الرئيسية » مقالات » (ما الذي يعنيه أن تكون يساريا في القرن الحادي و العشرين)

(ما الذي يعنيه أن تكون يساريا في القرن الحادي و العشرين)

برنامج الديمقراطية الآن ! , 19 مارس آذار 2007

ز نت

آمي غودمان : انتهى منتدى اليسار لعام 2007 في مدينة نيو يورك الأحد الماضي . كل ربيع يدعو المنتدى إلى أكبر لقاء هنا في هذا البلد لليسار العالمي . مع نهاية المائة اجتماع و ال 300 حدث ثقافي أساسي فإن منتدى اليسار قد جمع المنظمين و المثقفين من كل مكان في الكوكب .
أحد الذين تحدثوا في اللقاء كان البروفيسور و الناقد الثقافي و المنادي بالعدالة الاجتماعية كورنيل ويست . لقد وصف بأنه واحد من أكثر مفكري أمريكا الشعبيين حيوية و بلاغة . بروفيسور الدين و الدراسات الأمريكية الأفريقية في جامعة برينستون , البروفيسور ويست ناقد للثقافة و يعمل الآن محللا لفن و لفلسفة ما بعد الحداثة , و قد كتب أو شارك في العديد من الكتب عن الفلسفة و الأعراق و علم الاجتماع .
كتابه الأخير كان : مسائل الديمقراطية : كسب الحرب ضد الإمبريالية . و قد تحدث أمام أحد الاجتماعات في منتدى اليسار . بدأ كورنيل ويست بالحديث عن حالة اليسار السياسي في عام 2007 .

