الاسرائيلي، الى جانب الحرص على نزع الشرعية عن حكومة حركة حماس في قطاع غزة بشكلٍ حاسم. بينما قال وزير الاستيعاب والهجرة زئيف بويم، انه يتوجب على “أبي مازن” من اجل أن يحصل على عوائد الضرائب (الفلسطينية) أن يعلن حرباً لا هوادة فيها ضد جميع حركات المقاومة الفلسطينية، معتبراً انه يتوجب ربط المساعدات التي تقدم له بمدى قدرته على الوفاء بهذا الشرط. من ناحيته، دعا وزير الصناعة والتجارة الحاخام ايلي يشاي الى تحويل عوائد الضرائب لأبي مازن على دفعات، بحيث لا يتم تحويل أية دفعة الا بعد أن يتم التأكد من أن قواته الأمنية قامت بانجازات على صعيد مواجهة حركات المقاومة الفلسطينية.من جانبه، طمأن ايهود اولمرت وزراءه قائلاً بأنه سيعرض خلال قمة شرم الشيخ موقفاً صارماً يقوم على أن حكومته ستكون مستعدة للتعاون مع “ابو مازن” الى ابعد حد،بشرط اثبات قدرته على محاربة حركات المقاومة الفلسطينية،الى جانب عدم عودته للحوار مع حركة حماس. (1)
من هذه المداخلات يتضح امران اساسيان: الأول – أن اولمرت ووزراءه يريدون من محمود عباس أن يتحول الى سعد حداد فلسطين! والثاني، الوقوف في وجه أية محاولة لاستعادة وحدة الساحة الفلسطينية، تحت طائلة العقاب، معتبرين، في هذا المجال، اموال الضرائب الفلسطينية سلاحاً بأيديهم للإبتزاز السياسي والعقاب!
أما نظرة حكام اسرائيل الحقيقية لظاهرة حماس، والفائدة التي تجنيها اسرائيل من طروحات حماس المتطرفة وممارساتها، فيمكن أن نجد لها ترجمة صادقة في تصريحات الوزير الاسرائيلي السابق، رحبعام زئيفي، في مقابلة له مع التلفزيون الاسرائيلي (2)، قبل اسابيع من اغتياله ، حيث طالب حكومة اسرائيل “باعلان الحرب على السلطة الفلسطينية واسقاطها وتدميرها والقضاء نهائياً على سلطة ياسر عرفات”، وحجته في ذلك أن عرفات لا يصلح شريكاً للحل”. وحين تجرأت المذيعة التي حاورته على السؤال : ما هو البديل الذي سيحل محل عرفات لو جرى القضاء على سلطته؟ اجاب زئيفي بغضب واحتداد : “كفاكم تخويفاً لشعب اسرائيل في مسالة البديل الذي سيحل مكان عرفات. أن وصول حركتي حماس والجهاد الاسلامي الى موقع القيادة الفلسطينية يشكل مصلحة وطنية عليا لاسرائيل. عندها يفهمنا العالم، حين نرفض المشاريع السياسية الضارة بنا، وحين نتمسك بالحسم العسكري وبفرصة القضاء على الارهاب”.
وجدير بالملاحظة أن هذه التصريحات، وبخاصة ما يتعلق بالحسم العسكري، قد جاءت وعملية “الجدار الواقي” في أوجها. وكان شارون قد شنها كمحاولة يائسة لإركاع الشعب الفلسطيني بعد فشل جميع الخيارات الأخرى في تحقيق ذلك.
ومؤخراً، كتب مناحيم بن، في صحيفة معاريف الاسرائيلية، في الأول من تشرين أول 2007 (1) ، مقالا تحت عنوان: دولة “حماس” في غزة مصلحة اسرائيلية عليا، جاء فيه: “إذا كان هدف اسرائيل الأعلى تسليم القطاع من جديد الى أبو مازن وارسال أفضل شبابنا من أجل ذلك ليجرحوا أو يقتلوا من أجله أو من أجل السلطة الفلسطينية الموحدة التي قد تصبح بعد قليل دولة، فان هذه فكرة قبيحة لا مثيل لها. لا لأن ابو مازن أشد خطرا من هنية بسبب اعتداله المتلون فقط، بل لأنه لا يوجد أي سبب يجعل اسرائيل تفضّل وحدة السلطة الفلسطينية على تقسيمها اثنتين، على العكس ، ان الفصل بين دولة “حماس” في غزة ودولة “فتح” في الضفة الغربية مصلحة اسرائيلية عليا، يحسن دائما التفريق بين الاعداء، واضعافهم بذلك”.
ويضيف الكاتب: “لهذا فان دولة “حماس” مستقلة في هذه المرحلة مصلحة اسرائيلية عليا”.
ويختتم الكاتب بالقول: “مع “حماس”، وبسبب صورتها الفظيعة، لا يطلب أحد منا أي شي. لهذا أبو مازن أشد خطراً من هنية. أفنجني على أنفسنا بأيدينا، مع طائفة من ضحايانا، كارثة الوحدة الفلسطينية من جديد؟ نعوذ بالله من ذلك”.
