الرئيسية » مقالات » تطييف الحياة السياسية

تطييف الحياة السياسية

من المؤكد أن صعود الخطابات الطائفية هو ظاهرة فيها الذاتي و فيها الموضوعي , و من المؤكد أن هذا الصعود الذي يأخذ صفة عودة دورية يمثل أكثر من أي شيء آخر أزمة دائمة لم يجر حلها بالفعل حتى الآن و التي لا يلوح أي حل عادل لها في الأفق السياسي و الفكري السائد أبعد من حروب “تصحيحية” تطهيرية الطابع..و من المؤكد أن الأساس الفعلي لهذا التطييف هو وجود اضطهاد طائفي عرقي مذهبي يمارس من قبل النظام السياسي السائد , كانت أنظمة ما بعد الاستقلال الأولى تمارس تطييفها الخاص خلافا للشائع عنها أنها كانت أنظمة فوق طائفية , كان تطييفها الخاص نتاجا لكونها مثلت ائتلافا غير مستقر من النخب الإقطاعية و الاجتماعية السائدة تشكلت هيمنتها الاجتماعية في عصر الدولة العثمانية و ضمن إطار تطييفها التقليدي الأولي إن شئتم , هناك ظاهرة تتمثل في عدم قدرة الطوائف الأكبر على وعي أنها تمارس اضطهادا ضد الطوائف الأصغر “الهرطقية” , ربما لأن اضطهاد النخب الاجتماعية المهيمنة فيها للطوائف الأخرى الأصغر يعتبر نتيجة طبيعية لوضعيتها كطائفة مهيمنة..الأنظمة التي حلت مكان أنظمة الاستقلال الأولى رغم ادعاءاتها بعلمنة ممارسة السلطة أو أنها كسلطة قومية تقف فوق الطوائف , مارست تطييفا مضادا , معتمدة في حالة سوريا مثلا على ردة فعل الطوائف التي عانت من تهميش و اضطهاد لفترات طويلة جدا تكاد تبلغ كل فترة وجودها , خالقة بذلك تطييفا مضادا لدى الطائفة الأكبر , جرى هذا أيضا في العراق و إيران بأشكال مختلفة في التفاصيل فقط..كانت معادلات التطييف – معادلات التهميش و الاضطهاد الطائفي – تتغير باستمرار لحساب معادلات مختلفة مقلوبة غالبا لكن تقوم أبدا و دوما على تهميش طوائف أو مجموعات قومية أو أثنية معينة , و كانت تستخدم من جديد من قبل قوى اجتماعية و سياسية , داخلية و خارجية , لتحقيق مصالحها , كانت درجة معينة من التوتر متوفرة دوما لأية قوة تريد أو تهتم بتغيير الواقع السياسي الاجتماعي المسيطر القائم..هناك إذا جانب موضوعي في هذا الصعود الأخير للخطابات الطائفية , يتمثل في هذا التوتر الدائم الذي كان يبقى كامنا تحت الرماد حتى تساعد عوامل و قوى مختلفة في التعبير عنه و استخدامه لتحقيق أغراضها..هنا يمكن أن ننتقل إلى العوامل الذاتية في الصعود الأخير , التي تتمثل في قوى , داخلية و خارجية , تجد في هذا التطييف للسياسة و العلاقات داخل المجتمعات العربية مدخلا لتكريس هيمنتها أو لتحقيق هذه الهيمنة..يمكن اكتشاف هذا من مجرد استعراض القوى التي تدعم هذا التطييف : أنظمة مستبدة ذات عناوين إيديولوجية مختلفة , المشروع الأمريكي لإعادة هيكلة الشرق , قوى داخلية مرتبطة أساسا بالمؤسسات الدينية الطائفية المختلفة أو متحالفة معها..لكن تطييف السياسة في مجتمعاتنا اليوم ليس إلا وصفة لبلقنة الشرق , ذلك أيضا ليس فقط نتيجة لهذا التصعيد الطائفي الذي تعتبر الحروب الطائفية , حروب التطهير الطائفي و العرقي , نتيجة منطقية بل و ضرورية له , بل إن هذه البلقنة هي هدف تصرح به مباشرة الكثير من تلك القوى التي ذكرناها..كان التطييف السياسي و التقسيم بين الطوائف و الأثنيات و المجموعات القومية حتى حد اندلاع حروب تطهير قومي أو طائفي أساس المقاربة التحليلية التفكيكية التي قامت بها أمريكا في وسط أوروبا كبديل عن تبني ديكتاتوريات شرقية الطابع في آسيا السوفييتية سابقا لخدمة مصالحها الإقليمية و الكونية..روج الأمريكان , و استخدموا , المفهوم اللينيني البراغماتي عن وجود قوميات تقدمية و أخرى رجعية , كوسوفو في مقابل فلسطين , أكراد العراق في مقابل أكراد تركيا , التيبيت مقابل تيمور الشرقية..لقد غيروا معادلات الاضطهاد القومية و الطائفية بمعادلات أخرى تناسبهم , تعمدت بدماء الناس العاديين من كل الجهات , من كل الأعراق و الطوائف و القوميات , باسم الكراهية و العداء للآخر..