الرئيسية » مقالات » أنصاف المثقفين : مدرسة مشاغبين

أنصاف المثقفين : مدرسة مشاغبين

” اني أتهم …. اني اتهمهم ” .
صرخة اميل زولا


هل ابتعد المثقف عن الواقع ؟

من اسوأ ما يمكن تخيله ان يغدو المثقف اداة ترويج او صوت تهريج لسلطة ما ، او لواقع ما ، او لتيار سياسي او ديني او طائفي ما .. ان من اسوأ ما يمكن تصوره ان تجد شعراء وادباء ورجال علم ومعرفة واعلام ينساقون كي يكونوا من المصفقين لأي نمط سياسي او زعيم او سلطة او حزب او طائفة .. صحيح بأن ليس هناك اي مثقف على وجه الارض ان لم يكن له خط فكري معين يؤمن به ويلتزم بخطوطه ، انه امر واضج ، ولكن ان يغدو المثقف رقما معينا ، او مهرجا متقدما ، او اداة طيعة لتنفيذ اي اجندة وسياسة .. فانه امر مريب .. وهذا من الاخطاء التي لا يدركها اغلب المثقفين في منطقتنا . ان الالتزام بأي توجه فكري او فلسفي لا يعني التشبث بأي ايديولوجية سياسية ، ومعروفة لنا جميعا تلك التوجهات الفكرية التي تحكم واقعنا في حياتنا المعاصرة منذ خمسين سنة سواء من القوميين او الماركسيين او الليبراليين او الاسلاميين ..

ان اي اساس فكري لا يمكن معارضته ، ولكن ان يغدو المثقف يتشبث بعجلة حزب او اقانيم طائفة او ذيول زعامة او شعارات ملّة ، فهذا داء خطير . ربما يشارك المثقف في التوقيع على بيان معين لقضية مصيرية ، او يمشي في تظاهرة معارضة لشأن دولي او وطني ، او يعلن عن موقف مناوئ لمسائل مبدئية كالذي فعله جان بول سارتر او جان جينيه او ميشال فوكو او مؤخرا وليم سيلف .. فليس من المعقول ان ينفصل المثقف عن واقعه ابدا وهو يرى هذا الواقع كم اصابه التهرؤ ، وما توالت عليه الفجائع وكم اخترقته التمزقات ولم تزل .

الصمت خيانة : الموقف شجاعة

لقد كان المثقف ناشطا حيويا ومدافعا شرسا ضد كل التجاوزات السلطوية سياسية كانت ام اجتماعية .. كان ضد القمع والتعذيب، وكان مع حقوق الانسان وضد تشريد البشر، وكان ضد مقاطعة شعب بجريرة حاكمه، وصحيح انه كان يراوغ مع السلطة ويناور والبعض قد يرتزق من هذا او من ذاك .. بل وكان يسكت على ما يقترفه بعض الزعماء ، ولكن للاسف لم نسمع اصوات هؤلاء المثقفين، ككتلة مؤثرة، من قبل، وكأنهم لم يتعلموا درس صمتهم في عهد ستالين. ان الوحش يكبر بالضرورة، وبعد ان يلتهم قطيعه لا بد ان يفكر في قطيع الاخرين، وعندها يكون الوقت قد فات.

واذا كان السياسيون لا يدركون ذلك، وهم قلما يدركون لقصر نظر مفهوم تفرضه المهنة، فإن «غفلة» المثقفين ليس مبرّرة على الإطلاق بحكم طبيعة دورهم، وهو دور اخلاقي وتاريخي وانساني بالدرجة الاولى، غير محكوم بمكان او زمان. ولا بأس ان نستشهد مرة اخرى بكلمات مارتن اميس في حديثه عن الادباء الروس الذين اضطهدوا قبل ستين سنة، وفي محاكمته للضمير الثقافي الاوروبي: «كنتم تعرفون، ولكنكم لذتم بالصمت، والصمت تواطؤ وخيانة، ولولا ذلك كان يمكن منع ما حصل». ان المثقفين بشكل عام يعكسون مأساة مجتمعات المنطقة كلها ، ولما كانت مجتمعاتنا قاطبة تعيش تناقضات لا اول لها ولا آخر ، فان ذلك ينعكس على جميع ابنائه ، وهو يظهر جليا عند المثقفين ..