أما كيف اسهمت ممارسات حماس المتطرفة في ضرب السلطة الفلسطينية ومؤسساتها، فهذا ما يشير اليه السفير الاميركي في تل ابيب، ريتشارد جونز، من أن اسرائيل لعبت دوراً واضحاً وهاماً في تعزيز قوة حركة حماس داخل الساحة الفلسطينية، واشار الى أن حماس كانت تهاجم اسرائيل التي ترد بمهاجمة حركة فتح ومؤسساتها، ونتيجة لهذه السياسة استطاعت حماس أن تقوي من وضعها في نظر الفلسطينيين كفصيل مقاوم للاحتلال، دون أن تقع فيها اية خسائر. ورأى، في تصريح لصحيفة “جيروسالم بوست” الاسرائيلية”، ان هذا ساعد في تعزيز حماس وتقويتها على حساب حركة فتح ، التي اخذت تضعف بسبب ذلك، “معتبراً أن الاقتتال الداخلي الدائر، حينها، في قطاع غزة، يصب في المصلحة الاسرائيلية بالدرجة الاولى …” (1)

أما ما لم يوضحه هذا السفير، حين اشار الى أن حماس كانت تهاجم اسرائيل ، فهو انها لم تكن، في الاساس، تهاجم قوات الاحتلال والمستوطنين، وانما تركز على المدنيين الاسرائيليين داخل الخط الأخضر، وهو ما يرفضه ويستنكره الراي العام العالمي، ويقدم، في الوقت ذاته، الغطاء لجرائم الاحتلال، ليس فقط ضد تنظيم فتح وانما ضد مجموع الشعب الفلسطيني، باطفاله ونسائه وشيوخه وشبابه، هذا اولاً، وثانياً: أن اسرائيل كانت تتعمد، عن وعي وتصميم، رد ضربات حماس الى السلطة
ومؤسساتها التي تشرف عليها فتح. ذلك أن ما يحرج حكام اسرائيل ويثيرهم، ليس من يرفع الشعارات المتطرفة، ويقوم بالاعمال المغامرة، بل من يطالبهم بتطبيق قرارات الشرعية الدولية، ويحدد اهدافه ضد جنود الاحتلال ومستوطنيه، وهو ما يتفهمه الرأي العام العالمي.
ان تاريخ النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني الطويل والحافل يبرهن بأن هدف تسوية هذا النزاع، ، على اساس قرارات الشرعية الدولية، لم يكن يوماً على جدول أعمال حكام اسرائيل، ليبقى المجال مفتوحاً امام تحقيق المزيد من طموحاتهم التوسعية. ولا أدل على ذلك من اقحامهم، ومنذ وقت مبكر، هذا النزاع في أتون الحرب الباردة، ليغدو هذا النزاع جزءاً من صراع المعسكرين الدوليين، مما ضاعف من تعقيدات ومصاعب معالجته وحله. وقد كانوا يجهضون، عن عمد وتصميم، اية مبادرة لمعالجته، ولعل آخر البراهين على ذلك اغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلي، رابين، حين أبدى ميلاً للسير في طريق معالجته، علماً بأن احداً لا يستطيع التكهن الى أي مدى كان سيصل في طريق التسوية الفعلية.
وطالما كانت هذه هي التوجهات الحقيقية لهؤلاء الحكام، فقد كان حليفهم الطبيعي والرئيس في الجانب الفلسطيني هو التطرف، الذي اتاح لهم، وعلى مدى عقود، ادارة هذا النزاع – بدل حله – على نحوٍ تبدو فيه اسرائيل في صورة الضحية، بينما الضحية الحقيقية في صورة المعتدي، امام المجتمع الدولي.
ويمكن القول، في هذا السياق، أن اكبر هزيمة سياسية لنهج حكام اسرائيل هذا، كان يوم تبنت منظمة التحرير الفلسطينية قرارات الشرعية الدولية وتسلحت بها ضد الاحتلال، وراحت تطالب حكام اسرائيل بتطبيقها. حينها، تعرّت اسرائيل بفقدانها لهذا التطرف الحليف.
لكن من المفارقات ، أن حركة الاخوان المسلمين (التي انبثقت عنها حماس) انتقلت من مرحلة “الاسلام التقليدي” الى مرحلة “الاسلام الجهادي” ، بالضبط في الوقت الذي تخلت فيه الحركة القومية الفلسطينية عن التطرف، وذلك خلال الانتفاضة الاولى، لتتبنى خطاً سياسياً واقعياً، بينما يواصل التطرف وجوده في الساحة الفلسطينية هذه المرة على رافعة جديدة، دينية اصولية هي حماس.
والسؤال هو: هل أن اسرائيل معنية حقا بتصفية سلطة حماس في القطاع؟ ام انها تتصرف على نحوٍ مختلف، بما يخدم اهدافها في تكريس الانقسام السياسي والجغرافي للساحة الفلسطينية؟ واضعاف الطرفين ومجموع الشعب الفلسطيني ، وتصعيد الصراع الفلسطيني – الفلسطيني واطالة أمده؟ وفي الوقت ذاته اضافة حجج جديدة للتهرب من أية خطوة تقرب نهاية الاحتلال؟ في هذا الصدد، يقول تومي لبيد، نائب رئيس الوزراء ووزير العدل الاسرائيلي السابق: اسرائيل لا تستطيع أن تتنازل للفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث انه من الممكن أن تسيطر حماس في كل لحظة على الضفة كما استولت على غزة.
