الرئيسية » شخصيات كوردية » شاعر من بلادي أُستاحسين المندلاوي ..

شاعر من بلادي أُستاحسين المندلاوي ..

مندلي مدينة جميلة متواضعة تقع في محافظة ديالى،قال عنها الكثيرون من أرباب الفن و الثقافة أشياء جميلة ،وسمّوها بتسميات لطيفة منها ” كاليفورنيا الشرق” و “مدينة المليون نخلة” و”مدينة الإبداع” و ” قطعة من الجنة” وغيرها من التسميات التي جاءت كلها لجمالها الطبيعي و جوها الهادئ ،وورد في بطون الكتب بأن مدينة مندلي كانت الى وقت قريب منتجعاً ليس لأهل العراق فقط بل لدول المنطقة أيضا لذا كان يرتادها الكثير من العلماء و الفقهاء والشعراء لقضاء أوقات فراغهم في ظلال نخيلها وهديل حمامها مع خرير مياهها ،وروعة جوها ،ثمّ الاستزادة من كرامات الأئمة ..و لذا ظهر فيها شعراء كثيرون على مرِّ تاريخها و باللغات الأربع “العربية ،الكوردية ،التركية ، الفارسية”وحديثاً عاصرتُ أكثر من عشرين شاعراً باللغة الكوردية فقط من ذوي اتجاهات متعددة،منهم أستا حسين المندلاوي الذي يعتبر من الشعراء المقلّين ، والمنسيين في تراثنا الأدبي الشعبي، تناولت أشعاره الحكمة و الغربة والحنين ،وكاد يُنسى شعره ومواعظه و باقات حكمه إلى الأبد مع تجاويف الزمن ،لولا أني تذكرت شيئاً من أشعاره وحكمه , بعد 45 سنة من ارتحاله الى الملأ الأعلى،وكنت آنذاك يافعاً في الرابعة عشرة من عمري عام 1959. . حيث كنت استمع الى أشعاره ومواعظه عندما يجتمع أقرباؤنا من الرجال عصراً في رأس المحلة “قلعة بالي” بدل المقهى، ويتحدثون عن كل شيء بصورة عفوية، أحاديث مختلفة .. ، أو في ليالي الشتاء الباردة حيث نجتمع حول موقد النار المغطّى ببطانية أو بـ”جاجم”الدثار المحلي والمسمى هذا الوضع بـ”الكرسي” و نحن نتناول شيئاً من التمر المعروف بـ”الأشرسي” مع الجوز الآتي من كوردستان .. وهكذا تعلقت في ذهني بعض تلك الأحاديث بما فيها الأشعار و الأمثال و القصص . . و ها بعد سنين طويلة شعرت بأهمية هذا التراث ،و هذه الأشعار النادرة لكونها تعبر عن مرحلة من حياة شعبنا و أهالينا، والتي يجب حفظها للأجيال ؛ مما دفعني إلى التحري والبحث عن أشعاره ونبذة عن حياته ( رحمه الله ) من أفراد عائلته وغيرهم ،و الحمد لله حصلت على الشيء اليسير ، لكنه مهم بالنسبة لي، متأملاً الزيادة لإتمام الفائدة.
نبذة عن حياته
ولد أُستا حسين في مدينة “كويسنجق” في كوردستان العراق حوالي سنة 1880 م . . بناء على أحاديثه عن الحروب والانقلابات التي عايشها وجرت في دول المنطقة “ايران،تركيا،العراق” واسمه ( حسين صفر رحيم البياري) والمشهور بـ ( أستا حسين ) لأنه كان صفاراً ماهراً لا يجاريه أحد من أقرانه في هذه الصنعة… وبحكم عمله كان يتنقل بين العشائر الكوردية للعمل في فصل الربيع، بين البلدين ايران والعراق على الدواب مصطحباً معه اثنين من أبناء اخوته يدعيان “سعيد وعلي” في رحلته الأخيرة… حطَّ رحاله في مدينة خانقين و مكث فيها فترة طويلة للعمل ، واطلع على العادات والتقاليد الشعبية فيها،كما أتقن لهجتهم أيضاً . . وخلال هذه الفترة ،اكتسح البلاد الوباء المعروف . .