الرئيسية » مقالات » (أحقاً ) رؤية عراقية؟؟؟ (2)

(أحقاً ) رؤية عراقية؟؟؟ (2)

أما الأمر الأخر الذي أستوقفنا في هذا المقال فهو الطريق الذي يراه الكاتب لمعالجة الأوضاع الراهنة في العراق، وكشفه عن حقيقة في العلاقات الدولية كما يسميها، حيث يقول ( ان افضل طريق للتعامل مع القوات المتعددة الجنسيات انما رسمته قرارات مجلس الامن التي صدرت منذ دخول القوات الامريكية والبريطانية العراق في 19 مارس من عام 2003 قد اعتبر مجلس الامن هذه القوات في البداية »قوات احتلال « ثم اعتبرها » قوات متعددة الجنسيات «بعد تسليم السيادة لاول حكومة عراقية بعد سقوط نظام صدام، واحال مسألة وجودها أو رحيلها، الى ما تبرم الحكومة العراقية ـ عبر الآليات الدستورية المعتمدة ـ من اتفاقيات مع هذه القوات، ومع الولايات المتحدة الامريكية، بشكل خاص، يوصلنا هذا الاستطراد والتحليل الى ايراد حقيقة معمول بها في العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وهي : ان وجود قوات اجنبية في بلد ما، بناء على اتفاق بينها وبين حكومة هذا البلد، لايعني ان البلد محتل، مادامت هذه القوات لا تفرض ارادتها السياسية على البلد على الضد من حكومته وهيئاته الرسمية، وهذه هي الحالة في اليابان والمانيا والعديد من الدول الاخرى التي توجد فيها القوات الامريكية.اخذ هذه الحقيقة بنظر الاعتبار ). طبعاً، هذا القول فيه أكثر من نقطة بحاجة للتدقيق، ومن غير الجائز تركه من دون توضيح، لذلك نستميح القارئ عذراً إذا ما أطلنا بسبب ما يحمله من تصورات خاطئة وشائعة ومتداولة حول قرارات مجلس الأمن خصوصاً القرارات الأخيرة، فسوف نركز على ما ورد في المقال بهذا الصدد ، إختصاراً للموضوع ونأمل أن قدم ما يفيد في هذا الشأن الذي يتعلق بالقانون الدولي والعلاقات الدولية بشكل عام.
1- قرارات مجلس الأمن الدولي، تأخذ بتوافق المصالح، خصوصاً من قبل الدول الخمس التي تتمتع بالعضوية الدائمة في المجلس ولها حق النقض لأي قرار، وهذا بحد ذاته يوفر إمكانية لفقدان العدل والإنصاف في الكثير من القرارات التي قد تصدر، أو لا يتحقق العدل والإنصاف بسبب عدم صدورها لموقف من هذه الدولة صاحبة حق النقض أو تلك والتاريخ يشهد على ذلك بكل سطوع، وهذه الحالة لا يمكن تجاوزها عند النظر لقرارات مجلس الأمن أو عند تقيمها، ونزعم إن مبادئ هيئة الأمم على أهميتها في تنظيم العلاقات الدولية، ولكن تبقى ضرورة إقتران ذلك بآلية عمل تنسجم وتؤدي إلى تطبيق تلك المبادئ، ولذلك فأن عدد غير قليل من القرارات في جوهرها أو عند تطبيقها كانت تتعارض مع مصالح وحقوق شعبنا بدأً من قرار 660 / عام 1990 حتى أخر قرار رقم 1790 / عام 2007 ، ونعتقد إن الأوضاع بشكل عام تؤشر ذلك وتعكس درجة تأثير القرارات الدولية إلى درجة إفساح المجال للتدخل بشؤون هي من صميم حقوق الشعوب، وما يحصل في بلادنا الآن هو تنفيد أجندة أجنبية وليس قرارات دولية، فالأمم المتحدة في عموم نشاطاتها تجد في الولايات المتحدة الأمريكية عقبة كأداء في عملية معالجة القضايا الدولية المتنوعة.