اما حقيقة الموقف الاسرائيلي من سلطة حماس، بعد الانقلاب، في القطاع، فلعل ما اذاعته القناة الاسرائيلية العاشرة ليلة الثاني من ايلول 2007، له دلالته ومغزاه في هذا الصدد. فقد نسبت هذه القناة الى مصادر امنية اسرائيلية أن حركة حماس تتعمد عدم اصابة الأهداف الاسرائيلية، وتوجه صواريخها باتجاه مناطق مفتوحة تفادياً لاصابة الاسرائيليين، ولكي تظهر للفلسطينيين في غزة انها ما زالت تعتمد المقاومة كخيار لها .ونقل تقرير للقناة عن مصدر امني اسرائيلي قوله ان الأمن الاسرائيلي لاحظ مؤخراً أن “حماس” تتعمد اسقاط صواريخها في مناطق مفتوحة حول سديروت، حتى لا تصيب الأهداف الاسرائيلية، رغم أن الذين يشرفون على اطلاق الصواريخ من طرف “حماس” محترفون.كما نقل التقرير عن ضباط في الجيش الاسرائيلي قولهم انه “لا يوجد شك أن الصواريخ التي تطلقها حماس ولا تصيب أي شيء، ليس محض صدفة وانما لأن “حماس”معنية بعدم اصابة الاهداف، لأنها لا تريد تصعيد الأوضاع ، وفي المقابل تريد أن تثبت للسكان الفلسطينيين انها تواصل المقاومة .(1)
وعلى كل حال، اذا كان خبر القناة العاشرة في التلفزيون الاسرائيلي صحيحاً، فهو غني عن التعليق، وان كان كاذباً من صناعة اسرائيلية، فهو لتبرير الموقف الفعلي للسلطات الاسرائيلية المستفيد من استمرار سلطة حماس في القطاع. مع ابقاء الحصار على القطاع، كنوع من العقاب الذي يتعرض له كل الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة على رفضه الاملاءات الاسرائيلية . من جانب آخر ، هل يمكن الاعتقاد بأن قادة حماس قد اقدموا على انقلابهم، دون أن يضمنوا قنوات دعم لسلطتهم ، سرية او علنية، لا فرق؟

***

الدوافع الحقيقية وراء مقترح
اتفاقية “الاطار”

جرت الاشارة ، سابقاً، الى ما نشرته صحيفة هآرتس يوم 27/6/2007، من أن كونداليسا رايس كانت قد اقترحت على رئيس الوزراء الاسرائيلي، اولمرت، خلال زيارته لواشنطن في حزيران، عقب انقلاب حماس في القطاع، التوصل الى اتفاقية “اطار” للحل الدائم مع السلطة الفلسطينية، دون أن توضع هذه الاتفاقية موضع التنفيذ، وأن اولمرت رفضها، في حينه. لكن يبدو أن الاسرائيليين عادوا واخذوا بمقترح كونداليسا رايس ، بعد أن اتضحت لهم الأهداف الحقيقية من ورائه، وهي تحديداً: بناء تحالف عريض ضد ايران، بالقيادة الأميركية، يضم اسرائيل وما تسمى بالدول العربية المعتدلة. ودور اتفاقية “الاطار” هو أن تمثل الغطاء لإتمام هذا التحالف.
وكما اشير سابقاً ، فالخطة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، تستهدف ضرب المحور الايراني – السوري – المقاومة اللبنانية. وكانت هذه الخطة في صورتها السابقة، تقضي البدء بضرب أضعف حلقات هذا المحور: حركة المقاومة اللبنانية، لتكون الخطوة التالية توجيه الضغوط المختلفة، بما فيها احتمالات ضربة عسكرية اسرائيلية ضد الحلقة الثانية في هذا المحور، سورية، لتبقى بعدئذٍ الحلقة الثالثة والأخيرة: ايران، بعد عزلها عن حلفائها في المنطقة، بحيث يغدو اخضاعها ، بمختلف الوسائل ، أسهل منالاً. لكن، كما هو معلوم، فقد فشل الجيش الاسرائيلي الذي اوكلت اليه مهمة ضرب الحلقة الأولى في هذا التحالف، في تحقيق الهدف، في عدوانه على لبنان الصيف الماضي.