الهشاشة : حصيلة ثنائية التفكير وازدواجية المعايير

قلت قبل عشر سنوات في كتاب صدر لي بعنوان ( التحولات العربية : اشكاليات الوعي وتحليل التناقضات وخطاب المستقبل ، الاهلية ، 1997 ، ص 102) : ” ويزدوج التفكير والذات واللاوعي عند الجميع في خضم هذه ” الثنائية ” والنماذج لا نهاية لها ، فمن معجب بتراثه ايما اعجاب ولكنه لا ينفك عن متابعة افلام اجنبية ! ومن مؤمن بقضاياه الوطنية والقومية ولكنه لا يدخن الا تبوغ فرجينيا ! ومن شيخ بدوي لا يخرج من داره الا ويرش عباءته بقنينة عطور فرنسية ! ومن مفتخر بتقاليده الاجتماعية وعاداته المتوارثة في بيته وتراه جالسا في سيارته الامريكية الفارهة !! وشاعر او مفكر يتبارى نهارا في تكريس القيم والمبادئ وفي الليل تجده يحتسي الخمور الاسكتلندية ! ورجل دين يشيع مواعظه وخطبه من خلال الكاسيتات ولا يتنقل من بلد اسلامي وآخر الا في الدرجة الاولى على متن طائرات البوينغ !! ومحارب صنديد يعبر خط بارليف نشيده ( الله اكبر ) وهو على دبابة سوفييتية الصنع ! وشاب لا يحترم الزمن وفي معصمه ساعة ( رولكس ) سويسرية الصنع من الذهب الخالص !! وتاجر مضارب بثروته وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب وقد زيّن قصره بالكتب التراثية المذهبة !! وكاتب فاشل لا يجيد كتابة او قراءة جملة مفيدة في لغته الام ، وهو يتحدث بـ ” الديالكتيك ” او ” صراع الطبقات ” !! وطبيب درس تشريح اعضاء الانسان وهو لم يزل يؤمن بالخرافات والنصوص المضحكة !! واستاذ يجلس في مكتبه وقد اعتنى بربطة عنقه الاوربية وهو يطقطق بمسبحته وبساكلها !! الخ من من الامثلة والشواهد والنماذج السوسيولوجية التي تعكس تناقضات صارخة ، وتشوهات واختلاطات في التفكير والذات واللاوعي الفاعل في حياتنا المعاصرة التي عرفتها اجيال القرن العشرين .. وهي تزداد يوما بعد آخر ، ولسوف تزداد كثيرا من خلال ترسيخ اجتماعي انقسامي / ثنائي يعززه توغل في القيم الموروثة من جانب وارتباط لا انفصال عنه بالتشيؤات ومتطلبات العصر ومفاهيمه وقيمه الحديثة من جانب آخر .. ثمة تصادمات وانشطارات بين الجانبين تتوالد في كل لحظة تاريخية وقد تكون غائبة عن الوعي برسوخ الذهنية المركبة .. او قد يحس بها المرء او تشعر بها النخبة المفكرة او الهيئة المثقفة في المجتمع من خلال واقع مزيف ، او منظر مشّوه ، او ازدواج شخصية ، او تعامل بوجهين ، او خطاب منشطر ، او لغة هجينة ، او عادات سقيمة ، او تصرفات مبهمة ، او قرارات متناقضة ، او انتماء مركب ، او هوية مبعثرة او اساليب حياة مختلطة ، او ازياء متنافرة ، او ثقافة هزيلة ، او سلوكيات غير متجانسة .. الخ من التوصيفات .

الاستسلام للواقع المرير

دعونا نقرب الصورة اكثر بالوقوف قليلا عند احد المشاهد اليومية في مجتمعاتنا وهي صور مألوفة الفها واعتاد عليها الناس ، فلم تعد تثير فيهم اي شعور بالنفرة .. والتي لم يتألم لمرآها الا من يشقى بوعيه ، اذ تبدو عند الاخرين حالة طبيعية ، ونكاد نجده منظرا عربيا في اغلب المدن والعواصم والقسمات العربية : اكواخ وصرائف ومخيمات واطفال حفاة وحمير واوساخ وقاذورات ومياه آسنة .. الخ في شارع تتنافر فيه الازياء الاوربية والبلدية المحلية والوان المبهرجة والابنية الحديثة والسيارات الفارهة .. ويزداد التنافر حدة وجنونية عندما يستخدم متخلف جاهل لا يعرف القراءة والكتابة آخر مبتكرات التكنولوجيا اليابانية !! ان انصاف المثقفين تجدهم في اغلبهم يستسلمون لواقعهم من دون اي اعتراض على يجدونه من خلل وتراجعات واخطاء ..