2- إن دخول القوات الأمريكية ومن معها من قوات تابعة لدول أخرى، إنما تم من دون الحصول على مةافقة من قبل مجلس الأمن الدولي رغم المحاولات والجهود والإدعاءات التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الرأي لا يلغي رغبتنا بالتخلص من الدكتاتورية الحاكمة في العراق آنذاك، ولكن حقائق التاريخ وقواعد العمل في إطار هيئة الأمم لابد أن توثق وتدرس كما هي، فالدخول بهذه الطريقة عمل غير مشروع، ولا يوصف غير إحتلال بكل المقاييس، ولا يمكن لمجلس الأمن وصف الحال بغيير ذلك، علماً إن المقترح تم تقديمه بمشاركة أمريكية، والولايات المتحدة تدرك كل الإدراك عدم وجود حل أخر أمامها إن هي أرادت قراراً دولياً يصف وجودها ويحدد مسؤولياتها، وهذا لا يعني إضفاء شرعية معينة بأي شكل من الأشكال، كما يحلو للكثيرين وصف الحالة من دون سند موضوعي أو نص قانوني، لأنهم أصبحوا أمام حاجة ماسة لجهود أخرى، ولا سبيل أمامهم سوى هيئة الأمم وهذا ما حصل فعلاً، فجهودهم السابقة لم توفر لهم إلا هذا العدد القليل من الدول المشاركة في الإحتلال، وبعضها إنسحب بعد عام أو أقل من عام ، مثل القوات الأسبانية والهندوراس…
3- إن قرار مجلس الأمن 1483 الصادر في 22 أيار / مايو 2003، هو مقترح مشترك مقدم من قبل الولايات المتحدة وحليفتها المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلند الشمالية لهيئة الأمم بتاريخ في 8 أيار / مايو 2003 إلى رئيس مجلس الأمن ( 538 / 2003 s( ، تم إعتبار العراق دولة محتلة من قبل القوات التي دخلت للعراق بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا تكييف للحالة ينسجم مع ميثاق هيئة الأمم، ولذلك وافق أعضاء مجلس الأمن على القرار، وهذا القرار الذي في جوهره هو قرار تحميل مسؤولية لهذه الدول إزاء العراق كدولة ذات سيادة لا يجوز أن تخضع للوصاية بإعتبارها عضو في هيئة الأمم، وهذه الحالة يجب أن تنتهي من خلال إعادة السيادة للعراقيين، وعملية تسليمها لا تكون شكلية كما هي الآن، فالقرارات الدولية مثل القرار 1500 الصادر في 14 أب / أغسطس 2003 ، القرار 1511 الصادر في 16 تشؤين الأول / أكتوبر 2003 ، القرار 1518 الصادر في 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2003 ، والقرار 1546 الصادر في 8 حزيران / يونيو 2004 ، والقرار 1557 الصادر في 12 آب / أغسطس 2004 ، القرار 1619 الصادر في 11 آب / أغسطس 2005 ، القرار 1637 الصادر في 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2005 ، القرار 1700 الصادر في 10 آب / اغسطس 2006 ، القرار 1723 الصادر في 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2006 ، القرار 1762 الصادر في 1 تموز / يوليو 2007 ، القرار 1770 الصادر في 10 آب / أغسطس 2007 ، القرار 1790 الصادر في 18 كانون الأول / ديسمبر 2007، وما قبلها تؤكد على إحترام سيادة العراق ووحدته وسلامته الأقليمية، فالقرار الأخير مثلا ً ينص على أن مجلس الأمن (… إذ يؤكد من جديد إستقلال العراق وسيادته ووحته وسلامته الإقليمية … وإذ يؤكد من جديد كذلك على أهمية مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للعراق … وإذ يؤكد من جديد أيضاً حق الشعب العراقي أن يقرر بحرية مستقبله السياسي وأن يتحكم في موارده الوطنية… )، والقرار الذي يسبقه ينص على أن مجلس الأمن(… إذ يعيد تأكيد إستقلال العراق وسيادته ووحدته وسلامته الأقليمية … وإذ يشدد على ما لإستقرار العراق وأمنه من أهمية لشعب العراق والمنطقة والمجتمع الدولي ، وإذ يسّلم بأن للعراق الآن حكومة منتخبة ديمقراطياً ومستندة إلى دستور .. ) وفي كل قرار يتعلق بالشأن العراقي يتكرر هذا المعنى بصيغ مختلفة، ولكن ماهي النتيجة في الممارسة العملية، وخلال هذه الأعوام الخمسة لم يتضح بعد للأستاذ محمد عبد الجبار الشبوط على مايبدو، عدم الإلتزام الجدي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية حتى بقرارات مجلس الأمن التي شاركت بإصدارها، ولا تناقضات القرارات ذاتها، فالقرار النهائي لا زال أمريكياً بإعتراف المسؤولين في السلطة الحالية، ولا تزال القوات الأمريكية غير خاضعة للقانون العراقي، لا بل الشركات الأمنية الخاصة لديها حصانة في حين الإنسان العراقي لا حصانة له لدى الأمريكان، فهل هذا هو الطريق الأفضل … الذي تحمله القرارات الدولية.