فانتزع منه صغيريه ( سعيد وعلي ) حيث دفنا هناك ، هنا قرر عدم العودة الى أهله و زوجته وطفلته بفعل تلك الفاجعة وشدة وقعها و هولها عليه، فضلا عن هموم الغربة عن أهله و ذويه ؛ وظل متنقلاُ من قرية الى قرية ،ولا أحد يعلم بمصابه الأليم ، إلى أن استقر به المقام في قضاء مندلي ليسكن في محلة قلعة بالي ، ولكنه انبرى كالحكيم الذي لا يستسلم للمحنة و سنابك خيلها الى نهاية المطاف. فاستقر في هذه المدينة المتواضعة لأسباب كثيرة منها جمالها و أناسها و بيئتها الكوردية ، هذا وكان قد ادّخر شيئاً من المال ،فابتاع به داراً واسعة لسكنه ، ثمَّ اقترن باحدى بنات المحلة .. وبدأ بتكوين نفسه من جديد مستفيداً من المثل الكوردي الدائر “سال نو، دال نو” و يعني “عام جديد، وحظ جديد” أو كما يقال:” لا يردّ الميتَ البكاءُ عليه ” . . ليواصل مسيرته في الحياة بإيمان وجديّة و يطوي صحائف الألم و السأم. كان رجلاً طويل القامة ، أبيض اللون ،ذا شاربينِ غليظينِ نوعما، طيباً ملتزماً بأمور دينه ،يتردّد على الجامع الكبير لأداء الفرائض،والمشاركة في المناسبات الدينية لا سيما المناقب النبوية الشريفة .كان “رحمه الله” قليل الكلام ،لم يمزح أبداً،و لا يسمح به في حضوره، واذا تحدث قال حكمة بليغة، أو موعظة حسنة ، أو حادثة قصيرة ، أو شعراً لطيفاً ،أو مثلاً مفيداً ،و هكذا ،وكان كلامه واضحاً جداً خليطاً من لهجات المدن التي مرَّ بِها خلال حلّـه و ترحاله بين العشائر و القرى الكوردية و العربية و التركمانية من كويسنجق الى سنندج و بانه وقصر شيرين وكلار وكفري وخانقين ثـمَّ مندلي . وبذا كان كلامه ذا نكهة خاصة يدخل القلب كما يقال بلا جواز ، إضافة الى لغة الأم الكوردية ، أتقن العربية والتركية والفارسية . أما أشعاره فبعد البحث والتحري من أبنائه و أحفاده وجيرانه حصلت على مجموعة من أشعاره اللطيفة و أمثالـه ،و شيء من حكمه وباللهجة الكوردية طبعاً ويمكن تصنيف أشعاره الى :
1 ـ أشعار دينية عرفانية
2 ـ أشعار اجتماعية وجدانية
-3أشعار حكمية وعظية
وكان في أواخر حياته يسرد تاريخ الانقلابات والحروب . . ويصف الملوك و الأمراء الذين توالوا على الحكم،و ذلك بحكم أسفاره الكثيرة بين الدول الثلاث كما ذكرنا ،وكان يتحدث بحماس عن قاضي محمد وجمهورية مهاباد و عن دور الزعيم الملا مصطفى البارزاني الخالد .. فأدرك ثورة 14 تموز 1958 وقال عنها أشياء لم أتذكرها حيث كنت صبياً و أنا استمع الى أحاديثه الجميلة. .ولكنَّ الذي أتذكره إنه كان يحب عبد الكريم قاسم قائد الثورة ،ومعجباً به،و قال عنه شعراً خلال سياق أحاديثه عندما يسمع شيئاً ،أو يرى صورته مرتدياً بزته العسكرية،كما كان يحتضن صورة الزعيم الخالد البارزاني(رحمه الله(.
توفي شتاء عام 1959 ودفن في مدينة النجف الاشرف ، حسب وصيته رغم انه كان شافعي المذهب،ذا طابع عرفاني يودُّ التقريب بين المذاهب،و كان في الواقع رمزاً للتآخي والمحبة و الخير.
وله ذرية صالحة بلغ تعدادهم أكثر من 150 فرداً يسكن غالبيتهم في العاصمة بغداد ،ومندلي و خانقين و السليمانية والكوفة ،ومنهم من استقر في المهجر بريطانيا وايران،بينهم عدد من المبدعين يعملون بجد و مثابرة لبناء عراقنا الجديد،سائرين على نهج جدهم في حب الخير والعمل من أجل البلاد والمجتمع.
وأخيراً وفقتُ لجمع أكثر من 500 بيت من أشعاره الشفاهية من ذويه و معاصريه ،ومجموعة نادرة من الامثال الكوردية التي استشهد بها أثناء أحاديثه الجميلة. هذه كانت نبذة يسيرة عن أحد شعرائنا الكورد المنسيين .

التآخي