الرئيسية » الآداب » المرأة في شعر فوزي الاتروشي

المرأة في شعر فوزي الاتروشي

الشاعر فوزي الاتروشي قد فتح عينيه في منطقة جبلية نائية عن مراكز المدن والأسواق، وهو يعيش في مجتمع يمتلك قسطا كبيرا من المبادئ والقيم الاجتماعية النبيلة، وينحدر من عائلة ذات وشيجة متينة بالأرض والبساتين والغلة الزراعية التي توفر لها مؤونة الحياة، الى جانب توفير المحبة والانتماء الوطني منذ النشأة والترعرع الى مرحلة البلوغ.
ووسط هذا الطقس والمناخ الخلاب بدأ فوزي مراحل حياته الاولى ، ففي مجتمع أتروش الذي ينظر اليه الشاعر على انه الام الاكبر ومبعث الحنان والطمأنينة، والملجأ الآمن الذي يأوي اليه كلما احس بانقباض او ضجر في خضم الحياة المدنية المادية، التي استحوذت على الافكار والأفئدة. وفي هذا المجال نرى فوزي يقدم باقة من اجمل قصائده الى امه التي نشأ في حضنها، وشرب من لبنها، وتنفس الصعداء بين ذراعيها، اذ نجده يهدي الى امه الثمرة البكر من قصائده وفاتحتها كجزء من الوفاء لها، ولعله قد استخدم الام كمعادل موضوعي للأرض ومن جهة نظره تعد الارض الام الحقيقية، التي تحتضن ابناءها بحنان ودفء والشاعر منهم فزاد تعلقه بها ولا ينفلت من قيد الانتماء اليها.. يقول:
-الى امي… اطول قصة حب في حياتي .
-الى امي التي رحلت وهي تذكرني بكل خير .
-الى والدتي التي تعلمت منها ان لا شيء اثمن من الحرية .
ونسبة التذكر والرحيل الى الام فيها دلالة على ان المراد هو الوالدة الحقيقية.. وان كانت قد ألهمت الشاعر حب الحرية والتجرد من جميع القيم والمبادئ التي قد تقيده، وتضع اطارا لهذه الحرية.
وتعلم الشاعر حين تربى في حضنها ((اي في حضن تلك المرأة العطوف)) انه قد حرم من الاحساس بالحرية ومن تذوقها، لذا عليه ان يناضل في سبيلها، وهذا النضال لدى الشاعر يأخذ مستويين:
الاول : من اجل الارض.
والثاني : من اجل المرأة.
والجامع بينهما هو كون كل واحد منهما ملاذاً آمنا يأوي اليه الشاعر عند اشتداد الخطوب.
ثم يكبر هذا العشق ويتغلغل في اعماق نفسه الى ان يصبح حب الام جزءا اساسيا من حياته ، هذا الضرب من العشق بعيد جدا عن آراء (فرويد) الذي يعتقد انه (قبل الوصول الى المرحلة الجنسية الذكرية للولد، ان الولد كان يحب امه، ويتقمص اباه، وعندما يشتد الدافع الجنسي، فان حب الولد لامه يزداد الى درجة الرغبة في التجاوز على المحارم، ونتيجة لذلك يبدأ يغار من منافسه وهو الأب وهذه الحالة التي يشتاق فيها الى الملكية الجنسية الواضحة تدعى بـ (العقدة الأوديبية)) .
لكن فوزي ينظر الى وجود الام على انه الارض والوطن على نحو ما نرى اشارته الى هذه المسألة في المقطوعة الشعرية الآتية:
بيتاً.. بيتاً
سقفا.. سقفا
حجرا.. حجرا
تتساقط قريتنا أتروش
رقصات صبايا القرية يغمرها مأتم
وتخبئني امي في كهفٍ مهجور معتم فالام لشدة حنانها تجاه وليدها تحمل صبيها الى مكان ناءٍ لانقاذه من النهاية المعتمة بعد سقوط القرية بكل ما فيها من المنازل والجدران، وبعد ان تغشى الوجوه القتر والسواد.
ولايزال الطفل المولد حديثا يشعر بأنه متحد مع امه فلا يشعر بالانفصال ((طالما ان الام ماثلة امامه بجسدها، ولكنه سرعان ما يكبر فلا يعود الحضور المادي لامه كافيا، فتنشأ لديه الحاجة الى قهر الانفصال بطرق اخرى)).