ولا نريد الجدال في طبيعة في طبيعة القرارات وإمكانية تطبيقاتها من دون إفراغ لمحتواها، فالموقف الأمريكي من دور ومكانة هيئة الأمم في المجتمع الدولي وعلاقة ذلك بالأمن القومي الأمريكي والمصالح الحيوية الأمريكية، لم يعد لغزاً فهو مكشوف ومعلن، نحن بحاجة إلى إدراكه والتعامل معه وليس إغفاله إلى درجة إهماله وبالتالي عدم معرفة حدود مصالحنا الوطنية وحدود المصالح الأجنبية بشكل عام والأمريكية بشكل خاص، إلى جانب حق الفيتو الذي تتمتع به الإدارة الأمريكية داخل مجلس الأمن الدولي الذي يمنع أي عمل ليس لصالحها، ولا بالموقف من الكثير من القرارات التي صدرت بحق العراق كدولة، والتي كانت أثارها على الشعب كانت أكثر من أثارها على نظام الحكم.
4- منذ أن تم تشكيل الحكومة ومن ثم إجراء إنتخابات من دون إنسجام مع المتطلبات، فالسيادة لم يجري تسليهما بشكل جدي والكثير من المسؤولين للأسف الشديد وعدة أطراف سياسية تشير إلى أن السيادة تم نقلها من الناحية القانونية!!! إي مفارقة هذه ، أن نقبل المسؤولية من دون صلاحية !!! هذا ما يجري على الأرض. حيث كانت عملية تسليم السيادة الشكلية، وبالطريقة وبالمواعيد الأمريكية، وكل ذلك لتمهيد الطريق أمام من يستعد للتوقيع على الطلبات الأمريكية، كطلب إبقاء القوات العسكرية، وتحديد طبيعة التشريعات المطلوبة، وليس لممارسة القرار السياسي المستقل الذي هو جوهر السيادة، ناهيك عن عملية توفير الأمن في بلد تم حل الجيش فيه قبل وضع البديل، أضافة إلى التدخل في الصغيرة والكبيرة من شؤون البلاد وحياة العباد.
ولذلك لا يمكن أن نعتبر هذا الطريق هو الأفضل بعد هذه التجربة المريرة، فالتقيّم في هذه الحالة لا بد ان يستند على الأفعال، وهذه الأفعال تشير بكل وضوح إلى درجة التشويه إختلاف وإختلاط المواقع والمواقف والمصالح من قبل كل الأطراف العراقية وغير العراقية.
5- إن القول بأن مجلس الأمن بقرارته الخاصة بحالة العراق بعد دخول القوات الأجنبية إليه في آذار 2003 ، احال مسألة وجود القوات … فهذا هو الرماد الذي تنثره الولايات المتحدة الأمريكية بعيون الناس، وهو سبيل المشاركين في إدارة البلاد بمعزل عن أخذ زمام الأمور بشكل جاد، فالولايات المتحدة الأمريكية، هي التي عبثت بمقدرات الدولة وهي التي خططت وحددت صيغة الحكم الجديد بمعزل عن الإرادة الوطنية العامة رغم ما يقال عن الإستفتاء والإنتخاب فالتنائج كما هي ملموسة كانت حالة إنتحاب، إلى درجة تجاوزت بالممارسة كونها عملية إنتخابية وغدت معركة سادها التوتر والإبتعاد عن الطابع السلمي للعملية، وضمانة حق المشاركة والإنسجام مع مبدأ تدوال السلطة، وبالتالي الفوز اليوم لا يعني عدم الخسران غداً، كما إن بعض الممارسات تركت أثار واضحة ليس بصالح نزاهة الإنتخابات خصوصاً أثناء فرز الأصوات، ومما زاد الطين بلة هو توجه القوى الفائزة إلى تشكيل الحكومة بالتحاصص في ظل فساد إداري مشرّعة له كل الأبواب وهو فاقع الألوان والإسراف المالي مستمر من دون عقاب بحماية الأخوان. فأي آلية دستورية مقصودة ؟! وهل حقاً لدينا آليات دستورية معتمدة كي يتم العمل بها في هذا الجانب أم إن الأمر شكلي كما هي السيادة شكلية؟! كم مرة جرى تمديد وجود القوات من قبل الحكومة بمعزل عن مجلس النواب ؟! كم مرة تكررت التصريحات الأمريكية المتضاربة حول مدة بقائها وحجم قواتها في العراق ؟! وهل تلك التصريحات ضمن الآليات الدستورية ؟! علماً إن المجلس مهما كانت قراراته لن يستطيع كبح تطلعات العراقيين وعملهم في ضوء وقائع ملموسة على الأرض، خصوصاً لجهة إنهاء الإحتلال وتلبية حاجات الناس وصيانة إستقلال البلاد.

22 شباط / فبراير 2008