ومن الواضح أن هذا الفشل، الذي لم تتوقعه واشنطن، فرض عليها إدخال تغييرات على الخطة كلها، بحيث يجري البدء بضرب الحلقة الأقوى، بدل الأضعف، هذه المرة، أي البدء بضرب ايران، مما يجعل تصفية الحساب مع الحلقتين المتبقيتين: سوريا والمقاومة اللبنانية، اسهل منالاً. لكن ضرب الحلقة الأقوى في المحور الثلاثي الآنف الذكر، ليس بسهولة الحلقة الأضعف التي اخذها الجيش الاسرائيلي، منفرداً، على عاتقه العام الماضي. انها تتطلب حشداً ضخماً من القوى يضم في عداده الدول العربية “المعتدلة” واسرائيل، بالقيادة الأميركية. ولإرساء قواعد هذا التحالف المشبوه، دعا بوش الى ما سماه “المؤتمر الدولي”، في واشنطن، في تشرين الثاني 2007، الذي ستقوده كونداليسا رايس، بدعوى معالجة الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني. وحرصاً على تأمين ورقة توت للدول العربية المعنية، والتي ستحضر الاجتماع المعني، ومنها السعودية ، لأول مرة الى جانب اسرائيل، كانت الحاجة لاتفاق “الاطار” الذي لا علاقة له بالتنفيذ. تماماً، كما كان مؤتمر مدريد 1991 ، الذي دعا اليه بوش الأب غطاءً لمشاركة عدد من الدول العربية في حلف “حفر الباطن” لدى شن العدوان الاميركي على العراق 1991. وهذا التقييم ليس وليد التكهن والاستنتاج، فقد سبق للمتحدث باسم الخارجية الأميركية شون ماركورماك أن صرح بما يلي: “.. وتسعى الولايات المتحدة لإيجاد سبل لإنعاش جهود السلام، ويهدف (المسعى) جزئياً الى طمأنة حلفائها العرب، بأنها ترغب في تحسين وضع الفلسطينيين، وحشد هؤلاء الحلفاء ضد ايران”. (1)
وبهذا المعنى، فإن هذا “الاطار” سيخدم عدة اهداف في وقتٍ واحد: اولاً- سيخدم كغطاء لتبرير اللقاء المخطط في تشرين ثاني في واشنطن، لإنجاز بناء التحالف العربي – الاسرائيلي – الاميركي، ضد ايران بشكل مباشر الآن.
ثانياً: يمثل الاطار خطوة نوعية في عملية التطبيع العربي مع اسرائيل، دون أن تلتزم الأخيرة حتى باعلان قبولها للمبادرة العربية، التي كانت في اصلها سعودية.
ثالثاً: اتفاقية “اطار” غير مرتبطة بمرجعية جدية، بمستوى قرارات الأمم المتحدة، او حتى المبادرة العربية، ولا بجدول زمني للتنفيذ، ولا ضمانات دولية تتجاوز الولايات المتحدة المتحيزة، تمثل تكراراً لتجربة اوسلو التي اجهضها الجانب الاسرائيلي، وكانت نقطة ضعفها الأساسية انها كانت بدورها اتفاقية “اطار” ، دون الاتفاق على قضايا مفصلية كالحدود والمستوطنات والقدس وما شابه.
رابعاً: اتفاقية اطار كهذه، ستخدم الطرف الآخر، في تضليل الرأي العام والمجتمع الدولي، الذي راح يشدد مطالبته بحل النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني، على اساس اقامة دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران 1967 ، الى جانب دولة اسرائيل.. ستخدم في خلق الأوهام، كما جرى عقب توقيع اتفاقات اوسلو، بأن النزاع جرى حله، وما تبقى هو مراحل التنفيذ.
خامساً: إن اتفاقية “الاطار” هذه تشكل اسهاماً اضافياً في تكريس الانشقاق في الساحة الفلسطينية، في ضوء انقلاب حماس في قطاع غزة، الذي اضعف نوعياً الجبهة الفلسطينية، وجعلها اسهل اختراقاً على المناورات الأميركية – الاسرائيلية، وضاعف من حجم الأوهام في دوائر السلطة الفلسطينية.
وحول هذا “الاطار” الخادع كتبت صحيفة “الغارديان” اللندنية مقالاً هاماً يوم 7/8/2007، تحت عنوان :”دولة بلا حدود ليست حلاً”. وقد جاء في هذا المقال :”قال السيد اولمرت أن اسرائيل والفلسطينيين سوف يوسعون المفاوضات بصياغة “اطار”، يسمح بتحرك الطرفين قدماً لتاسيس دولة فلسطينية. وستمهد هذه الاجتماعات، الأرضية لقمة اقليمية في واشنطن في تشرين ثاني تضم السعودية، وقطعت السيدة رايس على نفسها انها (أي القمة) ستكون اكثر من مناسبة لالتقاط الصور. ويبدو أن معالجة طموحات ايران النووية ذات ملحاحية أعلى، في واشنطن، من انهاء الاحتلال الاسرائيلي للمناطق الفلسطينية. لكن الأمرين مترابطان على نحوٍ لا انفصام له . وما يزال دعم السعودية وبقية الدول العربية ضد ايران، يتطلب تحركاً بخصوص فلسطين. لكن السؤال هو الى أي مدى وفي أي اتجاه”؟
ثم يضيف المقال: “السيد اولمرت يرفض البحث في “قضايا مفصلية” بدعوى أن الفشل في التوصل الى اتفاق حولها، قد يفشل التقدم على قضايا أصغر. وهذا يبقي الحديث عن مرحلة انتقالية. وسيكون هذا حول دولة فلسطينية بحدود مؤقتة، أي مرحلة المفاوضات التي كانت مقدرة في الأصل للبند الثاني من خارطة الطريق. وبمحاولة القفز مباشرة الى هذه المرحلة، قبل التفاوض اولاً على انهاء الاحتلال، ستقود فيه اسرائيل السيد محمود عباس نحو مياه خطرة. وبدون الزام اسرائيل في قضايا محددة، ستكون الدولة المقدرة كابوساً فلسطينياً، تاركين وراءهم قضايا حيوية بدون جواب، وبدون جدول زمني للاجابة عليها. لقد انقسم الشعب الفلسطيني الى اثنين، حين فرضت حماس سيطرتها العسكرية على غزة، ولسوف تنقسم دولة فلسطين الى قطع عديدة، اذا قبلت وضع كيان بلا حدود، ولا سيادة، ولا اقتصاد قابل للحياة”.