كورنيل ويست : ما الذي يعنيه فعلا أن تكون يساريا في بدايات القرن ال 21 ؟
ما الذي نتحدث عنه بالفعل ؟ و سأكون شفافا للغاية في حديثي معكم . إنه يعني أن تمتلك نوعا ما من حساسية بالغة , أن تقوم بخيارات خاصة سياسية و أخلاقية , و أن تمارس تركيزا تحليليا خاصا يركز على الكارثي , الوحشي و المشين و المؤذي , الذي يختبئ و يختفي غالبا في الخطابات الكريهة و المدمرة للسائد . هذا ما يعنيه أن تكون يساريا .
دعونا نكون واضحين فيما يتعلق بالموضوع .
أي إذا كنا مهتمين بالعنف البنيوي ( الذي يتعلق بالبنية الاجتماعية ) , إذا كنت مهتما بالاستغلال في مكان العمل , إذا كنت مهتما بازدراء المثليين جنسيا , و إذا كنت تكترث للكراهية المنظمة ضد أصحاب البشرة الملونة , إذا كنت تكترث لوضع المرأة في مرتبة أدنى , إن هذا ليس لغوا فارغا على كومبيوترك الشخصي , إنها دعوة إلى أنك ترغب في النضال ضد و محاولة فهم مصادر هذا الشقاء الاجتماعي على مستوى البنية الاجتماعية و مستوى المؤسسات و على المستويين الوجودي و الفردي . هذا ما يعنيه , جزئيا , أن تكون يساريا .
لذلك فإننا قد اخترنا أن نكون نوعا خاصا من البشر . و لذلك هي دعوة و ليست مهنة .
إنها رسالة و ليست حرفة . لذلك فإنك ترى هؤلاء المحاربين يأتون إلى هنا سنة بعد أخرى , لأنهم مقتنعون بأنهم لا يريدون أن يعيشوا في عالم و لا يرغبون بأن يكونوا بشرا حسب طريقة لا يستخدمون فيها مصادرهم الفكرية و السياسية و الاجتماعية و الثقافية بطريقة ما ليتركوا هذا العالم و لو أفضل بأية درجة مما كان عليه عندما دخلوا إليه .
هذا جزئيا ما الذي يعنيه أن تكون يساريا .
الآن ما الذي يعنيه هذا بالنسبة إلي ؟ ما يعنيه لي في الولايات المتحدة – و سأعود الآن إلى قبل 400 سنة إلى جيمس تاون . جميعكم يعلم أنه تمر هذه الأيام الذكرى السنوية ال 400 لأول مستوطنة بريطانية تمكنت من البقاء في العالم الجديد . كان هناك رونوك قبلها لكنها لم تتمكن من الاستمرار . جيمس تاون أخيرا , صحيح ؟ و ماذا هناك في جيمس تاون ؟ نادي فرجينيا اللندني , امتداد للإمبراطورية البريطانية , تشق طريقها مع الزوارق الثلاثة التي لا حاجة لنا بها أن نذكر أسماءها هنا . و ماذا فعل هؤلاء المستوطنين ؟ لقد تفاعلوا مع إمبراطورية أخرى , إمبراطورية البوهاتان , التي كانت توجد على هذه الأرض مؤلفة من السكان الأصليين . ما حصل بالفعل هو تصادم الإمبراطوريتين . إنه عصر الإمبراطورية .
لكن لماذا هم هنا ؟ للبحث عن الذهب و الفضة , و بشكل ثانوي لتحضير ( جعلهم متحضرين – المترجم ) سكان البلاد الأصليين .
أي أننا حصلنا على أمريكا كشركة قبل أن تكون بلدا . إن جشع الشركة يوجد بالفعل في المركز فيما يتعلق بالشيء الذي يدفع هذه البلد . و جشع الشركات , كما فهمه ماركس , رأس المال كعلاقة اجتماعية , علاقة غير متكافئة للقوة بين السادة و العمال , بحيث أن أولئك الذين في القمة قادرين على أن يعيشوا حياة البذخ و أولئك الذين يعملون سيكونون ضروريين لكن أيضا أن يجري استغلالهم لكي ينتجوا الثروة .
بعد ذلك هناك الدين , “لتحضير” سكان البلاد الأصليين . هنا لا يمكنك أن تتكلم عن الخبرة الأمريكية في هذا المجال – و أعتقد أن هذا صحيح بعدة وجوه عن خبرة العالم الجديد أيضا – دون أن نتحدث عن الدور المهيمن للدين كإيديولوجيا . كما أننا نعرف واحدة من الأسباب التي تفسر لماذا هذه الأعداد الكبيرة من مواطنينا اليوم في الولايات المتحدة , لماذا هم ليسوا يساريين , و ذلك تحديدا لأنهم لم يستيقظوا من مشيهم أثناء النوم . أنهم لم يقتنعوا بعد أن عليهم أن يختاروا أن يعيشوا حياتهم بالطريقة التي اخترناها , جزئيا لأننا قد وصمنا بعلامة معادي للدين أننا علمانيون عديمو الخبرة أو أن هذا ما نملكه .
و هؤلاء هم 98 % من مواطنينا . لذا لا يهم عن أية منظمة سياسية يتحدث الأخ ستانلي فإنه سيكون غرامشيا ( نسبة للشيوعي الإيطالي غرامشي , المترجم ) فيما يتعلق بها . إن عليه أن ينخرط في الثقافة الشعبية اليومية للناس و 98 % منهم يتحدث عن الله . إنهم ال 97,5 % من مواطنينا الأمريكان الذين يؤمنون بالله .
