الرئيسية » الآداب » القرية الكوردية في بغداد

القرية الكوردية في بغداد

بغداد – التآخي –
بحضور نخبة من الادباء والنقاد والمثقفين أقام ملتقى الأهالي الثقافي العراقي جلسة تكريمية للروائي الكوردي محمد سليم سواري وذلك لمناسبة صدور الطبعة العربية من روايته ” القرية ” ومن ترجمة الكاتب والمترجم سامي الحاج ، وفي بداية الجلسة وباسم ملتقى الأهالي الثقافي رحب الكاتب عبدالهادي فنجان الساعدي المستشارالثقافي في صحيفة الأهالي بالسادة الحضور ثم قرأ نص الرسالة التي أرسلها بالمناسبة ومن السويد السيد المترجم ، وجاء في الرسالة : ” ما يزيدني سروراً وفخراً انني نلت شرف ترجمة الرواية الي لغة الضاد التي اتقنتها کتابةً وقراءةً قبل لغتي الام وکنت السبب في أن يقرأها اخوتي العرب بلغتهم الام .
لم يُکتب عن روايةٍ کورديةٍ مترجمةٍ او غيرِ مترجمة ْمثلما کُتب عن رواية القرية وهنا لا اريد البحث عن السبب او الأسباب ، فتلك مهمة النقاد وربما توضح بعضها في المقالات التي نُشرت حول الرواية ، ولکني اَوَدُّ في هذه العجالة أن اسجل إعجابي وتقديري لما يکتبه القاص محمد سليم سواري الذي نقل وبدقة لم يبُزّه فيها أحد الکثيرَ من جوانب الحياة الاجتماعية للريف والقرية الکوردستانية .
وأذکر هنا حادثة طريفة مررتُ بها في ثمانينات القرن المنصرم وعندما کانت حملات الانفال السيئة الصيت قد شارفت علي نهاياتها ، ذهبت الي مقر جريدة العراق وسلمت لمسؤول صفحة الثقافة الکوردية فيها – وکان من الکتاّب الکورد المعروفين، وما يزال- احدي قصص محمد سليم سواري المترجمة للعربية . وبعد أن القي نظرة سريعة عليها أعادها لي قائلا : ألا تعرف انه لم يعد للقرية الکوردية وجود وان الحديث عنها وبأي شکل کان، ضَربٌ من الجنون .. هل تريد أن تورطنا مع الحکومة ؟
وذهَبتْ الحکومة وبقيتْ قرية ُمحمد سليم سواري وتم إعادة اعمار قري کوردستان المدمرة وبأفضل مما کانت عليه في السابق . ولهذا فعندما نذکرُ القاص محمد سليم سواري فاننا نتذکر الاصالة الکوردية والقرية َالکوردستانية بکل أجوائها ونقائها وبساطةِ حياةِ أ‌هلها ونقاءِ سَريرَتهم .
بعد ذلك قدم الناقد المبدع علوان السلمان بحثاً نال إعجاب الحضور حيث تطرق الى مسائل جوهرية تتعلق برواية القرية من حيث المضمون والتكنيك ومعالجة القضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية التي اثارها الكاتب عبر27 لوحة من الرواية وعلى مساحة 239 صفحة من القطع المتوسط ، وفي البداية سلط الضوء على سمات بطل الرواية شيرو، حيث تحمل بطولته في طياتها حقيقة رجل مبدئي ، انساني ، والبطولة عنده واقعية حقيقية عبر أرضية اجتماعية للأحداث حيث يتمثل المقولة الشكسبيرية ( اما أن تكون او لا تكون ) .. ووصف شخصية شيرو البطل بتجلي الهم الانساني والهم النفسي الممزوج بهًم الوطن وانكساراته .. وعن الشخصية المركزية في الرواية قال السلمان : ” لقد تمركزت رواية (القرية) على شخصية مركزية تلاحقها إضاءة الروائي عبر حلقات محورية يرسي من خلالها الأبعاد الرئيسية لهذه الشخصية ويؤكد حضورها على مساحة واسعة من جغرافية الرواية عبر القرية التي أخذت مساحتها العظمى .. فقدمت لوحات إستعراضية للقرية الكوردية من الناحية الاجتماعية والتأريخية مع تصوير دقيق للصراع القائم بين الفرد والطبيعة فأحاطت الرواية بكل تفاصيل الحياة اليومية في الريف الكوردي .. فكانت قرية (سواري) المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية التي تؤكد على المطالبة بحقوق لشعب عانى الويلات لفترة زمنية ممتدة الجذورمع سرد للحوادث والأخبار والشخصيات والعشائر والقرى المحيطة بها ” .. وعن مسألة الرمز في الرواية أكد الناقد بالقول : ” فالرموز في الرواية واقعية حيث أن جميع الأحداث والشخصيات واقعية وطبيعية فالطفل (سه ربه ست) ـ المواطن القادم – كما يقول ارسطو رمز النضال المستقبلي إذ يقطع ريبه ر الحبل الذي ربط رجليه مع مكافأة نقدية كي يستطيع السير مستقبلاًً (وهذه من التقاليد الموروثة عند الكورد) فالطفل الذي لا يستطيع السير يربط بحبل ويأتي شخص مهم من الأكابر ويقطع الحبل (رمز القيد) فيستطيع السير (هذا يعني تحرره من عقدة الخوف والتردد) فمساعدة ريبه ر للطفل بقطع حبال رجليه يعني تحرره من القيود والسير في ركاب الثورة لتحقيق طموحات الشعب الكوردي .. إن حرص الروائي (سواري) على تقديم الشخصية الأنموذج عبر معاناتها مع الواقع يضطره أن يقوم بعملية الوصف للتعبير عن الحالة النفسية ..” .