أما البروفيسور دان شيفطان، رئيس “مركز ابحاث الأمن القومي” في جامعة حيفا، فيقول في مقال له في صحيفة هآرتس، 23/10/2007 انه يتوجب النظر الى لقاء “انا بوليس” كقضية اميركية اسرائيلية بحتة لا دخل للفلسطينيين فيها، مشيراً الى ان هدف اسرائيل من خلال المشاركة في هذا اللقاء هو مساعدة بوش قبيل الوصول الى نقطة الحسم في مواجهة ايران.
ويضيف شيفطان الى ان بوش يعي انه يحتاج الى وقوف الدول العربية المعتدلة الى جانبه عند تحركه ضد ايران، ومن اجل اقناعها بذلك فقد قرر عقد اللقاء في “انابوليس” لكي يدلل لها على التزامه بالتوصل لحل، مع ان كلاً من بوش واولمرت يعيان ان التوصل لمثل هذا الحل مستحيل.
هذا، بينما كرر اولمرت اكثر من مرة ان اجتماع “انا بوليس” لن يفضِ الى اتفاقية سلام مع الفلسطينيين.
أكثر من ذلك ، اعلن المتحدث بلسان الخارجية الاسرائيلية مارك زيجيف انه بدون أي اتفاق مسبق من حيث المبدأ بشأن اللاجئين سيبقى مبعث قلق دائم بأن لا ينهي تأسيس دولة فلسطينية الصراع، وان يكون هناك مزيد من المطالب من اسرائيل .(1)
وهكذا، تريد اسرائيل ودون أن تلتزم بشيء لإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية، أن يسقط الفلسطينيون ، سلفاً، حقوق اللاجئين الفلسطينيين، التي ضمنتها قرارات الأمم المتحدة.
اما وزير الدفاع الاسرائيلي، ايهود براك، فقد أعلن أن اسرائيل لن تبدأ بأي انسحاب من الضفة الغربية قبل العثور على التكنولوجيا اللازمة لتحييد الصواريخ الفلسطينية الصنع. وهذا يحتاج – على حد رأيه – الى فترة ما بين ثلاث الى خمس سنوات ! وهكذا لا تعوز حكام اسرائيل الحجة للتهرب من أي تقدم على طريق حل النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني وانهاء احتلالهم للأراضي الفلسطينية.
***
جوانب وتداعيات أخرى لمخطط
ضرب محور ايران – سوريا – المقاومة اللبنانية

فيما يتعلق بمسعى واشنطن لضرب المحور الايراني – السوري – المقاومة اللبنانية طرحت واشنطن “حزمة” ثلاثية لخدمة هذا الهدف:
اولاً – تحضير اتفاقية “اطار” فلسطينية – اسرائيلية ، تشكل غطاءً للدول العربية التي ستشارك في هذه الخطة الأميركية.
ثانياً – عقد اجتماع واشنطن، في تشرين ثاني 2007، الذي سيدشن قيام تحالف علني يضم اسرائيل والدول العربية “المعتدلة”.
ثالثاً – الاعلان عن صفقة اسلحة اميركية للمنطقة بحجم ثلاثة وستين مليار دولار، ثلاثون مليار منها مساعدة مجانية لمزيد من تسليح اسرائيل، خلال عشر سنوات.. مما يعني رفع حجم المساعدة العسكرية الأميركية السنوية لإسرائيل من مليارين وأربعماية مليون الى ثلاثة مليارات. وذلك نابع من الاعتقاد بأن فشل الجيش الاسرائيلي في أداء المهمة التي اوكلت له، الصيف الماضي، في جنوب لبنان، يعود لاعتبارات فنية وتكنيكية! وفي هذا السياق، قال نائب وزيرة الخارجية الأميركية، نيقولاس بيرنس، الذي وقع مذكرة التفاهم الخاصة بهذه المساعدة لإسرائيل .. قال في القدس، أن المساعدة لإسرائيل تعني التصدي لمحور التعاون بين ايران وسوريا وحزب الله والجهاد الاسلامي وحماس، المسؤولين عن العنف في المنطقة .(1) هذا، علاوة على أن اغراق المنطقة، بهذا الكم الهائل من التسلح، سيفرض على بلد مستهدف ، مثل ايران، سباقاً للتسلح يرهق اقتصادها.
وجنباً الى جنب تضاعفت جلسات التنسيق الاستراتيجي بين الولايات المتحدة واسرائيل، في اعقاب فشل الجيش الاسرائيلي في لبنان الصيف الماضي.
لكن جمع اتفاقية “اطار”فلسطينية – اسرائيلية، وعقد اجتماع في واشنطن ، في تشرين ثاني 2007، والاعلان عن صفقة سلاح اسطورية لبعض دول المنطقة وعلى رأسها اسرائيل، جمع هذه العناصر الثلاثة في “صفقة” واحدة يكشف أن ما تتحدث عنه واشنطن من نوايا نشر السلام والاستقرار في المنطقة، ليس إلا ذراً للرماد في العيون، لاخفاء هدفها الحقيقي، والذي لم يعد ممكناً اخفاؤه، وهو المزيد من العدوان وممارسة العنف الاميركي – والاسرائيلي ضد شعوب المنطقة، لإحكام هيمنتها عليها بالقوة. بمعنى آخر، فالمنطقة مرشحة لمزيد من العنف والاضطراب.