75 % يؤمنون أن يسوع هو ابن الله . 62% يؤمنون أنهم يتحدثون بعبارات حميمة مع الله مرتين على الأقل في اليوم . هذا هو من نتعامل معهم فيما يتعلق بمواطنينا الأمريكيين . يمكنك أن تتحدث عن منظمة لن تستمر مع مرور الوقت , إن لم تكن تتحدث باستخدام مصطلحات غرامشية ( نسبة للشيوعي الإيطالي غرامشي , المترجم ) عن كيفية استخدام الرأي و الرؤية و التحليل اليساريين , في ضوء تراث الإيديولوجيات المسيطرة – المسيحية , الإسلام , اليهودية , البوذية , و غيرها .
لكن بعدها , ماذا الذي حدث أيضا ؟ 1619 أصبح لدينا عبيدا بيض و عبيدا سود . أصبح لدينا أول جمعية تمثيلية تشكلت وفقا لنموذج الشركة , لكنها كانت أيضا محاولة لاختيار أول جمعية تمثيلية عبر انتخابات ديمقراطية . اجتمعت يوم 30 يوليو تموز 1619 . لقد ألغيت في 4 أغسطس آب لأنها أصبحت حامية أكثر من اللازم . بعد ذلك بثلاثين يوما وصلت أولى المراكب و هي تحمل أول الأفارقة . في ذلك الوقت لم تكن العبودية قد جرى ربطها بالعرق أو باللون بعد . كان يمكن أن يكون لديك عبيدا بيض اللون أو سود اللون .
لكن بالنسبة للعبيد ذوي البشرة البيضاء , انظر إلى سجل عام 1621 , كان لديهم أسماء مثل جيمس ستيوارت و تشارلز ماكغريغور . لكن عليك أن تنظر إلى الجانب الأيمن حيث سترى زنجي , زنجي , زنجي , زنجي . إذا حتى قبل أن تصبح العبودية بنية مستمرة و قابلة للتوريث لتحقيق السيطرة و التي ستستغل عمل الأفارقة و ستخفض قيمة ما يكونون هم أنفسهم و ترى في أجسادهم مجرد شيء قذر , كانت هناك فعليا مشكلة عدم وجود اسم للسود . التفوق الأبيض كان قد وجد فعلا كإيديولوجيا أخرى للهيمنة لتضمن أن هؤلاء الشغيلة لن يتحدوا معا .
و سيصاب جشع الشركة بالسعار وسط هذا الانقسام العميق جدا , الذي لم يكن مجرد انقسام سياسي . إنه عملية خلق لعوالم مختلفة , بحيث أن الفصل الأبيض المتفوق الواقعي سيكون جزءا من تشكيل الإمبراطورية الأمريكية و سيخلق عوالم مختلفة جدا و سيشكل تحديا رئيسيا لما يعنيه أن تكون يساريا في أمريكا بين 1776 و حتى 1963 عندما تمت الإطاحة بالأبارتيد الأمريكي التي تمت في أعوام الستينيات . و بعد فإننا نتصارع اليوم مع التراث , مع انتصار حركة حرية السود و حرية كل البيض و السود – أعني الرفاق البيض و الملونين و الآسيويين الذين كانوا جزءا من حركة حرية السود التي قصمت ظهر الأبارتيد الأمريكي في أعوام الستينيات .
ما الذي أقوله ؟ الذي أقوله هو أنه على الأقل بالنسبة لي أن تكون يساريا في هذه الأيام , بالطريقة التي بواسطتها – و أنا آخذ بكل الجدية حرص أنطونيو غرامشي على النوعية التاريخية للدعم الناشئ و التطور و التعريف التالي للإمبراطورية الأمريكية . و عندما تنظر عن قرب إلى هذه الإمبراطورية فإنها تبدو لي كما يمكن أن نتفق عليه عن الدور الرئيسي لجشع الشركة و الإيديولوجيات الدينية و التفوق الأبيض , و الدور الأساسي للثقافة الرائجة و للشباب , و أن تسلم بأنه عندما تتحدث عن التفوق الأبيض فإنك تتحدث بالفعل و بطريقة أو أخرى عن معاملة النساء ذوات البشرة السوداء . و إذا كنت تكترث لطريقة معاملة النسوة السود فإن عليك أن تهتم أيضا لطريقة معاملة النساء جميعا . هنا تحضر الإيديولوجيات الشريرة , الأبوية . و نفس الشيء سيكون صحيحا فيما يتعلق بجيمس بالدوين و أودري لوردز , المثليين جنسيا .
الآن إلى أين يقودنا هذا ؟ حسنا , بالنسبة لي – و جميعكم تعرفون عن حركة آداب المجتمع لتافيس سمايلي , الكتاب الذي أصدر السنة الماضية , و الذي اعتبر الكتاب رقم واحد من قبل النيويورك تايمز . لقد باع 400000 نسخة خلال 9 شهور دون أن تعقب عليه النيويورك تايمز أو أن يعقب عليه عرض اليوم التلفزيوني . حتى أوبرا لا يمكنها أن تنفخ فيه روحا أكثر . و هي تستطيع أن تنفخ الروح في بعض الكتب لتبيع نصف مليون نسخة هذه الأيام كما تعرفون ؟ يمكن سؤال سيدني بويتر و الأخ إيلي ويزلي عن هذا . لكن هذا الكتاب مر من دون ضجة .