بعد ذلك قدم الناقد كرم الله شغيث دراسته الموسومة ( النص والجذوروقرية سواري ) ، وفي موضوع تصاعد الحدث في الرواية أكد الناقد : ” إذا كان لكل رواية حدث ترتكز عليه وتدور حوله ويأخذ هذا الحدث بالتطور والصعود إلى ذروته، فإن رواية القرية لم تعتمد ذلك الأسلوب بل جعلت شخصياتها هي التي تنمو وتتصاعد بإتجاه الحدث، وينمو تأثيره فيها كلما أقترب موعده، كذلك ولم تعتمد تصعيداً يثير مشاعر القارئ أو مفاجأة أو أحداثاً عنيفة على مستوى الحدث الأساس .. فالحدث هنا هو زيارة الزعيم مصطفى البارزاني يقابله في الرواية شخصية (ريبه ر) إلى قرية سواري، والأشخاص هم أهل القرية وفي مقدمتهم كبير القرية(شيرو )وأخوه (عه زو)، وقد مثل ذلك الحدث لكل من تلك الشخصيات أهمية كبرى في توجيه مسارها كل على إنفراد، فبالنسبة لأهل القرية لم تكن إلا تحقق حلمهم بلقاء الزعيم، وإلى شيرو زيادة في رفعته وشأنه وفخره وإعتزازه وخلود الحدث.”
وعن توظيف البيئة للترميز قال شغيث الناقد : ” : لم يَغِبْ عن بال الكاتب محمد سليم سواري وهو ينسج رواية ذات بيئة قروية أن يوظف مفردات تلك البيئة كأدوات رمزية غنية بالإيحاء، وقد أخذت الحيوانات حيزاً مهما من ذلك الجانب، ففي ص/154يرمزللثعبان بالخصم الذي يجب أن لا يأمن المرء شره أبدا، وفي ص/176 رمز إلى ظلم الحكومة بالدب والذئب والضواري، ومن أمثلة الترميز للبيئة النباتية ما جاء في ص/84 حيث يرى (عه زو) حياته تدور في حلقة مفرغة تشبه حال الصبي الجالس على عربة درس الحبوب، وقد رمز إلى شخصيته بالبيدر الذي درست حبوبه وهي في إنتظار الريح التي تذروها، وما حبيبته(حه لي)إلا تلك الريح التي كان ينتظرها.كما إستعار الشمس في نهاية الرواية رمزاً قرن به شخصية الزعيم (ريبه ر) والتي تشرق في مكان آخر دائما، وفي ص/170رمز الكاتب إلى القوة الخفية التي يبعثها الزعيم في الأجساد من خلال التقاليد المتوارثة للوجهاء والزعماء في حال ذهابهم إلى قرية أنه إذا اعترضت طريقهم إمرأة تحمل طفلاً مربوط القدمين فما عليهم إلا أن يسارعوا في قطعه لأن هذا الطفل قد تأخر في المشي وسوف يشفى، وهذا ما حصل مع الزعيم (ريبه ر) والطفل (سه ربه ست) عند زيارته لقرية سواري.
ولم يغيب جهد الترجمة عند الناقد كرم الله حيث أكد على الجهد المتميز للمترجم وضلوعه في كل مفردات وأسرار اللغة الكوردية وكذلك بالنسبة للغة العربية وهذا ظاهر من إمكانيته في تطويع مفردات اللغتين بحيث خرجت ترجمته كعمل إبداعي لا يقل عن إبداع المؤلف نفسه عند كتابته للرواية بلغة الام .
وفي ختام الإحتفالية قدم الروائي محمد سليم سواري شكره للسادة الحضور وللسيد هفال زاخويي رئيس تحرير صحيفة الأهالي ورئيس ملتقى الأهالي الثقافي العراقي لمبادرته على إقامة الاحتفالية وتحمله نفقات طبع الرواية باللغة الكوردية ، وقدم شكره الى السيد المترجم سامي الحاج الذي عانى الكثير لكي يرى العمل النور وقدم شكره للسيد مؤيد طيب رئيس مؤسسة للطباعة والنشرسبيريز في دهوك لطبع الترجمة العربية للرواية ، وقدم شكره لكل السادة المساهمين في إغناء الرواية بالدراسة والنقد والمتابعة وهم السادة : عبدالهدي فنجان الساعدي ، علوان السلمان ، خضير الزيدي ، سكفان عبدالحكيم ، محسن حسين عناد ، جمال برواري ، كرم الله شغيث ، نزار شهيد الفدعم ، محمد خضير سلطان ، كمال لطيف سالم ، فائز جواد ، علي خضير الساعدي .
واختتم الروائي كلمته بالقول : ” سادتي الحضور .. في السبعينات من القرن الماضي وعندما كنت أكتب قصصي القصيرة الاولى وقبل إرسالها للنشر كنت أقرأها على والدتي وهي امية لا تعرف القراءة والكتابة وكانت هي من تقيم تلك القصص وتشد على يدي وقلمي وتشحذ همتي وتشجع ترددي .. كانت المرحومة هي القارئة الاولى بل المتلقية الاولى لإنتاجي .. واليوم كما أنا فرح ومعتز بهذه الجلسة وحيث المئات من قراء قصصي وروايتي القرية ، حيث القراءة والنفد والإعجاب .. اشكرهم جميعاً بارك الله فيكم .. ” .
ومما هو جدير بالذكر أن الأمين العام لمؤسسة مرايا الثقافي راى أن هذه الاحتفالية مناسبة قيمة ليعلن عن قرار المؤسسة في منح الدرع الثقافي للمؤسسة لسنة 2008 الى الروائي محمد سليم سواري .