فحنين الشاعر الى مرحلة طفولته يأتي في كل لحظة يستشعر فيها الحزن والتعب فتدفعه حالته النفسية الى هذا التذكر فقد شهد الشاعر في طفولته الموقف العدائي الذي اتخذه النظام الدكتاتوري ضد بلدته وأهله، ويكشف الستار عن ممارسته المشينة تجاه مواطنيها، فضلا عن حجبه للحريات كافة.
فهذه المشاهد ترسخت في ذهنه وخلقت عنده شعورا قوميا نما مع نموه العقلي والذهني والجسمي، وشكلت عنده موقفا ملتزما من قضايا امته.
وانطلاقا من عشقه الاول الذي هو عشق الام والاسرة وسائر اعضائها يسير الشاعر الى حب من نمط آخر وهو حب البساتين والجبال والطبيعة، اذ يقول :
أتروش مازالت كوردية مازالت رغم خريف العمر
تردد لحن الحرية
تتعلق بالأفراح وترفض
طعم المرثية
وبساتين الرمان
مازالت تثمر
رغم القحط…
ولكن رمانات يدوية
أتروش مازالت رغم خرائبها…
وحرائقها…
كالحب الاول ترقد داخل ذاكرتي
وتعلق فوق ضمير العالم
اسم قضية
ففي هذه الابيات نلحظ بوضوح ان شاعرنا يرسم في فكره الصورة التي كانت عليها بلدته عندما كان طفلا في نعومة اظفاره، لذلك يقول: (كالحب الاول) وبعد ان كبر الشاعر وقطع شوطا من حياته صار يسترد العشق الذي كان يربطه بهذه الارض، التي ذاقت الوان الدمار والخراب، وفي هذا دليل على انه متعلق بأرضه ودياره في كل وقت وأوان، هذا التعلق الذي لا يحده حد، ولا يستوعبه غير كلمة : (الحب).
وهذه الانطلاقة الابتدائية للحب والعشق والانتقال بها من الام الى الارض تعني عند الأتروشي ما تصوره المعادلة الآتية:
المرأة (الام)= أتروش بلدة الشاعر وأرضه
وتتحول هذه المعادلة الى التفتح الذهني للشاعر في مرحلة الطفولة والصبا للمستقبل، وهذه الانتقالة خطوة الى الدخول في حياة.. ملؤها المآسي والاحزان، لأن المعادلة تقع على الشكل الآتي:
حب الوطن… التشرد والتغرب، وهذا التشرد وهذه الغربة ينأيان به بعيدا عن الارض والوطن ومسقط الرأس والتغرب في عدد من مدن العالم، وقضاء قسط كبير من حياته فيها وحيدا مقطوعا عن موطنه، كما تشير الى ذلك قصيدته التي يقول فيها:
يا الهي ان الذي بين يديك قلب
مدمن على الهجرة ماله وطن
ويقول:
حملته المنافي
عبر مياه الاطلسي
وصار وجهه خريطة لآلاف المدن
ومما لاشك فيه ان تلك التجربة والمعاناة نجدها عند غيره من الشعراء العراقيين المنفيين امثال البياتي والسياب والجواهري وغيرهم من العراقيين والعرب. وشاعرنا فوزي الاتروشي كهؤلاء الشعراء المنفيين عاش حياة الغربة والتشرد بسبب انحيازه التام للثورة والثوار، وبسبب تبنيه لأماني المجتمع وتطلعاته، وتسخير كل امكانياته الفكرية والاعلامية والادبية وجعلها في خدمة قضية ابناء امته، وبسبب اصطفافه الثوري مع غيره من المناضلين الحقيقيين تعرض للغربة والتشرد عن دياره ووطنه الام.
ان انقضاء سنوات عديدة من حياة فوزي في هذه المدن وغربته فيها ليس الا نتيجة لنضاله الدؤوب من اجل شعبه، وقضية امته، ونتيجة لرفضه للنظام الدكتاتوري مع عدم الانسجام مع سياسة التعريب والترحيل وحرق الحرث والنسل لامته، التي مارسها ذلك النظام البغيض، وعلى هذا في وسع المرء ان يتوصل الى نتيجة مفادها: ان حب الارض والمدينة حب للنضال والصراع من اجل الاستمرار والصمود.