لماذا ؟ لأن تافيس سمايلي يعرف أنه في الثقافة الأمريكية التي هي ثقافة سلعية تماما يقودها جشع الشركات , تجارية تماما , و تقوم على التسويق , الذي يقوده جشع الشركات , فإن عليه أن يكون قادرا على التواصل بطريقة تمكنه من هز الناس و هم يمشون أثناء نومهم , الشيء الذي فعله كل سنة من على سي سبان , و يستخدم موقعه لكي يثير قضايا الحق في الرعاية الصحية و تشكيل البوليس الذي يقوم على المجتمع المحلي بحيث يمكن التعامل مع و الحد من شيء من وحشية البوليس خاصة في مجتمعات السود و الملونين ذات الطبيعة البروليتارية و شبه البروليتارية و ما إلى ذلك .
انظر إلى صحيفة النيويورك تايمز التي صدرت يوم الأحد الماضي : المجلد الثاني كان رقم سبعة . باع 150000 نسخة خلال 3 أسابيع . 3 أسابيع . لقد عدنا للتو من زيارة ل 21 مدينة . و قد قمنا برحلة إلى 22 مدينة في السنة الماضية . وجدنا هذا الكتاب دون أن يتعرض له أحد بالتعليق و الاتجاه السائد في التلفيزيونات لم يذكره حتى .
ما الذي يجري ؟ هل بدأ العصر الجليدي بالذوبان ؟ هل أن السنوات ال 35 التي تحدث عنها الأخ ستانلي , العصر الجليدي , الفترة التاريخية التي كان فيها عدم التأثر لمعاناة الآخرين شيئا من الموضة – عدم الاكتراث هو خصلة تدفع أي ملاك إلى البكاء , و تجعل صاحبها مثل الخرقة في مواجهة الكارثة . و من الصحيح أن الوضع في نيو أورليانز كان كارثيا حتى قبل إعصار كاترينا , كان الوضع كارثيا في نيو أورليانز حتى بدون كاترينا .
يمكن أن نرى في بروكلين , هارلم , الجانب الجنوبي من شيكاغو , باريوس في شرق لوس أنجلوس , الأخوة و الأخوات البيض في كنتاكي , أبالاتشيا , يقاومون أوضاعا كارثية , كارثية .
ماذا يعني هذا ؟ يعني أننا قد نكون في لحظة حيث ستوجد عدة إستراتيجيات في نفس الوقت . من الواضح أن الحزب الديمقراطي يبقى من دون دليل و من دون رؤية و رخوا في قسمه الأكبر . هل يعني هذا أن نسلم لهم ؟ كلا , هذا لا يعني أن نسلم لهم , لكن علينا أن نكون صريحين معهم . لكن قد تسمح لشخص ما بطريقة ما أن يقول – و هذا ما أعتقد أن الأخ ريك وولف يتحدث عنه فيما يتعلق بوضع حد لإجماع اليمين , الطرق التي لا تصدق التي يمسك بها اليوم مواطنونا من اليمين بحلوق بعضهم البعض . إن اليمين البروتستانتي لا يمكنه أن يحتمل المسوقين الأحرار , و لا واضعي الميزانيات المتوازنة .
هذا جيد . لندعهم يقاتلون . لندعهم يقاتلون . يقاتلون بعضهم بعضا . فسيصيبهم الضعف بهذه الطريقة .
لكن أي نوع من البدائل نملكه نحن ؟ أنا لا أملك جوابا على هذا السؤال . لا أعتقد أن اليسار يملك ما يكفي من الموارد , ما يكفي من البشر , ليشكل منظمة سياسية قوية , يا ستانلي . يمكن أن نختلف حول ذلك . لقد أنهينا ساعتين من تناول الشراب , لذا فإننا قد تبادلنا بعض النقاش . أعتقد أنه بأن نطرح القضايا فإن هذا يفرض علينا أن نصل إلى حقيقة ما نحن عليه فعلا .
هذا ما أحبه . إن هذا سقراطي . إن هذا محفز .
الآن ماذا سنفعل بكل هذا ؟ أنا لا أعرف حقا . و السبب لماذا أقول هذا لأنه تاريخيا كانت معظم الحركات اليسارية تميل إلى أن تستجيب عمليا للنشاط الإصلاحي بحيث أن النضال ضد التفوق الأبيض كان هو الحافز الرئيسي . و هكذا عندما أفكر في كل العمل الذي أقوم به هذه الأثناء , خاصة في أمريكا السوداء , لكن طبعا الذي يعتمد في كل الأوقات على تحالف راهن مؤقت , أن الهوية اليسارية لن تصبح الوسيلة الرئيسية التي سنستطيع بواسطتها إيقاظ الناس و أن يتفاهموا حول بؤسهم الاجتماعي , أن يكونوا مستعدين لينهضوا بجرأة , يشكلوا رؤية , و أكثر أهمية أن يكون لديك مجموعة من البشر المستعدين لأن يعيشوا و يموتوا في سبيل قضية , كما ترى , لأنه لديهم قصص و أخبار أخرى يستخدمونها لتقوم بذلك .
لذلك فإنني سأقول أن مارتين كينغ و فاني لو هامر كانا أكثر أهمية من حزب الفهود السود . لقد كانوا يبنون فعلا على ما بناه مارتين و الآخرون , بقدر ما أحب هيوي و بوبي سيل ( مؤسسو و قادة حزب الفهود السود – المترجم ) . لقد دفعوا الأمور أبعد . لكن الباب كان قد فتح من قبل تلك الفعاليات الإصلاحية . و ما أود رؤيته هو أن تصبح الإصلاحية الراديكالية مرة أخرى رائجة بين الشباب , و عندها تتيح لليسار أن يأتي و يفعل فعله . هذا ما أتطلع إليه .

حديث كورنيل ويست أمام منتدى اليسار 2007 في مدينة نيويورك .

ترجمة : مازن كم الماز