الانبهار من دون اي مقياس لنسبية الاشياء

ليس من مهام الناقد الحاذق ان يستخدم التجريحات المطلقة ، ولا يمكنه ان ينطلق من نظرة عدائية او استعلائية كونه وصل حديثا الى اي بلد اوربي او امريكي ، فاندهش بما رأى اندهاشا كبيرا تجعله يفقد كل تركيزه وافكاره ويشعر نفسه ضئيلا وتافها .. ليس من الصواب ابدا ان يكون رد الفعل المعاكس احتقار الاصل ، فالصورة ستبقى مشوهة وغير معترف بها .. ان امثلة عدة على هذا ” النوع ” من البشر ، اذ سرعان ما يكون تمردهم مساعدا لهم في ان يكونوا بالضد من مجتمعاتهم وبيئاتهم وتواريخهم .. فيحتقرونها احتقارا كبيرا ، وتتملكهم كراهية عمياء ضد ماضيهم وسرعان ما تتحول كل هذه التراكيب المعقدة الى بركان من الغلو والتطرف التي يعبرون عنها بعصبية بالغة .. وشتائم مقذعة ويعبرون عن اعجابهم الشديد بالغرب ، وكأنهم قد اكتشفوا الغرب ومخترعاته لوحدهم .. انهم ابعد ما يكونوا عن الغرب وآلياته وافكاره وتشيؤاته وحياته كونهم لا يجيدون التعامل معه ، ليس من الناحية اللغوية حسب ، بل ليس باستطاعتهم اجراء اي حوار حضاري مع هذا الغرب .. ناهيكم عن كونهم لا يدركون بأن لكل مجتمع سماته ومواصفاته وطبيعته ، بل له ايجابياته وسلبياته . انهم يريدون استعارة هذا التكوين الحضاري بجملته الى عالمهم الذي تحولوا عنه وغادروه كونهم احتقروه وقللوا من شأنه .

اسلوب التجريح .. مرفوض تماما

ان شعورهم الكاذب بانهم من المثقفين والمضطلعين من دون معرفة وزنهم الحقيقي سيجعلهم ، وان النفخ فيهم اعلاميا واستخدامهم ربما سياسيا يجعلهم يتصورون انهم حقا بمثقفين حقيقيين ، بل انهم من انصاف المثقفين ، بل قل انهم من ارباع الانصاف ! ان اسلوبهم في التعبير عن آرائهم خاطئ ، فلا يمكن ان تبث افكارك من خلال تجريح مشاعر الناس .. وخصوصا المعتقدات الدينية او المذهبية او حتى السياسية .. انك لا تستطيع الكسب ، بل لا تستطيع التحرك ضمن هذا العالم ، ان كنت تستخدم اسلوب الصدمة من خلال ممارسة التحقير والكراهية ضد الاخر .. ان المثقف الحقيقي هو فنان في توصيل رسالته الى الناس بكل حذاقة ومهارة .. ان المثقف الحقيقي لا يمكنه ان يستخدم التجريح والاهانة ضد الجماهير وبشكل عام ، وربما يستخدم النقد البناء الذي يقابل الحجة بالحجة ضد شخص معين او جماعة معينة .. ولكن اسلوب المكابرة والمصادرة والتجريح والسباب والشتائم واطلاق الكلام على عواهنه ، فهو اسلوب قد يسبب ردود فعل تنعكس على صاحبها .. ان البعض يريد التسلق بسرعة ليكون اسما معينا بين الاسماء ، باستخدامه مثل هكذا اسلوب فيسقط سقوطا نهائيا .

واخيرا : خطورة انصاف المثقفين

ان هؤلاء الانصاف ، وما اكثرهم في حياتنا ومجتمعاتنا قد ازدادوا كثيرا خلال السنوات الاخيرة بفعل انتشار وسائل الاتصالات الحديثة وخصوصا عبر شبكة المعلومات الدولية ( = الانترنيت ) وقنوات الفضائيات الاعلامية ، فهم سيسيئون كثيرا لمجتمعاتنا المتأخرة اصلا ، وانهم سيزيدون من اعدادهم بفعل تأثر الاجيال يوما بعد آخر بهم ، وهم يفتقدون الى المناهج والاساليب والتفكير الناضج والمنطق والقراءات والمعرفة واللغة ، فهم لم يتمكنوا اصلا من لغتهم الام .. وهم يعتمدون على ما يدخل هذه الشبكة من كتابات ومعلومات غير صحيحة اصلا .. ان حياتنا مطالبة بمعالجة هذا الخطر الذي يتفاقم يوما بعد آخر من خلال وسائل الاتصالات الحديثة التي بات الانسان لا ينفك عنها بعيدا عن مصادر المعرفة الحقيقية .. انني انبّه الى اخطار هؤلاء ” الانصاف ” الذين سيأكلون الاخضر واليابس من ثقافتنا واساليب المعرفة واصول العلم ومناهج التفكير .. اننا امام خطر مدرسة مشاغبين في حياتنا ، يتمثّل بزحف انصاف المثقفين الذين سيأكلون كلّ المثقفين الحقيقيين يوما بعد آخر كالجراد الذي يجعل الحياة هشيما ..