الرئيسية » مقالات » ملا مصطفى البارزاني ودوره في التاريخ المعاصر للشعب الكردي

ملا مصطفى البارزاني ودوره في التاريخ المعاصر للشعب الكردي

تمر هذه الأيام ذكرى وفاة القائد الكردي المرحوم ملا مصطفى البارزاني . وقبل حوالي سنتين باشرت بإعداد دراسة عن هذه الشخصية ، ولأول وهلة كانت حساباتي ان الأشتغالات في هذه الدراسة سوف لا تتعدى بضعة أشهر وسوف لا تزيد عن بضعة ملازم ، لكن حين توغلي وإسهابي في بحث الجوانب المتعددة لهذه الشخصية ، الفيت نفسي أمام جبل من المعلومات ، ويبدو ما كان ماثلاً للعيان لم يشكل سوى قمة جبل ثلجي عائم حيث تكمن معظم اسراره في اعماق اليم . ولكي تكون الدراسة وافية لا بد من ركوب اهوال هذا البحر لبلوغ دقائق الأمور .
إن شئنا سبر اغوار المفكر القومي الكردي ، الذي يتجاوب مع الراهن ، فيحاول اقناعنا ان مراميه تنحصر في منح شعبه حقوقه اللغوية والأقتصادية والسياسية ضمن الدول التي تتقاسمه ، فلا اعتقد ان هذا المفكر يتسم بكل المصداقية وهو غير صادق مع ذاته أيضاً ، فإن أي قومي كردي في قرارة نفسه يتطلع الى التحرر القومي التام غير الناقص ، ولكن القيود تكبله فتمنعه التفكير بصوت عال . وعلمته تجربته المريرة والطويلة بالحياة ان مقتصداً في مطاليبه ويحوّرها مع ما تسمح به الظروف الموضوعية فيقتنع بالممكن ، وربما اقل من ذلك .
فيوماً تقتصر على مطاليب اقتصادية بحتة ، وفي مرحلة اخرى كانت تطرح الحقوق اللغوية والتمثيل في راس الهرم الحكومي وفي مناسبات أخرى كان يطرح الحكم الذاتي ، وهذا بالضبط ما كان يفكر به ويعمل بموجبه ملا مصطفى البارزاني خلال رحلته في مسيرة الحياة الطويلة ، وهو يمسك دفة القيادة عبر اليم العميق فيوما كان هذا البحر هادئاً وسطحه صقيلاً كالمرآة فتندفع سفينته بهدوء وانسجام ، وأيام أخرى كثيرة كانت العواصف والرياح العاتية تعصف بتلك السفينة فتتقاذفها الأمواج وتصبح قضيته مصيرها كمصير الريش في مهب الريح ، لكن تبقى القيادة الحكيمة هي التي تضبط الدفة مع البوصلة التي تتجه ابداً نحو الهدف الرئيسي في قضية شعبه .
إذا أردنا ان نتعرف على شخصية ملا مصطفى البارزاني الذي تقلبت به الأزمنة ، فانتقل بين السجون وقسوة المنافي والعواصم وقصور الرئاسة وبين الوديان والشعاب العاصية والكهوف المظلمة بين استقبال الحكومات وبين مطارداتها ، بين الأشادة بمواقفه الوطنية وبين احكام الأعدام ، كل هذه التقلبات كانت تمنح هذا الرجل تجربة حياتية ثرية ، ولا يمكن لمثل هذه الشخصية ان تركن الى غياهب النسيان في ذاكرة الشعب الكردي وذاكرة الشعب العراقي عموماً .
لقد كتب الأستاذ مسعود البارزاني كتابه الموسوم : البارزاني والحركة التحررية الكردية وسنتطرق الى هذا الكتاب في قادم الأيام ونقرأ فيه عن مواقف حاسمة كان يتخذها ملا مصطفى البارزاني والموقف الأول يوم اعتزم على القيام بالمسيرة التاريخية الى الأتحاد السوفياتي عام 1947 حيث خطب برجاله قائلاً :
أيها الأخوة ، انني سائر الى مصير مجهول لا أدري هل اموت من الجوع او من البرد او برصاصة الأعداء ، فالموت هو اقرب احتمال بالنظر الى وضعنا ، هذا إلا ان الله أقوى وأكبر من كل الأعداء وبالتوكل عليه اخترت التحدي ، فليبق معي كل من يرى في نفسه القدرة على تحمل الصعاب وتحمل هذا المصير ، ومن لا يرى في نفسه القدرة على التحمل فبإمكانه العودة وتسليم نفسه وأقول له هذا وأنا شاكر وممتن له .
ولم يخرج من الصفوف أحداً وربطوا مصيرهم مع مصيره .
وفي مناسبة اخرى في قرية سيدان شمال بارزان كان له موقفاً حاسماً مشابها وكان ذلك في ايلول 1961 حينما انطلقت الثورة الكردية يقول لرجاله :
أيها الأخوان انا شخصياً لا اعلم ماذا يخبئ لي المستقبل . على إني سأواصل المقاومة بأقصى ما أمكنني ولن أبارح كردستان … ها إني أخترت الموت ومن يختار الموت فليبق معي . وسأسير قدماً وليس معي غير ما احمله من سلاح وعتاد ودراهم قليلة وهذا كل ما أملك . أولئك الذين يتحدون الخوف والجوع والبرد فليبقوا .. وأما اولئك الذي لا طاقة لهم بالتحمل فليذهبوا الى حال سبيلهم وعند الله ثوابهم لفرط ما تحملوا وتعبوا ويختم كلامه بقوله : نحن امة مظلومة وجب علينا الدفاع عن حقوقنا وكرامتنا وسيكون من دواعي فخرنا وشرفنا ان نضحي بأرواحنا فداءً لحرية شعبنا .
ومن طريف ما نقل عن هذا الأجتماع ان البارزاني التفت الى حسين جرجيس بندوريي وهو من رفاقه الذين صحبوه الى الأتحاد السوفياتي وكان قد اناف على السبعين قائلاً :
أيه حسين ! لقد تقدمت بك السنين فاذهب لبيتك واسترح ولينب عنك اولادك .
أجابه حسين :
ملا مصطفى ! إني مع هؤلاء ولن اتحرك من موضعي ولن اعود الى بيتي ، اما إذا رغبت انت ان تعود الى منزلك فاذهب رافقتك السلامة .
لقد طرحت ثورة ايلول شعار الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان وبعد ان التف صدام على مفهوم الحكم الذاتي كان الشعار أخيراً : الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي الحقيقي لكردستان .
وفي ختام هذا المقال لا بد من الأشارة الى الفكر الذي آمن به البارزاني ، وهو ان الحركة التحررية الكردية لا تتعارض مطلقاً ومسيرة تحرير الشعوب العربية ورفض رفضاً قاطعاً خطاب التعصب القومي العربي وفي الوقت ذاته استنكر الدعوات الى الأنعزال القومي الكردي ، وبقي ثابتاً على موقفه الى آخر لحظة من حياته ، وهو ان نضال الأكراد في العراق إنما يستهدف النظم والقوى الأستبدادية والرجعية واللاديمقراطية . ويسعى الى إقامة حكم ديمقراطي يمثل الأرادة الشعبية عن طريق انتخابات ديمقراطية وهو المطمح الأخير للعرب والأكراد وكل الأقليات القومية والدينية .
سيبقى ملا مصطفى البارزاني شامخاً في ذاكرة الشعب الكردي وكل الشعوب التواقة الى الحرية والاستقلال . وسيبقى تاثيره خالداً في تاريخ الشعب الكردي المعاصر .
حبيب تومي / اوسلو