لقد تركوا الدماء تسيل و تدخلوا فقط عندما كانت الكراهية و الدماء كافية لتجعلهم يظهروا بمظهر القوة المتحضرة المحايدة التي تفرض هيمنتها على الجميع المتخلف الهمجي و الملوث بالدماء كحل وحيد لوقف دوامة الموت العبثي , لسنا نحن الهمجيين , إنهم رجال الدين و “المثقفون” و السياسيون و المنظرون من كل المشارب الذين يعيشون على قتل الآخر و على خوف الناس و كراهيتهم لبعضهم البعض كوسيلة وحيدة منفردة لهيمنتهم و لتحقيق مصالحهم الأنانية , هم الهمجيون المتوحشون بل و مصاصي دماء من طراز متحضر!..ما هي النتيجة بالنسبة لنا كبشر عاديين , عدا عن خطر اندلاع حروب أهلية تحصد الكثيرين ؟ إنها ستخلق كيانات سياسية حاكمة تقوم على محاصصات بين النخب الطائفية و المؤسسات الدينية المرتبطة بها وفقا لمعادلات جديدة من الاضطهاد الطائفي القومي , كيانات ستجمع متناقضين : أن مهمتها السياسية الأولى هي محاربة الإسلام الجهادي كعنوان وحيد للعلمانية اليوم , و أن بنيتها و خطابها طائفيان بامتياز..يستخدم نظام بشار الأسد و نظام أحمدي نجاد الخطابات الطائفية المضادة في محاولة “رص” صفوف الطوائف المقصودة أو غالبية المجتمعين السوري و الإيراني , إعلام النظام السوري و بعض أزلامه يحاول تصوير تطييفه الخاص على أنه عائق ضروري في وجه صعود حالة موالية للمشروع الأمريكي ( الأمر الذي يحاولون تسميته زورا بالوطنية ) أو على أنه ضروري لحماية طوائف الأقليات في سوريا أو إيران الشيعية من تطييف مضاد , إن ما ندعو إليه ليس هذا التطييف أو ذاك , ليس الخنوع لهذا النظام أو ذاك , لمشروع هيمنة هذه القوة الإقليمية أو تلك , هذه القوة العالمية أو تلك , تقوم كل هذه الأنظمة و القوى على قمع أو اضطهاد هذه الطائفة أو القومية أو تلك لصالح هيمنتها على كامل المجتمع بكل طوائفه سواء الخاضعة للاضطهاد أو تلك التي تستسلم للاستبداد مقتنعة أنها بذلك تدافع عن تطييف يناسبها و يمنحها الأفضلية على سواها , إننا نتحدث عن عالم مختلف لا وجود فيه للكراهية و لا للموت و لا للاضطهاد القومي أو الطائفي..إننا ندين أي تطييف و نعتبر أي اضطهاد يقع على أية طائفة أو عرق أو قومية جريمة ضد كل البشر بكل بساطة..المؤلم أن النخبة المثقفة تنخرط بحماسة في التطييف و التطييف المضاد , الوطنية بالنسبة لبعضها هو اضطهاد المجتمع أو بعض الطوائف أو القوميات من قبل ديكتاتوريات فردية فاسدة ذات تاريخ دموي و احتقار استثنائي لإنسانها و لشعبها أولا , أما التغيير بالنسبة لبعضها الآخر فهو تماهي كامل مع أمريكا و أنظمة الخليج المتعفنة حتى النخاع , تغيير يجب أن يأتي بتبني كامل لمعايير و علاقات حياتية استهلاكية شكلانية تكرس سيطرة رأس المال على كل تفاصيل حياتنا و أولها خنق أرواحنا لصالح حافز واحد وحيد هو الربح على أنها الوصفة الوحيدة لحياة متحضرة , تغيير يؤسس لقيام ديكتاتوريات “علمانية” مهمتها الأولى القضاء على الإسلام السياسي و الجهادي , استئصالية ضد الآخر و قمعية تجاه المجتمع بحجة حماية “الديمقراطية” , تغيير ينحصر في تبرير كل معارك أمريكا و التهليل لها بنشاط و حماسة , أمريكا المحافظين الجدد المرتبطين بشكل صميمي باليمين المسيحي و كراهية الملونين و المثليين جنسيا و أية مجموعة مختلفة خارج نمط الأخلاق السائد , حليف إسرائيل أول دولة أصولية تقوم على معاداة الآخر حتى درجة إبادته الكاملة..إننا نتحدث عن عالم مختلف , لا مكان فيه لأي اضطهاد ضد أي كان , يقوم على حرية الجميع , و على المساواة الكاملة بينهم , على حق كل فرد في التعبير عن نفسه و عن تقاليده القومية و الطائفية بحرية أو عن أفكاره دون أية قيود أو تمييز , إننا ندعو الناس للوقوف ضد أية حروب تطهير طائفية أو قومية قادمة , من أجل العدالة و الحرية لهم للجميع……..