وعلى كل حال، ينبغي الافتراض بأن مخطط ضرب محور ايران – سورية – المقاومة اللبنانية، بالوسائل العسكرية، ليس السيناريو الوحيد الذي تعمل واشنطن عليه، في تطلعها لإحتواء المنطقة والسيطرة على مصادر الطاقة الهائلة فيها، في اطار ما اطلقت عليه “الشرق الأوسط الجديد”، الذي تتعثر خطوات تطبيقه حتى الآن برغم عناوينه المتغيرة من “الكبير” الى “الجديد” ! لذلك تتابع واشنطن الفوارق والتمايزات بين اطراف محور ايران – سورية – المقاومة اللبنانية، وأجندة كل من هذه الاطراف. في هذا السياق، قال ساترفيلد، وكيل وزارة الخارجية الأميركية، بخصوص ايران وسوريا، أن واشنطن “تتعامل معهما ككيانين مختلفين”، ولاحظ أن ايران طالبت بانسحاب فوري للقوات الأميركية من العراق، في حين “بعثت سوريا برسائل ايجابية”، ولم تطالب بذلك. من جانبها، كانت كونداليسا رايس قد طالبت، في وقتٍ سابق، بتغيير سلوك النظام السوري، وليس تغيير النظام”(2) اما في العراق ، فقد اشعل الاميركيون احتراباً طائفياً خطيراً، يمكن أن يخدم كقاعدة لتقسيم العراق، اذا تطلبت مصالحهم ذلك.
من جانب آخر، لم تقتصر تداعيات فشل الجيش الاسرائيلي في انجاز المهمة التي اوكلت اليه، الصيف الماضي، في جنوب لبنان، على تغييرات في الخطة الأميركية “لمعالجة” المحور الايراني – السوري – المقاومة اللبنانية، بل ترتب على ذلك متغيرات اخرى وتداعيات بعيدة المدى، طالت جوانب ذات شأن في السياسة الأميركية في المنطقة.
فحتى وقوع العدوان الاسرائيلي على لبنان صيف 2006، كانت الادارة الأميركية تتبنى، تحت التأثير الفعال للمحافظين الجدد، استراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، في مركزها المزيد من الاعتماد على اسرائيل، الى حد “وضع كل البيض” في سلتها تقريباً. باعتبارها نظاماً موالياً متماسكاً له جيش قوي، يؤمن بارتباط مصيره الوجودي بالتحالف مع الولايات المتحدة، وذلك بخلاف الأنظمة العربية “المعتدلة” بالمفهوم الاميركي، الضعيفة والمعزولة – شأن بقية الأنظمة العربية – عن شعوبها، وتفتقر الى قواعد اجتماعية متماسكة يمكن الاعتماد عليها اذا ما هبت عواصف التغيير، مما قد يخرج الأمور عن السيطرة. في ضوء هذا الفهم العام، الذي صاغه المحافظون الجدد، خرجت ادارة بوش حينها، تنادي بنشر الديمقراطية في بلدان الشرق الأوسط. بالطبع، الديمقراطية الانتقائية وفق المعايير الأميركية. وذلك بأمل أن تسفر ممارسة هذه الديمقراطية عن توسيع القاعدة الاجتماعية لحلفاء واشنطن في هذه البلدان. وفي هذا المنحى، جندت واشنطن نشاط المنظمات غير الحكومية في المنطقة التي تنفق عليها الخارجية الأميركية بسخاء. حينها، قالت كونداليسا رايس، في محاضرة لها في الجامعة الأميركية في القاهرة، بأن الولايات المتحدة اخطأت عندما “سعت على مدى ستين عاماً الى تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط على حساب الديمقراطية ولم تنجز أياً منهما”. وشددت على أن بلادها “تتبنى نهجاً مختلفاً. اننا ندعم التطلعات الديمقراطية لكل الشعوب”. لكنها اكدت “استمرار معارضة الولايات المتحدة لمشاركة حركات اسلامية مسلحة مثل حزب الله وحماس”(1).
من كلام رايس هذا تتضح ليس فقط ، عقلية الوصاية الأميركية على مقدرات شعوب المنطقة وحسب، بل والطابع الانتقائي للديمقراطية التي تريدها واشنطن لبلدان الشرق الأوسط، بحيث تكون على غرار “الديمقراطية” التي فرضتها بالحراب في افغانستان والعراق. ومع ذلك، فقد أثارت هذه المناداة الأميركية بنشر الديمقراطية في بلدان الشرق الأوسط حساسية الأنظمة العربية الموالية لواشنطن وقلقها، تلك الانظمة التي تستند في استمرار حكمها الى العنف والقمع البوليسي وحده.