ومعلوم ان الشعر والمدينة بينهما وشائج واقعية تعادل العلاقة بين المدينة والصناعات فهما متواشجان لاينفصلان وكذا الشعر والمدينة، ومثل ذلك العلاقة الفطرية بين حب الطبيعة والقرى والجبال والشعر الذي يصور احيانا الرومانسية التي تعكسها لكن هذه الرومانسية قد لا تفي بتصوير هذه الصلة بين المدينة وسماتها على نحو ما نرى في اشعار شعراء المهجر على وجه الخصوص، كالقروي، وايليا ابو ماضي، وجبران خليل جبران، وغيرهم ، حيث نجد رشيد سليم الخوري الملقب بالقروي يقول في قصيدة (تحية المغترب:(
سلام الى حيث غادرت روحي
بلبنان سابحة هائمة
الى البحر كم اشتهي ان أراه
وروحي على سطحه عائمة
وفي شعر القروي احساس عميق بالطبيعة خاصة في قصائد الغربة والحنين الى الوطن:
اما عند الاتروشي فان السمات والاشكال التي تصور طبيعة الحياة والبيئة في كل من لندن وبون وجنيف وباريس وواشنطن، والتي تحمل خصوصية الطابع الاوروبي تمنح جوانب الحياة جغرافية جديدة، وخيالا آخر يختلف اختلافا بيناً عن جغرافية كوردستان بوجه عام وجغرافية اربيل على وجه الخصوص.
هذه الصور والخصوصيات تشكل بؤرة نظرية جديدة ازاء الحياة ومن ضمنها المرأة على وجه الخصوص، قد ينطلق منها الشاعر الى الربط بين المرأة والمدينة ومعالمها والارض والوطن، وهذا ما نجده في قصيدة (والتقينا) اذ يقول فيها:
والتقينا في (بازل) التي استحالت فرحاً
مدينة مفتوحة القلب
واليد والاحضان
اتت صديقة العمر مشمسة فصارت الدروب جداول..
والشجيرات وارفة الاغصان
ويبدو ان الشاعر الذي ألف الغربة والترحال، وجرب خصوصيات الحياة الاجتماعية لم يستسغ الاقامة في الكثير من الدول الاوروبية والامريكية مع تآلفه وانسجامه معها، فهو لا يرى فيها من المتعة والجمال والارتباط النفسي على نحو ما يجده في اربيل.. ولا يبدل هذه البقعة الجميلة من وطنه كوردستان بهذه المدن والدول، ويفضلها على جميع الآفاق في العالم .
ويبقى لمدينة اربيل موقع متميز في قلب الشاعر، ففي جميع قصائد الشاعر تقريبا.. يتردد اسمها، ونكتشف ان شاعرنا الذي جاب الدنيا، وحل في اجمل العواصم ((لم تستطع أية مدينة من تلك المدن الاستحواذ على جوارحه، والهيمنة على قلبه، سوى مدينة اربيل التاريخية التي غيرت مجرى حياته)).
وربما يبرز تساؤل بهذا الخصوص، اي التساؤل عن سر تعلق الشاعر بهذه المدينة، وقد يكون الجواب عنه وعن المرأة التي تسكن اربيل في قصيدته التي يقول فيها .
أيتها التي جبينها يناطح السماء
قامتها تنافس القلعة في هيبتها…
وتستريح فوق قبة المنارة
فهذه المدن الاوربية والامريكية رغم جمالها، ومناظرها الخلابة وهدوء اجوائها لم تصبح بيت الشاعر ومقامه الدائمي ولم يصل الى ما يرمي اليه في هذه الدول من الراحة القلبية والمرسى الفكري، والمرأة التي يجد فيها الملاذ الآمن الذي يأوي اليه.
وانه لم يلتمس من المرأة الاوروبية ما يكمل به نصفه الآخر في الحياة، ولم يعثر على المرأة التي تحمل الخصوصية التي يبحث عنها في هذه الدول، وهذا ما حدا به الى العودة الى المرأة الكوردية والتغني بجمالها والاعجاب بتضحياتها ونضالها الدؤوب.
وانه يرى ان المرأة الكوردية، وان كانت راعية غنم او جامعة حطب فانها تجلب انتباهه وتحتل مكانا من قلبه وتستحوذ على مملكة مشاعره، فهي حجر الزاوية التي يبني عليها حياته، ويؤسس بنيانه وأساسه في الحياة السعيدة، يقول في قصيدة (عيناك في نفق الدنيا دليلي).
بين ذراعي امرأة..
حطمت المرافئ كلها… والمخارج كلها
وأغلقت الطرقات…
كي تمنع عني فكرة الرحيل
وحولتني من رجل
ضايقته المنافي..
الى رجل يحفل بالحب لمسقط الرأس
ولعينين أصبحتا في نفق الدنيا دليلي
في هذه القصائد تمتزج الى حد الذوبان ملامح المرأة مع تضاريس المدينة التي يرى الشاعر في كل معالمها شيئا من حبيبته، مثلما يستشرف في وجه الحبيبة تقاسيم اربيل.