لكن ملف الديمقراطية هذا جرى طيه، كأحد تداعيات فشل العدوان الأخير على لبنان. لتعود واشنطن الى تنشيط علاقاتها بأصدقائها التقليديين في المنطقة العربية، بعد أن ثبت قصور الجيش الاسرائيلي عن تحقيق المهمة المطلوبة، وأنه ليس كلي القدرة، وان لقدراته حدوداً. وبالتالي: لا غنى عن خدمات هؤلاء الحلفاء التقليديين. ويلاحظ، في هذا السياق، عملية ابراز خاصة لحكام السعودية، بما في ذلك على حساب مصر وحكامها، مما اثار بعض الحساسية لدى حكام الاخيرة. وذلك طالما كان الهدف المباشر لواشنطن، في المرحلة الحالية، هو التعبئة ضد ايران. فالسعودية ، بحكم مكانتها الدينية، في المجتمع الاسلامي، وبخاصة السنّي ، هي الأقدر على لعب الدور المطلوب في هذا المضمار. في هذا السياق، جاء اتفاق مكة بين فتح وحماس، والذي لم يكن اكثر من صفقة هشة بين التنظيمين، وليس اتفاقاً وطنياً شاملاً، يستند الى برنامج وطني موحد، ومتفق عليه، يغطي مرحلة التحرر الوطني. وكل ما تحقق فيه هو تغطية الفوارق الجوهرية بين برنامجين مختلفين، بكلمات عامة يترجمها كل طرف على هواه. لكن كما ثبت لاحقاً، فقد حقق اتفاق مكة لحركة حماس هدنة مريحة لاستكمال التحضير لانقلابها المبيّت، علاوة على تخفيف عزلتها حيث كسرت هذه العزلة على النطاق الاقليمي بدءاً ببلد مثل السعودية . بينما كان الرابح الأكبر من هذا الاتفاق هم حكام السعودية ، لرفع هيبتهم في العالمين العربي والاسلامي، بعد أن اصيبت هذه الهيبة بشرخ عميق، حين تسرع هؤلاء الحكام، لدى بدء العدوان الاسرائيلي على لبنان، وخرجوا علناً لإدانة المقاومة اللبنانية، وتبرير العدوان الاسرائيلي، كما فعل غيرهم في بعض الدول العربية الموالية لواشنطن، انطلاقاً من القناعة بحتمية انجاز الجيش الاسرائيلي المعتدي اهدافه في سحق المقاومة اللبنانية. من جانب آخر، لم يخل اتفاق مكة من طموح سعودي لاحتضان حماس في المعسكر السني، الذي أوكلت واشنطن مهمة تشكيله لحكام السعودية، ضد ايران الشيعية.
عدا كل هذا، كان من تداعيات فشل الجيش الاسرائيلي في عدوانه الأخير على لبنان سقوط عدد من رؤوس المحافظين الجدد، بالتتابع، وكان في رأسهم وزير الدفاع الأميركي السابق، دونالد رامسفيلد.
***

هل شهد فكر حماس تحولات ايديولوجية؟

اواسط آذار 2007، نشرت صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية، التي تصدر في لندن، نص حديث أجرته مع الدكتور احمد يوسف، المستشار السياسي لإسماعيل هنية، اعادت صحيفة “القدس” نشره يوم 15/3/2007.
وفي هذا الحديث اعلن د.يوسف أن “فكر حماس قد يشهد تحولات ايديولوجية خلال الفترة المقبلة”، وقال: “قراءة المشهد السياسي قد تؤدي لتغيير بعض من فكر الحركة، خاصة أن السياسة قد تأتي بما نطالب به عن طريق المقاومة المسلحة . اذن، لا داعي لزخم العمل المسلح. فلنحاول بالسياسة، فإن لم يتحقق ما نريده فلنعد الى المقاومة مرة أخرى، فكوادرنا موجودة”، وقال :”نقبل إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967، مقابل الافراج عن الأسرى وإقرار حق العودة للاجئين والقبول بهدنة لمدة 10 سنوات قابلة للتجديد”. من جانب آخر، اشار د.يوسف في هذه المقابلة الى “أن حماس حركة لها مرجعية اسلامية قوية ولها دائرة تشاور سياسية واسعة، ولا تقدم على أية خطوة دون دراسة وتشاور على المستويين السياسي والديني”، وأوضح “لا نتحرك في أي اتجاه إلا بعد دراسته مع مرجعياتنا الدينية. ولذلك فإن حماس لن تكون فريسة لأي قوى اقليمية او دولية وسنحافظ على ثوابت قضيتنا”.
وجدير بالذكر أن هذا الحديث جاء وسط شائعات تقول أن حماس ارسلت للإسرائيليين، عبر وسطاء ، مقترحات سياسية، صاغها الدكتور احمد يوسف نفسه، كما جاء هذا الحديث مواكباً، من الناحية الزمنية، لاتفاق مكة.
إن هذه المقتطفات القصيرة من حديث الدكتور احمد يوسف تتضمن عدداً من القضايا الهامة والخطيرة، التي تستحق المناقشة، ولكن دون أن يكون فيها مؤشرات حقيقية على تحولات ايديولوجية أياً كانت، الا اذا كانت المناورات والتلاعب بالألفاظ تعتبر تحولات ايديولوجية . على العكس، تؤكد هذه المقتطفات على الفهم الأصولي لطبيعة الصراع مع اسرائيل وادارته:
أولاً – في هذه التصريحات ، وفي أكثر من موقع، تأكيد على مرجعيات حماس الدينية في كل خطوة تخطوها. وينبغي الافتراض بأن تكون في مقدمة هذه المرجعيات حركة الاخوان المسلمين الدولية، التي تؤكد حماس في ميثاقها الصادر 1988 انتسابها اليها. وهذا يؤكد، بدوره، أن حماس، وكما جاء في ميثاقها السالف الذكر، تتناول الصراع مع اسرائيل من منطلقات دينية وليس من منطلقات قومية. وهذا التناول يحول دون تحقيق الوحدة الوطنية، الشرط الضروري لدحر الاحتلال، ويحرم القضية الفلسطينية العادلة من التضامن الدولي الهام والضروري في حالتنا الفلسطينية. بل يبدو أن هناك حتى في حركة الاخوان المسلمين، من هو اكثر انفتاحاً في تفكيره السياسي من قادة حماس. فقد نشرت صحيفة الشرق الأوسط، الصادرة في لندن، يوم 16 نيسان 2007، أن عضو مكتب الارشاد لجماعة الاخوان المسلمين، عبد المنعم ابو الفتوح صرح، أن الجماعة تؤيد تأسيس دولة علمانية ثنائية القومية في فلسطين، كحل نهائي للصراع العربي – الاسرائيلي. وقد أثار التصريح قيادة حماس، مما اضطر المرشد العام للإخوان محمد عاكف لإصدار بيان يوم 15/4/2007، في القاهرة قال فيه أن موقف الجماعة من القضية الفلسطينية يقوم اساساً على “أن فلسطين اسلامية بما تحتضنه من مقدسات المسلمين”، وذلك على ضوء الأزمة التي نشأت مع حماس، كما يقول خبر الصحيفة المذكورة. أما بيان المرشد العام المذكور اعلاه فينسجم مع ما جاء في ميثاق حماس. فالمادة الحادية عشرة تقول :”تعتقد حركة المقاومة الاسلامية أن ارض فلسطين وقف اسلامي على اجيال المسلمين الى يوم القيامة …”. والسؤال هو: أين هو التحول الايديولوجي؟
وفيما يتعلق بالمرجعيات السياسية التي يشير اليها الدكتور يوسف، فلا بد أن قطر – حيث لقادة حماس مكاتب دائمة – تحتل مكاناً مرموقاً بين هذه المرجعيات ، وتحديداً وزير خارجيتها (الذي اصبح رئيس وزرائها كذلك) الشيخ حمد بن جاسم، الغني عن التعريف. فهو لا يفخر فقط بعلاقاته الحميمة بالولايات المتحدة، بل وسبق له أن نصح العرب بأن يسيروا في ركابها دون مساءلة، باعتبارها قدراً!
وإنطلاقاً من هذه القناعة تستضيف بلاده مقر قيادة القوات البرية الأميركية في الشرق الأوسط، وعدداً من القواعد العسكرية الأميركية . اما علاقاته الحميمة بإسرائيل وحكامها، فلم تعد من الأسرار منذ زمن. وتكفي الاشارة الى انه انطلق لحضور اجتماع وزراء الخارجية العرب، الذي انعقد في بيروت، خلال العدوان الاسرائيلي على لبنان صيف 2006، من مطار تل ابيب!
اما حول مشاورات حماس معه، فتشير صحيفة “الشرق الأوسط”، يوم 21/1/2007 الى مثل هذه المشاورات، عشية لقاء محمود عباس وخالد مشعل في دمشق، بالقول:”.. وقبل وصول عباس الى دمشق، أجرى مشعل اتصالاً هاتفياً بوزير خارجية قطر، الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، أطلعه فيه على آخر تطورات المحادثات بين حركتي التحرر الوطني (فتح) وحماس للتوصل الى حل للأزمة بين الفلسطينيين…”.
وعقب انقلاب حماس في قطاع غزة، كانت قطر الدولة العربية الوحيدة التي دافعت، علناً ، عن الانقلابيين، بما في ذلك في اجتماع وزراء الخارجية العرب، وفي الأمم المتحدة، وغيرها من المحافل. كما تناغمت، وبتوسع، مع هذا الموقف من الانقلابيين فضائية الجزيرة القطرية، التي حملت منذ انطلاقتها عام 1996 لواء التطرف من جهة والتطبيع مع اسرائيل من الجهة الأخرى. وهما وجهان يبدوان متناقضان في الشكل لكنهما يلتقيان في الهدف. وجدير بالاشارة أن عناصر من الاخوان المسلمين تحتل مواقع حساسة في هذه الفضائية.
عدا ذلك، تضامن ايمن الظواهري، نائب بن لادن، مع الانقلابيين، بعد أن هاجمهم بشدة، في آذار 2007 ، بسبب توقيعهم اتفاق مكة مع فتح(1).
وتعبيراً عن العرفان بالجميل لمواقف النظام القطري هذه ، قال اسماعيل هنية في غزة: “أن قطر من الدول العربية التي نعتز بمواقفها والتي عبرت عن أصالة عربية واسلامية، من خلال الوقوف مع الشعب الفلسطيني، خلال شهور الحصار الظالم، الذي فرضته الولايات المتحدة الأميركية والتي تواطأت مع اطراف محلية واقليمية كذلك ..”(2) والحقيقة، أن اعتزاز هنية بقطر