لذلك نجد ان اهداءات دواوين الشاعر لاتخلو من ذكر اربيل وناسها واهلها فيقول في الاهداء:
الى اربيل المحفورة في ذاكرة التاريخ ووجدان الناس .
والى امرأة اسمها محفور كما الوشم في كل ازقة اربيل.
نظرة عينيها آخر ميناء للأمان اذا هطل مطر الاحزان.
الى كل الناس الطيبين في أزقة اربيل وزواياها المفعمة بالحب والسلام .
ورب سائل يسأل: لماذا تعلق الشاعر باربيل دون سائر المدن الكوردستانية الاخرى؟ في رده على هذا السؤال اجاب الأتروشي بقوله .
لأن اربيل كانت نقطة التماس الاولى والصاعق الأكبر الذي من خلاله بدأت خيوط العلاقة الحميمة مع المرأة الكوردية تتبلور.
ولعل الفضل في سبر اغوار مدينة اربيل واكتشافها من الداخل من قبل الشاعر يعود بالدرجة الاساسية ((الى تلك الانسانة الجميلة التي سلبت فؤاده، وفجرت ينابيع عواطفه، وهذه الحبيبة استخدمها الشاعر للاعلان عن انضمامه الى حلقة ذكر المنتشين بحب المدينة المباركة، نجمة التاريخ المتألقة في سماء كوردستان.((
ولعل القارئ ينبهر حقا باللوحات الرومانسية النابضة عن مدينة اربيل، التي سحرته واوقعته في شباك غرامها وحباله.وربما لم ينل موضوع المدينة اهتماما كبيرا لدى الشعراء والادباء الا في العصر الحديث- باستثناء شعراء الاندلس بعد سقوطها وتغرب شعرائها وشعورهم بالغربة والتشرد والحنين الى مدنهم في العديد من اشعارهم وكذلك ما قاله شعراء العصر العباسي عن مدينة بغداد نتيجة التأثر بالحضارة الغربية، فموضوع المدينة في الشعر العربي المعاصر يعد من افرازات هذه الحضارة، اذ شكلت المدينة قضية من قضايا الشعر العربي الحديث والمعاصر، التي لم تكن لتصبح موضوعا وقضية لولا الهالة الحضارية التي حظيت بها في الوقت الحاضر، فالشاعر الذي يعيش في المدينة ويتأثر بواقعها وظروفها تساعده هذه المعايشة على تكوين تجربته الخاصة التي تتأثر بنفسيته وسبل عيشه فيها.
وقد ينعكس ذلك على المدينة نفسها، مما يكسبها الخصوصية التي تنبع من خصوصية الشاعر نفسه على حساب نوعية التجربة التي يعيشها فيها، فمن هذه الزاوية ينبع اهتمام الشاعر المعاصر بالمدينة، التي تشكل بدورها مجموعة من العلائق البشرية المعقدة داخل هذه الهالة الحضارية الجديدة .
ورغم كون فوزي الاتروشي شاعرا سياسيا وقوميا الا ان ذلك لم يمنعه من ان يتجه اتجاها انسانيا ويتخذ من المرأة موضوعا لأشعاره وكما ربط بين المرأة والمدينة معبرا عنهما في أروع قصائده باسلوب مؤثر، فقد استهوته المدينة بملامحها الحضارية والعمرانية، وحثته على ايجاد طريقة لكي يصل الى مدينته المثلى (اربيل) ولقد حوت قصائده اسماء متعددة للمدن كـ (باريس ولندن ومدن في امريكا الجنوبية والشمالية وغيرها.(
ولعل ذلك راجع الى وظيفته الدبلوماسية التي فرضت عليه طبيعة ترحالية جمعت بين مشارق الارض ومغاربها، واغتنت تجربته من خلال معايشته لهذه المدن، التي حددت موقفه ومشاعره وفقا لملامحها الحضارية.
ورغم ان هذه المدن قد سجلت حضورا لافتا للنظر في قصائده الا انها لم تكن لتتشابه في الحظوة والمكانة، لأن ذلك كان يخضع لمشاعره ونفسيته ونوعية التجربة التي يجابهها ويخوضها فيها، وهذا ما جعل لأربيل المدينة الحضور المكثف في قصائده، فأربيل بصورتها التراثية وعراقتها وسماتها الحضارية لها حضور دائم وملح في مخيلته، لأنها تمثل له الارض والديار والحبيبة، ولهذا فهو يحن دائما اليها، وفي هذا الحب والتذكر ما يثبت وطنيته وارتباطه بالأرض وولاءه لها.